في اليوم العالمي لكبار السن.. إلى جدتي

562
د. بلقيس علوان*

لا أتذكر تفاصيل طفولة بمنأىً عنها: كرامة عبدالله على علوان الباشا، جدتي لأمي.

أقدم ما تحتفظ به ذاكرتي: إنها ترعى خالي أصغر أولادها الذي مرض في الثانية من عمره وظل مقعدًا لا يتكلم ولا يعي حتى مات في الثامنة عشرة، أتعبتها رعايته كثيرًا، كانت تهتم لكل شيء: ملابسه طعامه، الاستحمام وكل شيء.. وكلما كبر تضعف هي، ولكنها تظل تراعيه، تحمله في حجرها وتتحدث إليه وهو يبتسم، تقبله وتقلبه ذات اليمين وذات الشمال حتى لا يصاب بقروح الفراش.

يوم توفي كانت تصرخ وتخور قواها فتبرك وتقول: “خذوني معه ادفنوني معه”.. كنت حينها في الصف الثاني الإبتدائي وأتصور أن موته لا بد أن يكون حدثًا سعيدًا وخلاصًا لها، لكن حزنها الطويل قال غير ذلك.

كانت بالنسبة لنا قوة وسلطة لا يسمح والدي أو والدتي بتجاوزها، وهو ما كنا نلومهما عليه على الدوام.

متحكمة، تصر على تفاصيل نضجر منها، فعندما نستيقظ يجب أن يكون الحمام وجهتنا الأولى: غسل الفم والأسنان والأنف.. ومن يتساهل ستكتشفه وهي تطلب منا الاقتراب منها لتتأكد، غسل الوجه كاملًا من الجبهة للذقن ومن الأذن للأذن، تفاصيل لا تتنازل عنها ولا تمل من مراجعتها معنا كل صباح.


كانت جدتي قوة وسلطة، متحكمة، تصر على تفاصيل نضجر منها

على سُفرة الأكل، الجلوس بالجنب اليمين لنوسع لمن جنبنا، كيف نمسك الملعقة ولا نصدر صوت أثناء المضغ والفم مغلق، كنا نُجمع أنها حرفيًا تنغص حياتنا، تقسو علينا، ويتأكد لنا ذلك أكثر عندما تصر على أن نسقي أشجار: الخوخ والرمان والتين والباباي والذرة.. ومساحة الخضار: الكبزرة والنعناع والطماطم.. وكل فترة تضيف نبتة جديدة لبساتين منزلنا، وعلينا فتح بيت الدجاج ووضع الأكل لها وياويلنا إن نسينا إدخالها مع غروب الشمس، إذا ما كانت في زيارة عائلية وقتها.

كانت إذا مرضت الدجاجات تسحق لها حبات البندول والمضاد الحيوي وتضعها في الأكل ونحن نتأفف من دجاجاتها المريضات، لكن الدجاجات لا تخذلها، كانت تتعافى وتعاود الأكل ومنح البيض.

كنا نتحدث سرًا بيننا – نحن الأحفاد – لماذا كل هذا العناء؟ لِمَ نسقي الشجر؟  لماذا تظل تجمع عُلب السمن وتزرع فيها الريحان؟ لماذا تربي الدجاج وأحيانًا الأرانب.. هل نحن في قرية؟ هل نحن بحاجة لبيضها وخضارها؟ ولماذا تجبرنا على مشاركتها في تلك الأعمال المزعجة؟!.

لا أنسى عندما انسكب على أخي كوب الشاي في صحن التقديم ككل مرة وفي كل مرة تنبهه أن يمسك الكوب جيدًا، لكنه لا يفعل ويسقطه من يده، فأعادت سكب الشاي إلى الكوب وأجبرته أن يشربه، وكانت تلك آخر مرة ينسكب عليه الشاي.. هذا الموقف – تحديدًا – جعلنا نجمع على أنها صاحبة أقسى قلب في العالم، لكنها – نفسها – انشغلت بتجبير رجل قطة وظلت ترعاها حتى تعافت.

⇐   فضة اليمن و تلاشي زمنها الفضي |   اقرأ لـ مارجوري رانسوم في أنسم                               

عندما مرضت مرضًا شديدا لدرجة أني لم أستطع الوقوف وكان والدي في رحلة عمل، حملتني على ظهرها ذهابًا وعودة إلى الطبيب واشترت الدواء وأعادتني للبيت لا أنسى الدوار الذي كُنت أعانيه من شدة التعب وأنا على ظهرها، لكنني إلى الآن أتساءل: كيف قوي ظهرها على حملي كل تلك المسافة؟.

كنا نختلف معها، مع طريقتها في الحياة وإصرارها على تنفيذ كل الواجبات، فلا ذهاب للمدرسة قبل إنجاز المهام المنزلية، بالنسبة لنا نحن البنات كانت تركز كثيرًا على طريقة جلوسنا ومستوى أصواتنا.

وهي أيضًا من كنا نتحلق حولها لسماع الحكايات التي نطلب سماعها مرة بعد مرة ولا نمل وهي لا تضجر.

كان لجدتي طقوسها اليومية تصحو مع الفجر وتنام بعد أخبار التاسعة التي تشاهدها من خلال التلفزيون – الأبيض والأسود – الذي رفضت تغييره بتلفزيون ملون.

كان لها وِردها اليومي من الأذكار آلافًا آلاف، ولها دعوة واحدة: “يا رب خذني قوية ضوية”.. وكان لها تلك الدعوة فإلى قبل وفاتها بساعات كانت تقف على رجليها.


كبرنا وعرفنا أن ما كنتي تقومين به: سلوك صديق للبيئة وإدارة موارد ورفق بالحيوان وبناء للإنسان

كبرت يا جدتي وصرت أمًا ولي أبناء أصر على أن يغسلو وجوههم وأسنانهم أولًا، أن يجلسوا إلى السفرة بالجانب الأيمن وألا يصدروا أصواتًا أثناء مضغ الطعام.. أشتقت لك ولدجاجاتك و بستاننا الذي كان يزرع في السنة مرتين وها هو قد أقفر، ومن كل تلك الأشجار تقف شجرة خوج تجاورها شجرة تين وحيدتان فيه.

كُنتِ على حق في كل ما تقومين به، زرعت بستاننا وزرعتي لدينا الإحساس بالمسؤولية والرفق وعزة النفس، كبرنا وعرفنا أن ما كنتي تقومين به: سلوك صديق للبيئة وإدارة موارد ورفق بالحيوان وبناء للإنسان.

.. جعل الله روحك محلقةً في الجنة، ولك ولكل كبار السن في العالم قبلات الامتنان.. كنتم وما زلتم لنا وكنا وما زلنا بحاجة لكم، لحكمتكم.. دوركم في حياتنا لا ينتهي بالممات.

*د. بلقيس علوان – استاذ مساعد في كلية الإعلام جامعة صنعاء

المصدر| مقال خاص بالبوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom