5 سنوات في العذاب والعتمة.. حكاية 9 صحفيين اعتقلهم الحوثي في يوم الصحافة

773
مهيب زوى

بينما كانت تهاني عيد ميلاده الـ24 لاتزال تنهال على صفحته بالفيس بوك في الـ9 من يونيو 2015، وبينما كان الصحفيون اليمنيون يحتلفون بيوم الصحافة اليمنية بنفس اليوم، لم يكن هيثم الشهاب يتوقع أنه في تلك الليلة سيقضي أكثر من سنوات دراسته الجامعية –التي أنهاها منذ عام فقط- في معتقل يسلبه حريته وتُمارس فيه كل أصناف التعذيب والانتهاك.

هيثم الشهاب وهشام اليوسفي بعد الإفراج عنهم ضمن صفقة تبادل أسرى

“لن أسكت عن حقي وزملائي في ملاحقة الجناة” قال هيثم الشهاب لـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم عقب خروجه من معتقلات الحوثي التي قضى فيها خمس سنوات وثلاثة أشهر رفقة تسعة زملاء تقاسموا معه الألم والمعاناة وفقدان الحرية لكنهم لم يفقدوا الأمل بملاحقة ومحاسبة الجناة، “سأكشف بشاعة وقبح الحوثي أمام العالم لينالوا عقابهم، سأشعل قضيتي وزملائي في كل مكان.. يجب أن يخرجوا من المعتقل”.

غادر الشهاب معتقل الحوثي في السجن المركزي بصنعاء رفقة أربعة زملاء (هشام طرموم، هشام اليوسفي، عصام بلغيث و حسن عناب) في الـ 15 من أكتوبر الماضي إلى سيئون، ضمن صفقة تبادل أسرى مع الحكومة الشرعية، وصفتها فاطمة مطهر عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين أنها حيلة لإفلات الجناة من العقاب من خلال اشتراطهم مقايضة الصحفيين بأسرى حرب ومقاتلين، “وهذا مرفوض ولن يمر دون مساءلة”.

يقول لـ أنسم: “وصلنا سيئون في ظروف صحية ونفسية غايةً في السوء.. لدينا أمراض عديدة والطب هنا سيء، نحتاج إلى دعم نفسي ومعنوي.. نطالب الحكومة والمنظمات الدولية والحقوقية إعادة بناء ما تم تدميره في كياننا الإنساني ونفسياتنا المنهكة”.

الصحفيين المعتقلين لدى جماعة الحوثي

أصل الحكاية

 في إحدى غرف فندق بحر الأحلام بشارع الستين بالقرب من كلية الطب، كان تسعة صحفيين يمارسون مهمتهم في جمع وتوثيق الانتهاكات التي تمارسها جماعة الحوثي منذ سيطرتها على صنعاء في21 سبتمبر 2014  “كنا نعمل على الرصد والتوثيق ونشر أخبار جرائم الحوثي” وفي الـ 9 من يونيو 2015 اقتحم مسلحو الجماعة الفندق، وتم اختطافهم واعتقالهم.

“نحن صحفيون”، قال هيثم وزملاؤه للمسلحين الذين اقتحموا الغرفة بالرشاشات.”كانوا خمسة يرتدون زي الحرس الجمهوري وآخرين يرتدون زيًا مدنيًا وكانت الساعة تشير على الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، كانوا يفتشون عن شرائح يقولوا أنها للطيران”.


محامي الصحفيين المعتقلين صبرة: كان مجرد السؤال عنهم يُعرضك للاعتقال لدى الجماعة

اتهمت جماعة الحوثي المسلحة الصحفي هيثم الشهاب وزملاؤه الثمانية (عبدالخالق عمران، توفيق المنصوري، عصام بلغيث، حسن عناب، هشام طرموم، هشام اليوسفي، أكرم الوليدي حارث حميد) أنهم يعملون لصالح التحالف العربي بقيادة السعودية (المساند للحكومة الشرعية) وأنهم يبعثون إحداثيات مواقع ليتم قصفها بالطيران.. “طلعوا الشرائح” قال لهم المسلحون بعد أن وجه أحدهم رشاش نحوهم.

بدا الصحفي هيثم الشهاب -المتخرج من قسم الصحافة في 7 يونيو 2014- منهكًا وهو يتذكر تلك اللحظات لـ أنسم:أخرجونا إلى صالة الفندق وأسندونا إلى الجدار، وقف أمامنا أربعة أشخاص يحملون سلاح كلاشنكوف وآخر بيده أر بي جي، فتشونا وأخذوا كل ما لدينا من أدوات وأجهزة باستثناء الملابس التي علينا بعد أن فتشوها جيدًا”.

وتابع: “نقلونا إلى سجن الحصبة (شمال شرق صنعاء) فوق طقمين رفقة ثلاثة أطقم أخرى أوصلونا إلى ديوان وطلبوا منا عدم الحديث مع بعضنا”.

مارست الجماعة مزيدًا من الضغط النفسي لإرهاب هيثم ورفاقه وإرباكهم، “قسَّمونا لمجموعتين: مجموعة بقت في قسم شرطة الحصبة (هيثم الشهاب عصام، بلغيث هشام، اليوسفي، اكرم الوليدي وحسن عناب) وأخذت المجموعة الأخرى  لقسم الأحمر (هشام طرموم وتوفيق المنصوري وحارث حميد عبدالخالق عمران)” قال هيثم.


تعرضنا للتهديد بالتصفية ووضعنا أهدافًا في مخازن السلاح التي تتعرض لقصف الطيران

بعد يومين من بقائهم في سجن مركِزَي شرطة: الحصبة والأحمر.. اجتمع هيثم وزملاؤه في سجن البحث الجنائي ليظلوا شهراُ (من 11 يونيو حتى 12 يوليو 2015) مورست معهم أقسى أنواع التعذيب أثناء التحقيقات، يقول لـ أنسم:”في التحقيق تعرضنا للتهديد بالتصفية والذهاب بنا إلى مخازن السلاح في جبل نقم (شرق العاصمة) التي تتعرض للقصف كدروع بشرية”.

وتابع: “أدخلونا في غرف بدون فراشات أو بطانيات نمنا ثلاثة أيام على البلاط فوق التراب في البرد، رفضوا إعطاءنا الأكل ليومين وأثناء مطالبتنا لهم يقولوا ليست هناك ميزانية معتمدة للسجن، أما الحمام (المرحاض) فمرة واحدة فقط وباقي اليوم كنا نتبول من النافذة”.

يقول هيثم: “أثناء التحقيق كان أحدهم يدور حولي ويشحن المسدس لتهديدي بالقتل، كل أسئلة التحقيق كانت سؤال واحد: عن أصدقائي الصحفيين الموجودة أسماؤهم في سجل تلفوني”.

وأضاف لـ أنسم: “استمر التحقيق معي لأكثر من ساعة لم يحقق معي بعدها استمريت في سجن البحث 33 يومًا الماء نشربه من الحمامات أغبر اللون كريه الطعم والرائحة، وكان الشاويش (حارس الزنزانة) يفتح الطاقة الصغيرة في أوقات متفرقة ليتأكد إن كان هناك أشخاص يتحدثون مع بعضهم فيعاقبهم بالضرب”.


أنتم لستم مختطفين أنتم ضيوف السيد.. وبعدها تعرضنا للضرب بالهراوات والأسلاك الشائكة

أنتم في ضيافة السيد

عبد الملك قائد جماعة الحوثي المسلحة

ظل الزملاء المعتقلين “في ضيافة السيد” 33 يومًا ولا يُعرف عنهم شيئًا ولم يُسمح لأحد بزيارتهم حتى محاميهم، وتم تحويلهم من سجن البحث الجنائي بصنعاء إلى السجن الاحتياطي لمنطقة الثورة، ليظلوا هناك ستة أشهر أخرى (من 12 يوليو 2015 حتى 24 يناير 2016).

يقول عبد المجيد صبرة -محامي الصحفيين المعتقلين- لـ أنسم: “كان مجرد السؤال عنهم قد يعرضك للاعتقال، حيث ذهبت خلالها  إلى معتقل احتياطي الثورة مع الزميل محمد الهناهي وسألنا أحد الجنود الرسميين عن الصحفيين فقال لنا بالحرف الواحد لو يعرف ذلك أحد أفراد اللجان الشعبية لَتَم اعتقالكم”.


منعوا عنا الشمس وأضربنا عن الطعام فتعرضنا للضرب وكانوا يعالجونا بالـ بروفين

يقول هيثم الشهاب لـ أنسم أنه عند نقلهم إلى سجن الثورة الاحتياطي، كان السجن فارغًا باستثناء بعض الزنزانات، “وزعونا على كل الزنازين وحتى تلك اللحظة كنا مانزال مخفيين عن أهالينا.. طالبت بالتواصل مع أهلي فرفضوا”.

وتابع: “جاء شخص من قيادة جماعة الحوثي في يوم العيد فأخبرته ليش اختطفتموني أنا صحفي ولست قاتل، أريد أن اطمئن أهلي قال: أنتم لستم مختطفين أنتم ضيوف السيد.. وبعدها تهجموا علينا بالضرب بالهراوة والأسلاك الشائكة”.

انتقل بعدها هيثم الشهاب ورفاقه إلى سجن هبرة الاحتياطي بسعوان من (24 يناير إلى 4 مايو 2016)، “هناك منعونا من الشمس وأوضاعنا الصحية أكثر سوءًا، كانوا يعالجونا بالبروفين ويمنعوا اختلاطنا بأي شخص.. كان الأكل والشرب والتطبيب سيئًا جدًا”.

⇐  المحامي صبرة لـ أنسم: أطراف الصراع ترى الصحفيين عدوًا من الدرجة الأولى              

يقول هيثم أنها كانت أيام قاسية، “أتوا بأشخاص آخرين ليحققوا معنا ويثبتوا أننا لسنا صحفيين، هددونا بالنقل إلى صعدة (معقل جماعة الحوثي)، أضربنا عن الطعام حاولوا ارغامنا على الأكل تعرضنا للضرب من أبو خليل مدير الإحتياطي”.

بعد سجن هبرة الاحتياطي تم نقلهم إلى سجن الأمن السياسي -السجن الأسوأ سمعة في اليمن- ليمضوا هناك فترتهم الأطول مع المعاناة والعذاب والانتهاكات والضرب والتنكيل من (4 مايو 2016 الى 2 اكتوبر 2020).

يقول لـ أنسم: “في الأمن السياسي كانت المعاناة الحقيقية، تعرضنا فيه للضرب إلى حد الموت، هددونا باختطاف أهالينا، كما حاول مدير السجن المدعو عبدالخالق بأن نشتغل معاه ونخرج صحيفه من داخل السجن، وحين رفضنا وُضعنا في زنازين قذرة، طفحت على ملابسنا وفراشاتنا المجاري”.

“كان يتعمد إيذاءنا وقت زيارة الأهل ليجعلهم في حالة قلق علينا.. واعتدوا عليَّ مرات عديدة بالضرب أمام أسرتي” يقول هيثم بألم.

إعدام الصحافة

في 11 أبريل الماضي تمت محاكمة الصحفيين العشرة (إضافة لـ صلاح القاعدي الذي اعتقل في أغسطس 2015) في المحكمة الجزائية المتخصصة (محكمة أمن الدولة المتخصصة بقضايا الإرهاب) وقضت بالإعدام على الزملاء: عبد الخالق عمران، توفيق المنصوري، حارث حميد وأكرم الوليدي..  والحكم بالسجن ست سنوات لهيثم الشهاب والآخرين، مع الاكتفاء بالمدة التي قضوها في المعتقل.

وأثار حكم الإعدام استياء كبيرًا في الأوساط الحقوقية المحلية والدولية وأعلنت نقابة الصحفيين اليمنيين واتحاد الصحفيين الدوليين رفضها للأحكام الصادرة بحق الصحفيين من محاكم الحوثي وطالبت باسقاط أحكام الإعدام وإطلاق كافة الزملاء المعتقلين.

خلال أكثر من خمس سنوات من الحرب شهدت حريات الصحافة اليمنية أسوأ مراحلها من قبل جميع أطراف الصراع (جماعة الحوثي، الحكومة الشرعية وقيادة التحالف المساند لها): 1173 حالة انتهاك بينهم 36 قتيلًا و 20 حالة اعتقال وإخفاء قسري.. وبات ينظر للصحفي وقلمه عدوًا من الدرجة الأولى حتى لو كان معتقلًا.. يقول هيثم الشهاب لـ أنسم: “تخيل.. تعرضنا للضرب لـ 6 ساعات متواصلة بسبب سِنَة قلم أدخلها زميلي حسن في رغيف خبز إلى السجن.. لقد كانت ليلة قاسية.. شاهدنا فيها الموت”.

المصدر| مادة خاصة بالبوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم

يمنع إعادة نشر المادة أو أي مواد خاصة بـ أنسم دون ذكر المصدر

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom