في اليوم العالمي للإذاعة.. الدور المجتمعي للإذاعات المحلية

606
شوقي شاهر

“هنا صنعاء إذاعة الأحرار، إذاعة الثوار، إذاعة الشعب، إذاعة: الجمهورية العربية اليمنية”، كانت هذه الكلمات تنطلق عبر الأثير صبيحة يوم الـ 26 من سبتمبر 1962 وإعلان البيان الأول للثورة اليمنية، الذي كتبه وأذاعه المناضل محمد عبدالله الفسيل، لتتشكل معها مرحلة جديدة في تاريخ الإذاعة اليمنية، التي بدأت منذ أربعينيات القرن الماضي: 1940 في عدن و 1946 في صنعاء.

ويصادف اليوم الـ١٣ من فبراير الاحتفال باليوم العالمي للإذاعة إعترافًا بأهمية الخدمة التي تقدمها هذه الوسيلة الإعلامية.. وما يعزز من أهمية هذه الوسيلة هو سهولة الحصول على هذه الخدمة وفق رُؤىً متنوعة، إلى جانب سهولة وصولها إلى أكبر نطاق من الجمهور وشرائحه المختلفة من خلال وسائط إعلامية واتصالية متعددة أسهمت في زيادة التمكين لهذه الوسيلة ورفع نسبة تأثيرها -المفترض- مقارنةً بوسائل الاعلام الأخرى.

ولسنا هنا بصدد المقارنة بين وسائل الإعلام ودورها وأهدافها ووظائفها، إلا أنه من الأجدر أن نعرج على التجربة التي يشهدها مجتمعنا في المجال الإذاعي وهي تجربة يتسع نطاقها في بلادنا يومًا بعد يوم وأسهم في ذلك عدة أسباب -الموضوعية منها والذاتية- والتي من أهمها قلة التكلفة المالية لإنشاء إذاعة محلية وذلك مقارنةً بإنشاء قناة فضائية مثلًا وذلك إلى جانب أن مخرجات كليات الإعلام في الجامعات اليمنية يرتفع عددها عاماً بعد عام وهو ما يمثل دافعاً لوجود مثل هذه الوسائل الإعلامية لتمتص ولو جزء بسيط من هذه المخرجات.

وبإعادة النظر إلى تجربة بلادنا في إطار الإذاعات المحلية (FM) نجد أن بلادنا مازالت حديثة التجربة في هذا الجانب وقد بدأت أولى خطواتها منذ عقد تقريبًا، وكانت تتركز في أمانة العاصمه ولكنه الآن قد تجاوز عددها 30 إذاعة محلية في العديد من المحافظات.

⇐     اقرأ أيضًا في أنسم|             رؤوفة حسن                                                        

هذه التجربة وعلى الرغم من حداثتها ومرور سنوات قليلة على وجودها في مجتمعنا إلا أنه قد رافقها العديد من الملاحظات وقد أصبحت بحاجة إلى تقييم أدائها باستمرار وذلك كونها مرتبطة بالجمهور مباشرةً وتقدم خدمة ووظيفه مرتبطة برفع مستوى ذائقة الجمهور ورفع مستوى الوعي المجتمعي والوطني إزاء مختلف القضايا المرتبطة بالهموم والشؤون المرتبطة بحاضر ومستقبل المجتمع وشرائحه المختلفه.

ومما لاشك فيه فإن أي عملية تقييم في هذا الإطار يجب أن تكون خاضعة لتقييم منهجي أكاديمي حتى نكون منصفين و موضوعيين فهذا الأمر لايتعلق باللحظة الراهنة فقط، بل يرافق ويواكب ويسهم إلى حد كبير في الحفاظ على تماسك المجتمع وإرشاده غالباً وتوعيته بالقضايا العامة ويلفت الانتباه إلى عملية أي تحول يمر بها ويشهدها وبالتالي فإن الأهمية تبرز في كونها موجهة غالباً الى كافة الشرائح إضافة إلى كونها تعيش في مرحلة مواجهة مع وسائل ووسائط إعلامية مشابهة وأخرى تحظى بعوامل جذب وتأثير أكبر.

إنها تجربة مازالت في مهدها وقد تكون لفتت الانتباه إليها في مواضع معينة، إلا أنها عموماً قد لاقت نصيبها من الملاحظات أُسوةً بتجارب مماثلة ما زالت في مهدها، لكن هذا لا يعفيها من تجاوز هذه الملاحظات كونها لم تكن وسيلة جديدة أو مستحدثة البتة، فقد أصبح مجرد ملئ الفراغ في أثيرها بدون الحصول على مردود توعوي وتثقيفي وخدمي هو الغالب على ما تبثه هذه الإذاعات ضمن حيزها الفضائي، فلأول وهلة وعند القيام بأول متابعة من خلالها يتم استقراء أبسط عينة من الجمهور تجد بأن برامجها وخدماتها المجتمعية لم ترتقِ إلى ما كانت تقدمه إذاعة صنعاء أو إذاعة تعز أو اذاعة الحديدة، على سبيل المثال من ناحية التأثير أو التصاق برامجها بذهنية المستمعين حتى اليوم فهناك برامج أصوات إذاعية -على الرغم من عدم حصولها على تأهيل أكاديمي متخصص- ماتزال مرتبطة بوجدان الناس وعاقة في ذاكرتهم، إلا أن أغلب البرامج والأصوات الإذاعية التي تقدمها هذه الإذاعات حاليًا، لم تتمكن من منافسة تلك البرامج والأصوات الإذاعية الجاذبة والملفتة لمسامع المتلقين رغم اختفاء أغلبها وقد طواها الزمن.


العامل الأخطر الذي تمارسه وسائل الإعلام عموماً و الاذاعات المجتمعية خصوصاً،عندما تلعب دور الموجه للجماهير

وهنا يظهر أمامنا سؤال يفرض نفسه بالضرورة: ما الذي يحتاجه الاعلامي في مجال الإعلام الإذاعي؟ هل هي الخبرة أم هو المؤهل الأكاديمي؟

ولست هنا بصدد التطرق إلى أهمية الجمع بينهما كونه أمر مفرغ منه لموضوعيته، يضاف لذلك  أن أغلب من يسند إليهم العمل الإذاعي اليوم في هذه الإذاعات لم يتمكنوا من الجمع بين هذين العاملين والجمع بين هاتين الخصلتين يبدو نادرًا في الوقت الحالي إلا أن لمساتها تبدو واضحة في عدد قليل جداً من الاذاعات الحالية وقد أسهم ذلك الى حد كبير في تفوقها عن غيرها من قريناتها من الإذاعات.

إن العامل الأكبر والأخطر الذي تمارسه وسائل الاعلام عموماً و الاذاعات المجتمعية خصوصاً هي عندما تلعب دور الموجه للجماهير فيه، فهي إما ان ترتقي بالذوق والوعي العام أو -وهذا الذي يمثل السلبية الأكبر- أنها تهبط  بهما وهو مانعتبره يمثل إصراراً على الإمعان في تجهيل المجتمع.


نقترح إقامة يوم وطني للإذاعة لتقيّم أعمال عام سابق ويقدم من خلاله وجبات إذاعية تنافسية لعام قادم

إننا نفخر في مجتمعنا بوجود هذه التجربة: الإذاعات المحلية fm.. ونشد على أيدي القائمين عليها، كونها تمثل أو يجب أن تمثل المصدر الأهم في توعية تثقيف وإعلام المجتمع وذلك ضمن فضاء متخم بالغث والسمين يتلهف للسيطرة على توجهات المجتمعات ويتسابق على توجيهها وقولبتها وذلك ضمن استهداف ممنهج خارج  إطار ثوابتنا الدينية والوطنية مستغلاً عدم وجود منافس، وإن كان حاضراً إلا أنه مازال يتلمس خطاه ويختزل المنافسه في تقديم أكبر قدر من مواعد الترفيه الجاهزه والأغاني بالذات التي تكاد تكون متكررة فيها جميعاً إلى جانب تلويث الذوق العام والهبوط بمستواه من خلال الاستخدام المفرط للهجات المحلية واللجوء الى اللغه المفتقدة أبسط قواعدها المنظمة لها.. ولا ينافس ذلك إلا تلويث ذوق المستمع بمواد إعلانية مكثفة كحصة إجبارية تتكرر طوال اليوم الإذاعي.

لا نريد لهذه التجربة أن تتعثر وهي في مهدها لمجرد أخطاء وممارسات غير مهنية يمكن تلافيها ببساطة.. نعم الأجدر سيبقى والبوصلة يجب أن تشير نحو هذا التوجه، إلا أن التنوع مهم والذوق العام لا يكاد ينحصر في إطار محدد بذاته.

وللبعض نقول الرجاء منكم انتبهوا لما تقومون به، فلا بأس من إعادة التقييم والمراجعة فما يزال هناك متسع من الوقت لحجز موطئ قدم عبر هذا الأثير المثير والتجربه مازالت في مهدها، ولا بأس من قيام الجهات الأكاديمية بالمؤازرة والقيام بدورها في هذا المجال.

وتعزيزاً لهذه التجربه نقترح إقامة يوم وطني للإذاعة يستعرض ويقيّم أعمال عام سابق ويفتح الباب أمام خارطة برامجية جديدة ويقدم من خلاله وجبات إذاعية تنافسية لعام قادم.

المصدر: تنشر أنسم المقال بالاتفاق مع الكاتب 

تابعونا على صفحاتنا:

فيس بوك: @ansomnett
تويتر: @ansomnett