فضة اليمن و تلاشي زمنها الفضي

1٬063
مارجوري رانسوم*

اليمن عبر تاريخه الطويل، كان عرشًا للممالك والإمبراطوريات الإستثنائية التي كانت غنية بالعلم والمعرفة و بالأعراف الاجتماعية الحكيمة والأعمال التجارية.

منذ زمن ملكة سبأ الأسطورية وقبل ذلك بفترة مبكرة، أنتجت هذه الحضارات أنظمة إجتماعية في غاية التعقيد وهياكل مادية ملفتة للنظر، عملت على جذب طلاب العلم، الذين عملوا على تدوين وتوثيق هذه المنجزات.. وفي موازاة تاريخها العريق، هناك: الآثار العظيمة وجمال الطبيعة الأخاذ.

إن اليمن تمتلك ميراثًا رائعًا في الفن المعماري فريدًا من نوعه، وبنيةً اجتماعية آسرة ومتقنة، وحِرفًا قائمة على العمل المكثف.. ومن بين الفنون جميعها هناك: العمارة، حياكة النسيج والسلال، الدباغة، نحت الخشب والنجارة، أعمال التطريز.. ولايوجد أجمل ولا أكثر روعة من الطريقة التقليدية اليمنية لصياغة الحُلي.


رغم اتجاه النساء لارتداء القطع الذهبية، إلا أن قطعًا فضية مازالت تحتفظ بجاذبيتها

المجوهرات الفضية

منذ عدة قرون – وفي كل أرجاء اليمن – كانت تنتج المصوغات الفضية بواسطة اليهود والمسلمين والملفت للنظر استمرار التصاميم الفنية وكذلك التقنية، حيث إنه ومنذ زمن ملكة سبأ الأسطورية إلى يومنا هذا، فإن هذه التقنيات ( تخريم أو شبك ) هي التي تميز المصوغات الفضية اليمنية.

تقنيات تقليدية: تشبيك وتخريم

وفي الـ 50 – 150 سنة الأخيرة استخدمت هذه التقنيات في عدد من مراكز المجوهرات الفضية، في كل من: المملكة المتوكلية في الشمال، وفي المحمية البريطانية – عدن – في الجنوب.

ومنذ الـ 30 – 50 سنة الأخيرة هبطت أسعار الفضة، في الوقت الذي ارتفعت أسعار الذهب بصورة دراماتيكية، الأمر الذي أدى إلى تغيير أذواق النساء في اقتناء مصوغات الفضة وانتقالهن إلى اقتناء مسكوكات المجوهرات الذهبية، التي تم استيراد الكثير منها من الخارج..على الرغم من ذلك، فإن قطعًا فضية محدودة مازالت تحتفظ بجاذبيتها التقليدية.


ماتزال النساء في حضرموت يرتدين قطعًا من الفضة كجزء من مظهر العُرس

ففي حضرموت – على سبيل المثال – النساء مازلن مستمرات في ارتداء قطعتين من الفضة، كجزء من مظهر العُرس، أما في عتق عاصمة شبوة، فعدد دكاكين الفضة يفوق عدد دكاكين الذهب، و النساء ما زلن يلبسن الحُلي الفضية، وإنما بتصاميم عصرية.. (في الماضي كانوا يرتدون القطع الذهبية).

وعلى مقربة من مدينة البيضاء، الأنماط شبيهة بالأنماط الموجودة في شبوة ومأرب، إذ يستمر صائغ الفضة في إنتاج المجوهرات الفضية الخفيفة البراقة بأسلوب عصري، فيتم دفع و تشكيل القطع عبر الماكينات الكهربائية ولا ينطبق ذلك على القطع القديمة، مثل: الأسورة، الشميلي (معصم اليد)، والكتاب.

وفي المحويت، تقوم النساء بإعارة (تبادل) العقود الخرزية والقطع الفضية التقليدية فيما بينهن (بين الأسر) لتُلبس في الأعراس، مثل الـ لازم (قطعة فضية كبيرة و تعتبر أساسية في العرس) ومنها قلائد المرجان والكهرمان المسمى: كهرب.

المرجان والكهرمان والمسمى کهرب أو كهرمان

عندما غادر التجار اليهود اليمنيون إلى إسرائيل، تلاشت الحرف في مراكز محددة

ومع ذلك، فإن صائغي الفضة يجدون صعوبة في بيع المجوهرات الفضية للأيام الخوالي (السابقة) في المراكز الرئيسة لصياغة المجوهرات هذه الأيام.. ففي مركز “بن عريف” في وصاب السافل، يعمل الصائغ حسن علي العريف، صائغ معاصم الزند الجميلة: “الدملج”.. منذ أربعين عامًا.

الدملج (معاصم زند)

ويمتلك عبدالله غالب العريف مهارة فائقة في صناعة غطاء الجنبية (الخنجر اليماني) بنمطٍ بوصافي مُخرمة بصورة ملفتة للنظر، لكنه يجد صعوبة في الحصول على الأجر المناسب؛ لذا فإن شباب وصاب السافل (مرکز الصائغين التقليديين) رحلوا إلى المدن اليمنية الكبيرة، ويشتغل معظمهم حاليًا في صياغة الذهب.

تلاشي الحرف

عندما غادر التجار اليهود اليمنيون إلى إسرائيل، تلاشت الحرف في مراكز محددة، وعلى سبيل المثال: بعد مغادرتهم برع ورماع في أواخر الأربعينيات، لم يحقق الحرفيون اليمنيون المَهَرة أي تقدم، لذا فإن قطعة مثل هذه أصبحت نادرة، كما أنها تفتقد بصور متزايدة.


عندما تقلص طلب النساء على المجوهرات تحول الصائغون إلى صياغة السيوف و الجنابي

في تهامة ومدينة الضُحي حيث تتواجد أكبر مجموعة من صائغي الفضة في اليمن، هناك خمسون صائغًا يعملون لتموين سوق صنعاء بصورة “أولية” أساسية، في أوج الطلب على المجوهرات الفضية من قبل النساء.. فالصائغون المهرة في الضحي عملوا تشكيلات خاصة تلبي حاجات البدو، الذين يقطعون المدن عبر تهامة حتى محاذاة المناطق الجبلية (محاذاة الجبال).

وعندما تقلص الطلب على المجوهرات من قبل النساء، تحول الصائغون المَهَرة من صياغات مجوهرات النساء إلى صياغة السيوف و الجنابي، مثل تلك الجنبية التي صنعها محمد مريم من مدينة الضحي.. وفي الثلاثين سنة الأخيرة، اشتغل الصائغون على مجوهرات فضية لارتدائها في الأعراس.

في منطقة الزيدية، النمط متميز جدًا، وفي بداية القرن العشرين كانت تنتج عددًا من القطع الفضية الثرية الرائعة، لكن معظم مجوهرات الزيدية خاصة بالاستخدام الرجالي، مثل: الجنبية الملبوسة أو الجنبية القديمة، والتي قام “حُمادي بلاند” بإنتاجها. 

وفي الزيدية يوجد صائغ واحد فقط مازال مستمرًا في إنتاج السيوف للرجال، ولكنه لم يتقيد بنمط السيوف السابقة “القديمة”. (مزيد من الصور في الألبوم أسفل المادة)

⇐   إبراهيم جحوش.. إرادة صائغ الفضة الأصم |    اقرأ أيضًا في أنسم                                    

الكسرة (قلادة عنق) وحزام الزفة.. قطع من حضرموت

تقنية تقليدية

عبر حضرموت كلها، الصائغون يعتمدون على التقنية التقليدية.. في وادي دوعن وأديم وعمد وكذلك في سيئون و شبام وفي تريم..

حاليًا يوجد في حضرموت كثير من الصائغين ينتجون تصاميم فضية عصرية وبصورة أساسية من أجل الحضارم المهاجرين في الخليج.. وفي سيئون هناك 20 صائغًا ومثلهم كذلك في تريم، وفي القطن هناك 10 صائغين.

النساء في حضرموت يرتدين أنماطًا من المجوهرات الفضية ذات وزن ثقيل وتصاميم عصرية، مثل: الأساور والعقود والأحزمة.. الناس في المدن يفضلون الذهب، أما في الضواحي فإن النساء يرتدين تارة الذهب و تارة أخرى الفضة.

يوميًا في المساء ترتدي النساء الفضة، أما في الاحتفالات والمناسبات الكبيرة، فإنهن يفضلن ارتداء الحًلي الذهبية.

كسرة ودحرور

منذ أربعين أو خمسين سنة والنساء في حضرموت يرتدين قلادة تسمى “الكسرة” مزينة بنقط على الأطراف، و”حزام الزفة” الذي يزن 12 كيلو جرامًا، مثبت بحلقتين على شكل قبة ومخر متين يدويًا بصورة متقنة وجيدة الاتقان، ملحمتين بسبيكة من اللحام الفضي، تتدلى منهما خيوط لولبية تزدان أطرافها بالخرز الجميل.

قلادة عنق من مدينة تعز تسمى : الدحرور
قلادة عنق من مدينة تعز تسمى : الدحرور

في مدينة تعز، تم عرض عقد مميز عمره خمسون عامًا تقريبًا ويسمى “الدحرور”.

يقوم عبدالله إسماعيل العريفي – صائغ ماهر من أسرة عريقة في الصياغة – بإنتاج المجوهرات الفضية العصرية و “الجنابي” التي يقوم بصقلها باعتماد الشمع وتسمى: العُسْوَب (جمع عسيب وهي الجنبية).

في محافظة المهرة الواقعة إلى الشرق، هنالك حُلي على قطع الذهب المصبوغة، مثل: حلقة الأنف ( الصورة في الألبوم أسفل). *(هذه المنتجات من المجوهرات كانت شائعة ومعروفة، أما الآن فإن الزبائن أصبحوا يفضلون اقتناء القطع البسيطة والحديثة).

يسود الاتجاه للمصوغات الفضية في مدينة الشحر بحضرموت.. فـ سعيد محمد أحمد باجاتيان مستمر في إنتاج الجنابي الحضرمية التقليدية، لكن الآخرين مثل أسرة عبدالله العماري، فهم يقومون بصياغة القطع الفضية العصرية من خلال اعتماد التصاميم خفيفة الوزن بدلًا من إنتاج القطع الفضية القديمة التي تحتاج عمالة كثيفة.

** مارجوري رانسوم: باحثة أمريكية متخصصة في الفضة

المصدر| مجلة ذاكرة العدد 1 2009 – تنشر المادة بإذن من بيت الموروث الشعبي

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom