صهاريج الطويلة.. أعجوبة سبأ الثانية

1٬427

أنسم – عبير الأثوري

على امتداد خط مائل من الجهة الشمالية الغربية لمدينة كريتر بمديرية المنصورة، هنا.. في وادي الطويلة خلَّد السبئيون قبل 3500 عام أعجوبتهم الثانية ونقلوا أسرار هندستهم المائية من مأرب إلى ثغر اليمن الباسم “عدن”، فكانت الصهاريج: أبرز معالم عدن.

تُعد صهاريج الطويلة أحد أقدم أنظمة الري والحلول المائية التي شيدها اليمني القديم لمواجهة الجفاف وحفظ المياه لأغراض الزراعة والشرب، وهي شاهد على تفوق الهندسة المائية والمعمارية عند اليمنيين القدامى، لتغدو صهاريج عدن “من أجمل الأعمال الهندسية في العالم” كما وصفها الرحالة والأديب اللبناني أمين الريحاني.

لا يوجد تاريخًا دقيقًا لبناء الصهاريج، إلا أن العديد من المصادر تجمع أن بناءها مر بمراحل تاريخية متعددة بدأت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد في عهد مملكة سبأ.

وتقول الروايات أن ملكة سبأ عندما زارت عدن وجدت أن المدينة – الواقعة على فوهة بركان خامد – تعاني شح الماء وأنه لا يتم الاستفادة من الأمطار الموسمية فأمرت ببناء السدود أسفل مصبات هضبة عدن المرتفعة نحو 800 قدم عن سطح البحر.


كان هناك 55 صهريجًا لم يتبقى منها سوى 18 قادرة على تخزين 20 مليون جالون

تقنية فريدة

55 صهريجًا، كانت هنا منذ 35 قرنًا، لم يتبقَ منها سوى 18 صهريجًا، تتصل ببعضها في شكل سلسلة داخل المضيق أسفل الهضبة في الطويلة بكريتر، وتستوعب حوالي 20 مليون جالون من الماء، فيما بقية الصهاريج مطمورة تحت الأرض أو أصابها الخراب.

وتعكس الصهاريج التي يحتضنها جبل شمسان دقة وبراعة اليمني القديم، الذي بناها من الصخور البركانية السوداء (البازلت) ومادة القضاض المكونة من الرماد البركاني المخلوط بحجر الكلس (النورة) مع الهيلس والنيس تحت حرارة وضغط عاليين لتغدو قوية كالاسمنت، إضافة إلى النحت في الصخور.


في مواسم الجدب كان اليمنيون يقيمون النحران وسط الصهاريج في اتجاه كوكب الزهرة

يقول عبد الله بامحيرز في كتابه (صهاريج عدن) أن نظام صهاريج الطويلة لم يُوجد من أجل هدفٍ جامد لمجرد تخزين الماء للمستهلك ولكنه يعكس نظامًا دينمائيًا وتكنولوجيا بارعة ووجه حضاري فريد، ليقوم بثلاث مهمات: تلقف الماء، وحجز الحجارة والطمي الساقط من الشلالات، وتوجيه الماء لتصريفه إلى حيث تكون الحاجة إليه.

وفقًا لذلك النظام الفريد، تعمل صهاريج الطويلة، حيث: يمتلئ الصهريج الأول في أعلى الوادي بمياه السيول المندفعة من قمة الهضبة وينساب الماء الفائض عبر قنوات وممرات إلى الصهريج الثاني، ثم ينساب إلى الصهريج الذي يليه، وهكذا وصولًا إلى آخر ممر على ساحل خليج عدن. 

وثمة أحواض صغيرة في طرفي المضيق تتلقف السيول الجارية من سفوح الهضبة متصلة عبر قنوات بالصهاريج الكبيرة وللمحافظة على نظافة الصهاريج والمياه المحفوظة فيها، كما بنيت سدود قصيرة في وسط المضايق الجبلية وعلى جوانبها، منعاً للطين والحصى من الانجراف مع المياه المندفعة من المنحدرات إلى داخل الصهاريج.

طقوس

لم تكن للصهاريج وظيفة الري وحفظ المياة أو حماية مدينة عدن من الفيضانات والسيول وحسب، بل كانت لها وظيفة دينية أيضًا، فكان اليمنيون القدامى يمارسون عباداتهم بإقامة أماكن النحران وسط الصهاريج في اتجاه كوكب الزهرة، لتقديم الذبائح في مواسم الجدب والجفاف، لتغدق عليهم “الآلهة” بالأمطار وتبعد عنهم سنوات القحط.

.. هنا صهاريج عدن، حيث الدهشة وعبقرية البناء وعظمة إنجاز اليمني الذي طوع الطبيعة القاسية لخدمته منذ آلاف السنين.

المصدر | مادة خاصة بالبوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم