تونس.. أفلام يمنية من جحيم الحرب

1٬684
تونس: تقرير خاص بأنسم

منذ خمس سنوات خلفت الحرب الكثير من الدمار والخراب في اليمن وبات يوصف بـ “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”، في المقابل تفجرت أيضًا الكثير من الطاقات لدى الشباب في: الأدب والفن والسينما.

من فيلم الخوذة، الصورة لأنسم من أيامة خالد
من فيلم الخوذة، الصورة لأنسم من أسامة خالد

مساء أمس الخميس.. كان خوذة أسامة خالد و الُملغَّم لـ يوسف الصباحي، فيلمين يعرضان على شاشة سينما المركز الثقافي الفرنسي بتونس ضمن أفلام المهرجان الدولي لأفلام حقوق الإنسان “كرامة تونس”.

“لقد تم العثور على جثث أخرى لنساء وأطفال ماتوا غرقًا في البحر أثناء محاولتهم الهروب من الحرب في اليمن”، كان ذلك هو الصوت الوحيد المسموع من الراديو في فيلم الخيال العلمي الخوذة للمخرج أسامة خالد، المعتمد على المؤثرات والحركة.

يشعر المخترع اليمني الشاب أن أحلامه تتلاشى، صوت القصف يعم الأرجاء، تنطفئ الأضواء، يحاول إيجاد منفذًا تكنولوجيًا للهرب من جحيم الحرب، ملامح الإحباط واليأس والغضب تملأ وجهه، يحطم كل شيء أمامه، يعود الشاب إلى لوحة المعادلات الرياضية، ينتهي من اختراعه، يرتدي الخوذة، فيختفي.

ويبدأ الفيلم الروائي للمخرج يوسف الصباحي “المُلغَّم“.. رجل يزرع لغمًا، ينثر التراب عليه برفق، ينفجر اللغم بأحدهم.. يعتلي صوت الملالاة (موال ريفي يمني) التي ترددها أم عمر القلقة عليه وقد ذهب لجلب الماء من مناطق بعيدة نتيجة الحصار المفروض على المدينة: قناصين وألغام، يلجأ عمر إلى الجبال الوعرة لتهريب الماء، رصاصة قناص تتربص به، يختبئ خلف الصخور.. مسلح فار من المعركة يختبئ خلف الأشجار يدفعه عمر وينتزع سلاحه.

انعدام الثقة بين عمر وعلي الذي كان يقتله العطش يهدد بقاءهما، يصارع عمر خوفه وعدم ثقته بعلي، لكنه يحتاج إلى مساعدته للوصول إلى المنزل، الخوف والتوتر ورصاص القناصة يتسيدوا الموقف، ينتزع علي سلاحه ويهرب بعيدًا، ليواجه عمر مصيره في المضي بين الرصاص وحقول الألغام.. يبدو حزن والدته كبيرًا وهي تلالي بصوت مبحوح وتبكي عمر الذي كان أيضًا قد فقد والده في انفجار اللغم.

عمر وعلي، من فيلم الغام أرضية.. الصورة لأنسم من يوسف الصباحي
عمر وعلي، من فيلم الغام أرضية.. الصورة لأنسم من يوسف الصباحي

مدير المهرجان: الأفلام اليمنية التي أنتجت رغم الحرب تمنحك أمل في إنتاج سينمائي راقٍ و فيلمي الخوذة والمُلغَّم يستحقان العرض والمشاهدة  

ريم بن منصور مديرة المهرجان
ريم بن منصور مديرة المهرجان،، تصوير أسامة المطري

أفلام جيدة

“لم تكن لدي فكرة كبيرة عن الأفلام اليمنية من قبل سوى القليل، إلا أن المخرجين الشباب خلال السنوات الأخيرة أظهروا إبداعهم السينمائي بشكل لافت”، تقول ريم بن منصور مديرة المهرجان الدولي لأفلام حقوق الإنسان ورئيس الجمعية الثقافية التونسية للإدماج والتكوين لـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم.

وتابعت: “الأفلام التي أنتجها الشباب خلال هذه الفترة الصعبة التي يمر بها اليمن تجعل لديك أمل في إنتاج سينمائي فاعل وعلى مستوىً راقٍ.. هناك جيل سينمائي يعرف ماذا يريد”.

وتوضح بن منصور أنه خلال زيارتها في مهرجان حقوق الإنسان (كرامة الأردن) لاحظت تسليط الأضواء على الأفلام اليمنية وأنه خُصص لها عرض خاص، “وهو ماجعلنا نضع مساحة لهم أيضًا في مهرجان (كرامة تونس) ليستمتع المشاهدين هنا أيضًا بالانتاج السينمائي اليمني.. حقيقةً، فيلما المخرجين الشابين أسامة ويوسف الخوذة والمُلغَّم من الأفلام الجيدة التي تستحق العرض والمشاهدة”، قالت لـ أنسم.

⇐ الفنانة التي صنعت صوتها. | اقرأ أيضًا في أنسم

كواليس

يقول أسامة خالد لـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم: “جاءت فكرة فيلم الخوذة عند انقطاع الكهرباء والإنترنت خلال الأسابيع الأولى للحرب 2015”.

وأضاف مخرج الخوذة: “كنت في الظلام داخل غرفتي بصنعاء أحاول تناسي الواقع المحيط خارج المنزل: أصوات الغارات الجوية والقصف، الوضع الإنساني السيء ومطار صنعاء المغلق..”

لم يتبقى لأسامه إلا متسعٌ وحيد: مخيلته، “حينها ولدت فكرة الخوذة التي أصبحت هي المنقذ لي خلال هذه الحرب من الجحيم والأفكار المظلمة التي كانت تحيط بي” قال.

فيما يقول مخرج فيلم ملغَّم يوسف الصباحي أن الفيلم “قصة عن رغبة الانسان المستميتة بالبقاء، و عن الدمار الذي تسببه الحرب في نفسية اليمني”.

وأضاف لـ أنسم ” لطالما كانت لدي رغبة في أن أحكي قصة اليمني الذي لم يعتد على الحرب واليمنيين اللذين تجمعهم أغاني أبو بكر سالم وأيوب طارش لا المناطقية و المذهبية”.

أنتج فيلم مُلغَّم باللغة الانجليزية مصحوبًا بالترجمة للعربية، وتم تصويره في ولاية كالفيورنيا، يقول الصباحي: ” نظرًا لأوضاع الحرب وصعوبة العودة إلى اليمن للتصوير كان علينا أن نجد المكان والبيئة المناسبة خصوصًا أن الممثلين أيضًا أمريكيين، وكان علينا أن نجهز الغرفة والديكور على الطريقة اليمنية وبنيناها من الصفر”، وأردف: “لقد كانت تجربة جميلة”.

الصباحي وسينما اللواء الأخضر

يوسف الصباحي
يوسف الصباحي

“عندما كنت صغيرًا كان أبي يحكي لي عن سينما اللواء الأخضر في مدينة إب القديمة و عن عشق أبنائها للسينما و الأفلام”، قال يوسف.

وأضاف لـ أنسم أنه عندما غادر إلى أمريكا لم ينسَ  ذلك، بل زاد اصرارًا على خوض تجربة السينما، “شاهدتُ كيف يُصور الغرب العرب ويسطحون فكرتهم في الأفلام والمسلسلات، فتعززت رغبتي في صناعة الأفلام”.

يسعى الصباحي المولود في مارس 1995 في مدينة إب وسط اليمن، لفهم النفسية الانسانية و كيف تتأثر سواءً في الوطن أو في المهجر، وكيف يرى الإنسان نفسه وكيف يراه الآخرون، “أحاول أن أفهم التعقيدات الكثيرة التي تحدد وتشكل سلوكه وبالتالي حياته ومصيره”.

لدى الصباحي فيلم آخر يدعى A Patriot Act عرض سابقًا في مهرجاني NTFFY و NIFF للأفلام في أمريكا 2018، يقول لـ أنسم: “اسم الفيلم فيه إشارة لقانون تم تمريره من قبل الكونجرس الأمريكي بعد أحداث سبتمبر لإعطاء مكتب التحقيقات الفيدرالية صلاحيات واسعة للتجسس على المواطنين وتم استخدام هذا القانون بشكل كبير للتجسس على المجتمعات العربية و تلفيق تهم إرهابية لمئات المسلمين في أمريكا”.

وتابع: “الفيلم يحكي قصة مهاجر يمني وصل لأمريكا عن طريق اليانصيب، وآخر عن طريق التهريب، و أصبح بعد فترة جاسوس لدى الـ FBI”.

تخرج الصباحي في ٢٠١٨، من كلية المسرح الفيلم والتلفزيون في جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس تخصص اخراج سينمائي، بعد تخرجه تلقى تدريبه في أكاديمية فنون و علوم الصور المتحركة (الأكاديمية التي تمنح جوائز الأوسكار) و يعمل يوسف الآن كمساعد كاتب في قناة تلفزيونية في لوس أنجلوس.

أسامة: الكاميرا ملاذي

أسامة خالد
أسامة خالد

منذ كان صغيرًا عشق أسامة خالد التصوير، وكانت كاميرا والده هي ملاذه للتعبير عن أفكاره.

يقول اسامة المولود في أكتوبر 1993 -مقيم حالياً في برلين بألمانيا- لـ أنسم: “كانت كاميرا نوع (سوني) وكان أول فيلم أنتجه هو (حياة العامل) وأنا في الـ 17”.

خلال دراسته في قسم الإذاعة والتلفزيون في جامعة صنعاء 2014، أطلق الشاب وأصدقاء له، شركة إنتاج صغيرة تسمى “Background” لصناعة الأفلام وأنتج أعمال للعديد من الشركات المحلية والقنوات التلفزيونية في اليمن.

عمل أسامة كمخرج ومحرر رئيسي في شركة “Afro1” في اليمن، حيث عمل على عدد من الأفلام الوثائقية القصيرة مثل: من أفراح إلى مآتم، نشتي نعيش، في انتظار العدالة وكذلك أفلام وثائقية قصيرة أخرى عمل عليها لإيصال أصوات الضحايا خلال الحرب في اليمن، كما أفاد لـ أنسم.

يقوم أسامة حاليًا بتصوير فيلمين، أحدهم درامي يتحدث عن قصة شاب هو وعائلتة بين صراع الأفكار التقليدية و التغيير الموجود في محيطهم.

والآخر اسمه “ماعادوش تمثيل” وهو فيلم وثائقي يتحدث عن شقيقين صغيرين (أحمد ونجم) يعيشان في اليمن ويوثقان كل يوم أثناء الحرب بواسطة الكاميرا الخاصة بهما.

وبحسب أسامة فإن فيلم الخوذة الذي يعرض حاليًا ضمن فعاليات المهرجان الدولي لأفلام حقوق الإنسان بتونس، سيعرض في مهرجان Les Regards de L’ICART في باريس فرنسا وترشح كأفضل نص لفيلم قصير 2020، و تم عرضه في مهرجان رأس الخيمة ومهرجاني رشد والأفلام المتحركة في إيران 2019، ومهرجان أجيال في الدوحة وترشح فيه لجائزة أفضل فيلم قصير 2019، كما تم عرضه في فعالية نافذة على كرامة اليمن  في تركيا 2020.

المصدر | مادة خاصة بـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم

يمنع إعادة نشر المادة أو أي مواد أخرى لـ أنسم دون الإشارة إلى المصدر