عاصمة الروح ومهبط الأغاني

684
عبير الأثوري

عاصمة الروح.. مدينة ألهمت الشعراء و فتنت العشاق، لتغدو قبلة الفن ومهبط الأغاني.. هي صنعاء: “كانت امرأةٌ هبطت في ثياب الندى ثم صارت مدينة”، كما يصفها الشاعر عبدالعزيز المقالح.

تعد مدينة صنعاء إحدى أقدم مدن العالم المأهولة بالسكان.. تقول الروايات أنها مدينة سام بن نوح التي بناها بعد الطوفان، وهي “آزال” عاصمة مملكة سبأ الثانية بعد مأرب.

وبحسب الروايات فقد سُميت “صنعاء” لأنها تشتهر بالصناعات والحرف، إلا أنه بحسب النقوش السبئية القديمة التي ذكرت بها صنعاء منذ عام 500 قبل الميلاد، يُرجح أنها سميت كذلك نسبة إلى السور الذي يحيط بها ويحصنها من الغزاة.. و مفردة “صنعو” و “مصنعة” المذكورة في النقوش منذ 2500 عامٍ، معناها الـ “الحصن” أو “المدينة الحصينة”.

إلى المدينة

في الجهة الجنوبية لصنعاء القديمة يستوقفك “باب اليمن” بزخارفه الجميلة المنقوشة بعناية على خشب سميك ما يزال يحتفظ برونق الأصالة لمدينة ما تزال تدهش القادمين إليها رغم سنوات الحرب المستمرة.

ما أن تتجاوز قدماك البوابة العتيقة لواجهة المدينة حتى ينقطع بك الزمن فتتركه خلفك هناك، لتجد روحك تحلق في أزمنة سحيقة لـ “عاصمة الروح” بأبوابها السبعة كالفردوس، حد وصف المقالح، “من أي باب دخلت سلامٌ عليك”.


“سوق المُلَح” هو سوق صنعاء الكبير ويحتوي حوالي 40 سوقًا متخصصًا

هُنا “سوق المُلَح” -بضم الميم وفتح اللام- وسُمي بهذا الاسم، لأنه يحتوي كل مليح من المنتوجات التي لا تتوقف عيناك عن التمتع برؤيتها أو اقتنائها وأنت تتجول في الأزقة وكأنك في متحف مفتوح في الهواء الطلق لمدينة “حَوَت كل فن”.

و “سوق المُلَح” هو سوق صنعاء الكبير الذي يحتوي أكثر من 40 سوقًا متخصصًا متفرعًا منه، بدءًا بسوق “النظارة” الذي سُمي كذلك، لأنه أول سوق تنظرهُ عيناك وأنت تلجُ المدينة متجاوزًا بابها الجنوبي: “باب اليمن”.. وفي هذا السوق تباع العطور والملبوسات والحِنَّا وغيرها من أدوات العطارة والتجميل.

وهناك أيضًا سوق: المحدادة، المنقالة، العقيق والجنابي.. وغيرها من الأسواق تمتد على نحو 2 كيلومترًا تصل حتى البوابة الشمالية لصنعاء القديمة: “باب شعوب”.

دهشة

أثناء تجوالك دخل أزقة صنعاء وأحيائها، تدهشك المباني العالية بزخرفها الهندسي البديع وأبوابها الخشبية ونوافذها المزينة بمشربيات خشبية منقوشة محاطة بلون أبيض “يسُر الناظرين” ويرسم قصيدة باذخة الجمال.

وهناك فناءات وبساتين و مقاشم، تزين المدينة وتزود سكانها بالخُضار والفواكه.. ويصل عددها إلى 40 بستانًا و مقشامة، أشهرها: بستان بير العزب، بستان السلطان، بستان الأبهر و مقشامة الجامع الكبير… وغيرها.

وفي المدينة هناك، تسحرك فجرًا أصوات التسابيح والابتهالات المترددة من مآذن جوامع المدينة بخشوع لافت وأسلوب مميز، أبرزها الجامع الكبير -أحد أقدم المساجد الإسلامية- الذي يعود بناؤه إلى السنة السادسة للهجرة، وفيه وجدت أقدم مخطوطات القرآن الكريم وأيضًا مخطوطات تاريخية، أثناء أعمال الترميم أواخر السبعينيات، وهو ما بات يُعرف بـ “مخطوطات صنعاء” وعددها حوالي 4500 مخطوطة.

لم تكن صنعاء مدهشةً بمعمارها وأسواقها ومآذنها -ما دفع اليونسكو إدراجها في قائمة التراث العالمي الذي يجب الحفاظ عليه في 1986- لكنها أيضًا مدهشة بفنها الموسيقي الذي شكل هوية الأغنية اليمنية التي ماتزال نموذجًا فريدًا يطرب السامعين واختبارًا صعبًا للفنانين في إجادته، لتغدو الأغنية الصنعانية ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي اللامادي الذي يجب المحافظة عليه منذ 2003.

هي صنعاء إذن: “على وابلٍ من الضوء تصحو وتخرج من غسق الوقت سيدةً في اكتمال الأنوثة” كما يقول المقالح.

خارج النص.. صنعاء تتآكل
أنسم: في الجانب الآخر لهذا الجمال الذي يدهش القادمين إلى صنعاء القديمة، يبرز وجه الإهمال والعبث بالمدينة العتيقة التي باتت مهددة وتتآكل.

في العام 1970 كان الإيطالي بيير بازوليني يتجول في المدينة التي وصفها بـ “البندقية على الرمال”، وانتج عنها فيلم وثائقي: “أسوار صنعاء”.. وكان هذا الفيلم أحد أبرز الأسباب التي دفعت لإدراج صنعاء القديمة ضمن قائمة التراث العالمي من قبل اليونسكو عام 1986.. إلا أنه منذ العام 2015 بدأت اليونسكو بتهديد شطب المدينة من قائمة التراث العالمي بسبب الاهمال وعدم الصيانة والعبث بالمباني القديمة واستبدالها بمبانٍ حديثة.. وزاد العبث بالمدينة العتيقة خلال سنوات الحرب المستمرة منذ 2015.

تفاصيل التهديدات التي تواجهها صنعاء تجدونها بـ أنسم: صنعاء تتآكل.. أنقر هنا              

المصدر| أنسم

تابعونا على صفحاتنا:

https:facebook.com/ansomnett