بن سعد.. مدرسة موسيقية ومجدد الموشح الصنعاني

1٬306
مهيب زوى

بعد أن ترددت أنباء مرضه وسط اهمال رسمي وقلق شعبي، ظهر الفنان محمد سعد عبدالله أواخر التسعينيات على شاشة التلفزيون، متعبًا بيد مضمدة، سألته المذيعة مايسة ردمان “ماله يدك استاذ محمد؟”، ضحك وقال بلهجته العدنية: “أنا عوَّرتها“، موضحًا انه خلال فترة مرضه عانى كثيرًا، لكنه لم يستطع التخلص من شغفه بالعود وكانت يده تسحبه نحوه، فأمسك بالعصا وضربها حتى لاتمسك بالعود ثانية.

محمد سعد عبد الله

لن يستطيع فنان أن يسحبك من أذنيك إليه: تصغي، تستمع، تنطرب وتتأثر وتردد معه أغنيته وأنت في قمة شجنك.. فقط وحده بن سعد يفعل ذلك.. ومثلما صوته أيضًا، لم تتوقف يد بن سعد المضمدة عن اللعب على أوتار أحاسيسنا، وليس فقط على العود وحسب حتى بعد وفاته صباح يوم الثلاثاء 16 أبريل 2002 في مستشفى الجمهورية بعدن وحتى اللحظة.

لم يكن ينتظر بن سعد أن يكون هناك شارعًا يحمل اسمه ويمتد من أمام مكتب بريد الشيخ عثمان مرورًا بملاهي عدن (بستان الكمسري) وانتهاءً بالطريق العام المؤدي إلى مدينة دار سعد، كتكريم حكومي له بعد موته، وهو الذي الذي عانى الإهمال طوال حياته كفنان قدم أكثر من مائة أغنية من كل الألوان الموسيقية وعدد من الأغاني الوطنية والعديد من الأغاني التراثية التي عمل على تجديدها.

ليس إهمالًا رسميًا فقط ماعاناه الفنان الكبير محمد سعد عبد الله (ابو مشتاق) المشهور بـ بن سعد، لكن الإرث الفني الذي خلفه مايزال يعاني الكثير من الإهمال حتى على مستوى الأجيال الفنية الجديدة، فلا أحد يعيد تسجيل أغانيه، ناهيك عن الأداء غير الجيد أو التشويه الذي يطالها، ويُرجع بعض المهتمين أن ذلك يعود لصعوبة ألحانه أو لكمية الإحساس التي تحتويها والتي يصعب على المؤدي العادي أن يتقمصه، وبالتالي فإن أغاني محمد سعد لا تليق بفنان غيره.

ومن الحكايا الطريفة انه أطلق على الفنان محمد سعد عبد الله تندرًا لقب شاعر وفنان المطلقات لرهافة احساسه وارتباط أغانيه العاطفية بالحزن والشجن والتحدي، ويقال أنه كان يجلس مرارًا إلى جوار كاتب عدل الشيخ عثمان في المحكمة ويستمع معه إلى حكايا النساء ويترجمها أغانِ ممتلئة بالمعاناة.


ورث بن سعد حب الغناء عن أبيه ذو الأصول الكوكبانية وتشرب الطرب الصنعاني من مشائخ الغناء

ضابط إيقاع شيوخ الغناء

محمد سعد عبد الله

في مدينة الحوطة – محافظة لحج جنوب اليمن- ولد محمد سعد عبدالله 1934، وتربى لدى أبيه في بيت جده بعد انفصال والدته، تأثر الطفل بأبيه الشيخ سعد عبد الله الذي كان مطربًا ذائع الصيت.

وبحسب ما قاله الفنان محمد مرشد ناجي في كتابه الغناء الصنعاني القديم ومشاهيره فإن “الشيخ سعد عبد الله أصلاً من مدينة كوكبان، ويقول الحاج عوني حسن العجمي أن الشيخ سعد يعد من مشائخ زمانه في الغناء نظرًا لحافظته لألحان الموشح اليمني وألوان أخرى من الغناء، إلى جانب أنه يحفظ ثلاثة آلاف مقطوعة شعرية وأنه كان أديباً وشاعراً ويتمتع بصوت جميل أخاذ”، ويبدو ذلك واضحًا في شخصية الإبن الذي مضى على منوال والده.

مطلع الأربعينيات غادر الطفل الحوطة إلى عدن للعيش مع أمه المتزوجة هناك في الشيخ عثمان خلف حارة الصباغين وتلقى تعليمه الأساسي والثانوي، وهناك كان يلتقي بأصدقاء له من محبي الغناء والطرب ويقضي معظم أوقاته معهم.


عكاظ: قبل 30 عامًا تنازل بن سعد عن 30 أغنية لمحمد عبده لغنائها ولم تظهر حتى الآن

 تأثر الطفل بأبيه الفنان – الذي ورث عنه حب الغناء والطرب ما شكل لديه رافدًا كبيرًا من الأنغام والإيقاعات – وجيل الرواد للأغنية اليمنية ومشائخ الطرب والغناء: عوض المسلمي واسماعيل سعيد هادي وأحمد عوض الجراش،  وظل متنقلًا بين الحوطة وعدن في الإجازات يرافقهم في حفلاتهم ومجالسهم الفنية ومخادر الأعراس في الحوطة كضارب إيقاع ومرددًا خلفهم (كورس)، وكان لا يُسمح لضارب الإيقاع القيام بمهمة الترديد خلف الفنان إلا إذا كان ذا صوت جميل وهو ما ميز الطفل الموهوب المعجون بالفن.

ظل هاجس الطفل المشهور بـ (بن سعد) أن يتعلم العود، إذ كان حينها الموشح الصنعاني معيار اختبار الفنان وإذا ما أجاد وأتيحت له الفرصة لتعلم العود فإنه يستطيع أن يكون تخته الخاص به وينافس المطربين في إحياء حفلات الزواج ومجالس القات، ومن خلال اتباع هذا التقليد التدريجي تخرّج كثير من المطربين، وهو مادفع الطفل الموهوب إلى تعلم العزف على العود وعندما بلغ الـ 16 من عمره كان بن سعد فنانًا مجيدًا للعزف وصوتًا ينتظره السامعين في المجالس والمخادر وتميز عزفه بريشة رشيقة وتكنيك عالي.

بدأ بعدها بن سعد في التعامل مع بعض الشعراء وكانت أول أغنية من ألحانه “محلا السمر جنبك” من كلمات الدكتور محمد عبده غانم رئيس الرابطة الموسيقية العدنية آنذاك، لحنها بنفسه متنقلا بين المقامات: حجاز، حسيني وبيات، مستخدمًا ايقاع الزفة اللحجي(الشرح 8/6)، ولاقت نجاحاً كبيرًا ووثقت أولى خطواته كفنان مُجيد، فقد جاء اللحن مبنياً ومطابقاً للون الغناء في لحج وعلى طريقة الدان المبنية عليه كل الألحان اللحجية متأثرًا بالمطرب فضل محمد اللحجي.

ليبدأ بعدها تجربة كتابة الكلمات لنفسه وتلحينها فكانت أغنية (مابا بديل) فجاء اللحن تطويراً للجمل اللحنية المألوفة في الألحان اللحجية المبنية عادة على وتيرة واحدة وتعتمد على التكرار، وكانت “مابا بديل” ملتزمة بالبناء اللحني اللحجي لكن الأداء كان متفوقًا مع مستوى تطور اللحن وظهوره بطابع لحجي جديد متنقلا بين مقامات عدة.

تلا ذلك استمرار بن سعد في التلحين لقصائد آخرين مثل لطفي جعفر أمان وعلي أمان إضافة إلى استمراره في كتابة الاغاني لنفسه وتلحينها وادائها، فكانت: ياناس ردوا حبيبي، سلموا لي على خلي، كلمة ولو جبر خاطر، لهيب الشوق، أعز الناس، والعديد من الأغاني، وضمن لاحقًا كل هذه الأغاني التي كتبها ولحنها ديوان شعري أسماه “لهيب الشوق” كتب مقدمته الفنان الراحل محمد مرشد ناجي.

أوائل الخمسينيات اتجه محمد سعد إلى حضرموت وهناك تلقى الفتى الشاب العديد من المعارف الموسيقية في الأغنية الحضرمية  والتعرف على ألوان جديدة لاختبار قدراته وامكانياته في الغناء والعزف واكتساب الخبرة، حينها كان قد شاب الاغنية الحضرمية الكثير من الركود عقب سفر رائدها محمد جمعة خان إلى السعودية، فذاع صيت بن سعد في المكلا من خلال حفلات الزواج التي كان يحييها وسرى خبره إلى الشحر والغيل ثم إلى داخل حضرموت، إلا أن لقائه بالفنان عبد الله حاج بن طرش جعلته في أول الطريق الجديد فسمع منه أغلب ألوان الغناء في حضرموت وتعرف على الطرق المختلفة في الأداء والعزف والتعرف على أنواع الإيقاعات المستخدمة والتي شكلت بعدها لدى بن سعد مدرسة متنوعة لفنان شامل.


تفوق الفنان محمد سعد في تقديم الموشح اليمني أوركستراليًا وعرف إيقاع الوسطى فنيًا يالإيقاع السعداوي

وعند عودته إلى عدن منتصف الخمسينيات سجل بن سعد العديد من الأغاني الحضرمية، وظهر لاحقًا تأثير اللون الحضرمي على بن سعد -الذي أجاد الأغنية الحضرمية باقتدار وعاشها بصدق- في تأليف وتلحين وأداء أغنية “من بلي بالهوى” التي ظنها الكثير أنها أغنية من التراث الحضرمي، والعديد من الأغاني الأخرى.

ونجح بعدها بن سعد في تلحين العديد من الأغاني على الطريقة التقليدية المتبعة في الغناء اليمني القديم (الصنعاني) وعلى مقامات موسيقية تتميز بنكهتها اليمنية وكذا استخدامه لإيقاع الوسطى المستخدم عادة في لحن المقطع الثاني من الأغنية الصنعانية، فمن شعره لحن على مقام حجاز اليمن وايقاع الوسطى أغنية: غزال البيد وأغنية: خلّي السر مكنون، كما لحن من شعره أيضاً وعلى مقام البيات وايقاع السارع أغنية: أمير الغيد، وسط صنعاء على مقام الحسيني (من فصيلة مقام البيات) وعلى إيقاع (رقصة الموج8/6) وهذا الإيقاع هو نفسه إيقاع السارع (الإيقاع الثالث في الأغنية الصنعانية) ولكن سرعته هي نصف سرعة ميزان ايقاع السارع الأصلي.

ولـ بن سعد إسهامات كثيرة في مجال الأغنية الوطنية فقد ألف ولحّن العديد من الأغاني والأناشيد التي لعبت دوراً كبيراً في إلهاب حماس الجماهير منها: قال بن سعد و يايمني هذي بلادك و الذهب الأحمر وبلاد الثائرين وأغنية “سعيدة” التي يقصد بها اليمن السعيد وكتب كلماتها وغناها باللهجة الصنعانية.

مدرسة متفردة

مستفيدًا من كل تجاربه وخبراته الموسيقية مع جيل من الرواد منذ صغره، شكل بن سعد مدرسة فنية جديدة وشخصية مستقلة في الغناء والتلحين والأداء وكتابة الأغاني، واضفى للأغنية التراثية خصوصًا الصنعانية (الموشح) أداءًا أوركستراليًا متميزًا.

لقد أثرى محمد سعد عبد الله (أبو مشتاق) الساحة الفنية والمكتبة الموسيقية اليمنية والعربية برصيد كبير من الأغاني مثلت مدرسة خاصة به أطلق عليها العديد من الفنانين اسم “مدرسة الموسيقى الحديثة”، وقدم ألحانًا جديدة في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي تأثر بها كثير من الفنانين اليمنيين والخليجيين والعرب، منهم: هيام يونس وطلال مداح وعبادي الجوهر الذي غنى كلمة ولو جبر خاطر التي أثير حوله العديد من السخط في الأوساط الشعبية اليمنية حينها لنسبها له تلحينًا ولشاعر سعودي ولم يذكر صاحبها الأصلي محمد سعد عبد الله كلماتًا ولحنًا.

يقول الفنان عصام خليدي: “تفوق الفنان محمد سعد بإمتياز في تقديم الموشح اليمني (الأغنية الصنعانية) مع الفرق الموسيقية الأوركسترالية العربية دون أن يفقدها مذاقها وملامحها وخصائصها الفنية والتاريخية بل أنه ُيعد أكثر الفنانين اليمنيين (أمانة وإتقان وحرفية) في تنفيذ وتقديم وأداء الموشح اليمني بخصوصيته ومقاماته وأوزانه وإيقاعاته المتفردة بشكل منهجي علمي متطور على المستويين المحلي والعربي”.

وأصبح يطلق فنيًا على إيقاع الشرح (8/6) وهو ايقاع الوسطى أحد الإيقاعات الصنعانية الثلاثة (دسعة، وسطى، سارع)  بـ “الايقاع السعداوي” بسبب براعته به وكثرة استخدامه له.

بن سعد و فنان العرب

محمد عبده

في العام 2009 نشرت صحيفة عكاظ مقالًا يفيد بان الصحيفة أجرت حوارًا مع الفنان محمد سعد عبدالله في 1989 وكان أبرز مافي الحوار أن بن سعد أعطى فنان العرب محمد عبده تنازلًا عن 30 عملًا غنائيًا من ألحانه وكلماته، ليقدمها محمد عبده في الوقت المناسب، وبحسب المقال المنشور فإن بن سعد تسلم كافة حقوقه عن هذه الأعمال، وأنه تمت العديد من الجلسات بين الفنانين بن سعد ومحمد عبده لكتابة الأعمال المتفق عليها موسيقيًا، لكن لم تظهر من تلك الأعمال أية أغنية حتى الآن.

من بين تلك الأعمال بحسب الصحيفة بعض (أنا احترت في ناس)، و(أشتي أشوفك)، و(أنا أقدر أنساك)، و(اهجره وانساه) و(كلمة عتاب) و(لهيب الشوق) و(ما بابديل) و(نساك البال) و(ايش همني) و(أمير الغيد) و(الشك والغيرة) و(غزال البيد)، لكن ظل هذا الأمر مجمداً طوال السنوات الماضية، واشارت الصحيفة انه بعد عشرين عامًا شرع فنان العرب في تنفيذ بعض أعمال محمد سعد عبد الله وسط تكتم شديد حول الأغنيات المختارة التي ستكون ضمن شريطه المقبل الذي سيكون ضمن روتانا، لكنه أيضًا لم يحدث.

المصدر | مادة خاصة بالبوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم

يمنع إعادة نشر المادة او أي مواد اخرى لـ أنسم دون ذكر المصدر