ياسين غالب.. #صنعاء_تتآكل

612
فاروق علوان

في العام 1970 زار الإيطالي بيير بازوليني صنعاء، أذهلته المدينة العتيقة وراعه مشهد التنمية الذي يغزو تاريخها، فأطلق صرخته في فيلم “أسوار صنعاء” نداء لليونسكو لتغدو صنعاء ضمن قائمة التراث العالمي 1986.. مطلع الشهر الجاري أطلق الفنان التشكيلي والمهندس ياسين غالب وسم #صنعاء_تتآكل مبدياً مخاوفه من خروج صنعاء من القائمة العالمية للتراث.

لوحة للتشكيلي ياسين غالب

بجمع الفن بين المخرج الايطالي بازوليني والتشكيلي اليمني غالب، مثلما جمعت بينها نداءات الحماية لمدينة الدهشة المأهولة منذ 2500عام، حاوية كل الفنون: صنعاء.

يقول المهندس ياسين غالب لـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم أن #صنعاء_تتآكل؛ فاستشراء البناء الحديث والإهمال وعدم النظافة باتت صفات سائدة في المدينة.“إضافة إلى عدم حصول المباني على الصيانة الدورية من الهيئة وإن وجدت فهي تكون ارتجالية وليس لها معاييرها التي تحدد كيفية ذلك التدخل..”

وأوضح أن المباني بحاجة إلى تدخل اختصاصيين للإشراف على تلك التدخلات، والحفاظ على أصالة المباني وتحقيق الأداء الوظيفي لها.

عدم ثقة

تشير تقديرات هيئة حماية المدن التاريخية أن هناك أكثر من 3000 مبنىً متضرر بشكل عام بين أضرار متفاوتة: جسيمة و متوسطه، إضافة إلى أن وضع السور يحتاج إلى تدخل عاجل للصيانة والترميم وخاصة في الجزء الشرقي للمدينة، إلا أن غالب -وهو استشاري في حماية المدن التاريخية- يشكك في مدى دقة تلك الإحصائيات وحلول الصيانة الارتجالية التي تمارس في المدينة، “إنني غير واثق من جودتها”.

يضيف لـ أنسم: “للأسف ليس هناك حصر دقيق بمعايير متزنة ومعدة بشكل مهني ومن قبل مختصين لهم الخبرة الكافية في تقييم الأضرار الحاصلة في المدينة وسبر أغوار مظاهر التدهور وأسبابها وكيفية معالجتها على ضوء قواعد تدخُّل سليمة تضمن التقييم والتقويم اللازمين لتلك الأضرار”.

وأوضح: “أول ما تحتاجه صنعاء هو مخطط حفاظ conservation plan باعتباره الراسم لسياسات الحفاظ بشقيها الفني والتشريعي والمحدد لنوع تلك التدخلات بحسب أهمية المعلم وقيمته أو قيمه المختلفة: التاريخية، المعمارية والثقافية …الخ.”


بعض التجار وذوي السلطة والنفوذ يسعون بكل وسائلهم لتدهور المباني لإعادتها بمواد وأشكال وعناصر جديدة مخالفة طابع المدينة الأصيل

إهمال متعمد

ضمن وسم #صنعاء_تتآكل الذي رفعه على صفحته بالفيس بوك يرفق الفنان التشكيلي ياسين غالب صورًا يلتقطها بعدسته من المدينة: صنعاء، تبرز جوانب الإهمال وعدم النظافة في الأزقة والأحياء، واندثار بعض الأسوار والجدران وتهالك المباني والأبواب الخشبية التي تميز المباني بطابع أصيل.

ويشير مهتمون إلى أن بعض الأهالي يتعمدون عدم صيانة المباني وجعلها مهجورة من السكان إضافة إلى تعمدهم تسريب المياه إلى الأساسات لتتهدم المباني، فيسهل عليهم إعادة البناء بمواصفات حديثة.

يقول غالب: “هجر المباني أحد أبرز أسباب تدهورها، ومن الملاحظ أيضًا أن بعض التجار وذوي السلطة والنفوذ يسعون بكل وسائلهم، من أجل تدهور المباني لغرض إعادتها بمواد وأشكال وعناصر جديدة مخالفة طابع المدينة الأصيل ومعايير الحفاظ عليها وكل الأدبيات التي دونتها المواثيق الدولية”.

كوارث

وخلال الست سنوات الماضية من الحرب المستمرة تضررت العديد من المدن والأعيان الثقافية والأثرية، إذ تشير دراسة سابقة للدكتور منير العريقي حول المواقع المتضررة (إحصائية أولية) خلال الحرب أنه في صنعاء فقط تضررت: 4 مدن أثرية وقلعة وحصنين و 5 مبان تاريخية و 3 مساجد وضريح إضافة إلى 2 متاحف.

كما تسببت الكوارث الطبيعية كالأمطار والفيضانات القادمة من السائلة المحيطة بصنعاء القديمة وتسرب المياه إلى الأساسات بتهدم وانهيار قرابة 160 منزلًا وتهالك العديد منها، وكان منزل الشاعر الكبير عبدالله البردوني أحد أبرز المباني التي انهارت جراء الأمطار مطلع أغسطس الماضي نتيجة الإهمال وتجاهل النداءات المتعددة لترميمه إضافة إلى خلافات الورثة.

فيما كان الهدم المتعمد لجامع النهرين -الذي يعود بناؤه إلى القرن الأول الهجري- مطلع الشهر الماضي من قبل أوقاف العاصمة صنعاء التي تخضع لسيطرة جماعة الحوثي منذ 21 سبتمبر 2014، أحد أبرز ما تتعرض له المدينة من تجريف للتاريخ وعدم الإكتراث.. وكانت وجهت الهيئة العامة للآثار والمتاحف على إثر هدم الجامع مذكرة إلى نيابة الآثار والمدن التاريخية تطالب باتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية وإحالة المتسببين للقضاء، لكن بلا طائل.


صنعاء تتآكل من جوانب عديدة، فالكثير من المهن اندثرت، تموت الأجيال من ذوي الخبرات وتدفن معهم أسرار مهنهم

مخاطر شطب

استغرق أمر إدراج المدينة القديمة صنعاء من قبل اليونسكو إلى قائمة التراث العالمي الذي يجيب المحافظة عليه 12 عامًا منذ أطلق بازوليني نداءه لها في 1974 لحماية صنعاء من الانهيار ومظاهر البناء الحديث من خلال فيلمه “جدران صنعاء”.. ترى  كم من الوقت يتطلب لشطب المدينة من القائمة!..

#صنعاء_تتآكل وتواجه مخاطر الخروج من قائمة التراث العالمي بسبب المخالفات والتشويه الذي يطالها: البناء العشوائي المخالف لنمط ومعايير فن البناء الصنعاني والتاريخي.

وكانت اليونسكو بدأت تحذيراتها في 2015 بإدراج مدينتي صنعاء وشبام حصرموت في دائرة الخطر مالم يتم تدارك الأمر وفي فبراير 2018 منحت اليونسكو السلطات المعنية مهلة عامين إضافيين لمنع شطب المدينة من قائمة التراث العالمي، على ضوء تقرير شامل قدمته لها وزارة الثقافة عن وضع صنعاء القديمة ومدن يمنية أخرى مدرجة على قائمة التراث قدمته كـ زبيد وشبام حضرموت.

وفي هذا الجانب يتحدث المهندس ياسين غالب لـ أنسم أن “مواقف اليونسكو ليست واضحة تمامًا، ليس بهذا الخصوص فقط ولكن بمسائل عديدة جدًا”.

⇐  حكاية الصانع الأخير لأحذية الملوك في صنعاء القديمة  |  اقرأ أيضًا في أنسم                          

وبلغة خبير حماية مدن تاريخية يتابع حديثه: “من المعلوم أنه حين يتم تسجيل أي معلم أو منطقة أو مدينة تاريخية يكون هناك تقرير مكثف يسمى بيان الأهمية (SOS) وعليه يتم الإعداد لمخطط الحفاظ الذي هو عبارة عن عدد كبير من الدراسات والإحصاءات: التاريخية، المعمارية، العمرانية، الاجتماعية والاقتصادية…الخ، وتحقيقها ميدانيا لتثبت صحتها على الواقع، وعلى نتائجها يتم إعداد مخطط الحفاظ الذي يحدد أهمية وقيمة كل مكون وكيفية التعامل معه سواء كان هذا المكون منطقة محددة ضمن نسيج المدينة تتمتع بمزايا هامة أو معلم فردي أو مجموعة من المعالم المتفرقة او المجتمعة أو تلك التي تمثل في هيئتها ومكوناتها مجموعة متكاملة (Ensembles) كل هذه المباني والفراغات أو المعالم التاريخية لها معاييرها الخاصة لما تحمله من أهمية وتتمتع به من قيم”.

وأردف: “كل هذا لم يتحقق منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود من إدراج اليونسكو صنعاء ضمن قائمة التراث العالمي، ناهيك عن عدم استكمال التشريعات القانونية ولوائحها المنظمة وما يتبعها من إرشادات فنية وقانونية بحسب تصنيفها في مخطط الحفاظ”.

يضيف غالب: “الحفاظ على التراث المادي وخاصة الحي المسكون كصنعاء ليس بالأمر السهل، فالأمر جاد وخاضع لمعايير دقيقة ويحتاج إلى كفاءات نوعية وخطط إدارية محكمة وقرار سياسي يؤمن بأهمية هذا التراث ويعتبره أمر سيادي لا يقل أهمية عن الأمن والدفاع، لكن واقع الحال غير ذلك تمامًا، وهذه مهانة مزمنة تربعت على عرشها السياسة والولاءات والمصالح”.

ويشير غالب إلى أن #صنعاء_تتآكل ليس على المستوى المعماري وحسب بل انها تتآكل على مستويات عدة: الكثير من المهن اندثرت والعديد منها آيل للزوال، تموت الأجيال من ذوي الخبرات وعلومهم ومهاراتهم وأسرار مهنهم تدفن معهم.. “إنه أمر محزن جدًا”.

المصدر| مادة خاصة بـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom