رؤوفة حسن.. اسم عصي على النسيان

1٬634
د. سلوى الشرفي*

أتذكر رؤوفة كثيرًا، فهي امرأة يصعب نسيانها.. أتذكر وجهها المتحرر من النقاب وثقافتها العالية وجديتها في البحث العلمي و نضالها المستميت من أجل حقوق المرأة العربية عامة و ليس اليمنية فقط، و الذي دفعت ثمنه غاليًا باضطرارها إلى مغادرة وطنها بعد أن كفرها المتزمتون.

رؤوفة حسن

رؤوفة امرأة حرة عرفت باستقلالها التنظيمي وعدم انتمائها إلى أي حزب سياسي، لكن لرؤوفة وجها آخر قد لا يعرفه من استمع إليها في المحاضرات فقط، فكلما أتذكر رؤوفة أرى ابتسامتها السخية المضيافة و ترن في أذني ضحكتها المجلجلة الطفولية.

تتمتع رؤوفة بروح دعابة عالية -والدعابة من شيم الأذكياء-، استقبلها الدكتور محي الدين صابر المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسوو مقرها تونس) وكنت حينها خبيرة بالمنظمة لذلك حضرت اللقاء.. سألها صابر مازحًا “لماذا تبحثين في هذه المسائل الشائكة يا ابنتي؟”، أجابت: “وصية أمنا الملكة سبأ”، ضحك الدكتور ورد بتواضع: “يشرفني أن أكون زميلًا في العلم لحفيدة الملكة سبأ”، وكانت رؤوفة تبحث في علم الاجتماع و الدكتور صابر اختصاصه الأنثروبولوجيا، قد تكون في سن حفيدته، لكنها كانت تناقش الأستاذ الدكتور الشهير بكل ثقة في النفس حول نتائج بحثه الذي خصصه لإحدى القبائل البدائية في السودان.

اسم فريد

حين قدموها لي أول مرة في تونس في منتصف الثمانينات وكانت تعد بحثها للدكتوراه في جامعة السوربون الباريسية، لاحظت أن اسمها طريف وفريد، فردت ضاحكة “أمَّال لو عرفت اسمي الأصلي” وأردفت قولها بنظرة فيها شيء من الدهاء والذكاء.

اسمها الأصلي “أمة الرؤوف” غيرته لتتخذ من رؤوفة اسمًا مستعارًا عرفت به في الإعلام، قلت مستغربة ولماذا اتخذت اسما مستعارًا وأنت خريجة كلية الإعلام القاهرية، ممن كنت تتخفين؟، قالت “من أهلي المحافظين، فأنا دخلت الإذاعة في سن الاثني عشرة دون علمهم”.. حينها فهمت أنني أمام امرأة فريدة مثل اسمها. 

عدنا والتقينا ثانية بعد بضع سنوات في القاهرة بحضور الدكتورة نوال السعداوي، وكانت قد أنهت بحثها وأصبحت دكتورة، حكت لنا عن مقاربة الفرنسيين لطبائع العرب ولثقافتهم بكثير من الطرائف، فقالت لها السعداوي: “أرى أنك أخذت من المصريين روح الدعابة”، فردت بجدية مفتعلة: “عفوًا دكتورة طلاب اليمن هم الذين صدروا الدعابة والظرف للمصريين”، ضحكت السعداوي وقالت: ” هذه البداهة وهذا الذكاء يجعلني أطمئن على مستقبل المناضلات النسويات العربيات”.

⇐   اقرأ أيضًا في أنسم   |         رؤوفة حسن                                                                   

محكمة النساء

أنشأت رؤوفة قسمًا للإعلام فى جامعة صنعاء سنة 1991، الذى أصبح فيما بعد كلية الإعلام في الجامعة ورأستها لفترة بسيطة، وحين زرت الكلية كأستاذة زائرة كانت رؤوفة قد غادرت اليمن بعد حملة التكفير، لكن العديد من الصحافيين حدثوني بشغف كبير عن أستاذتهم مما أثلج صدري، فقد تتلمذ على يدها معظم الصحافيين والصحافيات اليمنيات.

كما أسست بنفسها وحدة البحوث الاجتماعية ودراسات المرأة في جامعة صنعاء (1993-1995) وكانت تلك القشة التي قسمت ظهر البعير، فقد تعرض المركز لهجوم من قبل الجماعات الدينية المتطرفة بحجة أن المركز يروج لأفكار “نسوية ويتلقى معونات من الاتحاد الأوروبي”.

إذن: اضطرت رؤوفة إلى المغادرة إلى هولندا سنة 1999، بعد أن تم تكفيرها من طرف المتشددين في صنعاء بسبب نشاطها النسوي.. واتذكر عندما كنت أنظِّم مع منظمة عالمية “التايير” فعالية “محكمة النساء” التي حصلت لأول مرة في العالم العربي سنة 1995 في بيروت وأعطت الكلمة للنساء ضحايا العنف، اقترحتُ اسم رؤوفة حسن، فاستغرب البعض ولم يربطوا بين العنف الجسدي و العنف اللفظي الذي قد يؤدي إلى القتل مثلما حصل مع رؤوفة.

 

اقتنعوا بصعوبة ولكنهم قبلوا في النهاية، وكانت شهادتها من أقوى الشهادات وأكثرها تأثيرًا وعمقًا، لأنها لم تقتصر على ما حصل لها بل غاصت بنا في جولة تاريخية مؤلمة من جعد بن درهم إلى الحلاج، مرورًا بالطبري وأيضًا بالعالم جاليلو ومحاكمات الكنيسة للعلماء والمفكرين الأحرار.

رؤوفة تختزن ثقافة شاسعة وهي قادرة على اختزال الأحداث دون التفويت في العمق، وقد أثرت كثيرًا في الإعلاميين الحاضرين وتمت دعوتها في عدد كبير من وسائل الإعلام اللبنانية والغربية وحتى الهندية، وبذلك شكلت النقطة المضيئة في المؤتمر وساهمت في التعريف به.

لاتكل ولا تمل

رؤوفة النحيلة، لا تكل ولا تمل، فخلال إقامتها في هولندا كانت أستاذة محاضرة في عدد من الجامعات هناك، وأيضاً في الدنمارك وتونس، وبعد أربع سنوات قررت العودة إلى اليمن، وركزت نشاطها في تأسيس “مؤسسة تنمية البرامج الثقافية” التي عملت على تنفيذ عدد هام من المشاريع في كل أنحاء اليمن، وقامت خاصة بحملات لزيادة مشاركة المرأة في المجال السياسي، فنجحت في تمرير مسودة قانون إلى البرلمان اليمني، يخصص كوتا بنسبة 15 في المئة من المقاعد للنساء في البرلمان، ولكن التيار الديني المتطرف في البرلمان منع المسودة من التحول إلى قانون.

رؤوفة حسن معروفة في تونس في الأوساط المثقفة والمناضلة من أجل حقوق المرأة، فقد كانت تزورنا كثيرًا للمساهمة في فعاليات “المنظمة التونسية للنساء الديمقراطيات”، وقد ساهمت المنظمة بقسط كبير في الدفاع عن رؤوفة حين تعرضت للتكفير وعرفت بقضيتها في الغرب بحكم القرب الجغرافي واللغوي لتونس مع فرنسا، فصدرت عرائض مساندة ومنددة موقعة بأعداد كبيرة من المثقفين الأوروبيين والمنظمات الدولية الحقوقية، وهو ما قد يكون قد ساهم في حمايتها. 

قلت إن رؤوفة لا تكل ولا تمل، فهي من طينة فريدة ونادرة مثل اسمها، لقد ظلت رؤوفة تكتب مقالها الأسبوعي من المستشفى وتنشره إلى أخر يوم في حياتها.

* الدكتورة سلوى الشرفي.. أستاذة الإعلام والاتصال بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار IPSI – جامعة منوبة، تونس

المصدر | مقال خاص بـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم

يمنع إعادة نشر المقال أو أي مواد أخرى لـ انسم دون ذكر المصدر