قاسم عبدالرب.. فأر الكتب

1٬916
وليد البكس

ثمة ما يستحق كتابته الآن..
خلافًا لكثير من الناس، ربما لدى قاسم دوافع تستوجب الفهم، يقضى قاسم عامًا يتجول في أنحاء البلاد، متخفيًا في برنامجه الشخصي الذي يعشق.. كان هذا منتصف وأواخر التسعينيات، في ذروة حقبة الثقافة المضادة كما يتصورها هو لليسار اليمني.

ومع صعود و تنامي تيارات و حركات وجماعات الاسلام السياسي و بالطبع جرى تعطيل برامج اليسار الحزبي و توقفت معه الحركات الطلابية و الحركات العمالية التي بدأت تبرز نهاية ثمانينات القرن الماضي خاصة في الجامعات و بعض المدن اليمنية و بدأت الحياة الحزبية ونشاطها الذي كان؛ آخذًا في الضمور.

 لا أعرف التفاصيل مجملها – أو الدقيقة – عن حياة قاسم عبد الرب (55 عامًا تقريبًا) و هو كذلك لا يرغب بالحديث عن أشياء لا تخص الآخرين، لكنه حينما كان منسجمًا في تفاصيل الوسط الصحافي أشرف على تحرير الصفحة الأخيرة لصحيفة الثوري و منها كاتب عمود صحفي في صحيفة الأسبوع – التي تزاملنا فيها – كان يكتب عموده الأسبوعي بعنوان: كتابة.. وقبلها عمل هو في مؤسسة الثورة، كما كتب في أكثر من صحيفة محلية و مجلة المشاهد السياسي العربية التي تصدر في لندن.

في حقبة التسعينيات وقعت كثيرًا من الأشياء الغبية، فضجر قاسم من الجو السياسي المشحون بالكراهية بالنسبة لصحافيين وكتاب اليسار و تحديدًا الحزب الاشتراكي الذي ينتمي له، فآثر أن ينفصل عن الحياة الصحافية متأثرًا بحرب صيف 1994.. و متوقفًا عن العمل الصحفي لتفقد الصحافة واحدًا من أهم أقلامها، فظل يرسل ببعض الأعمدة الصحفية بشكل متقطع و بطريقته الصحافية المدهشة.


بعد حرب 94 ضجر قاسم من الجو السياسي فآثر أن ينفصل عن الحياة الصحافية

أخذ قاسم إجازة من كل شيء – على ما يبدو- بما فيها الصحافة متخذًا لنفسه برنامجًا خاصآ، ووفق مشروعه مضى مروحًا عن نفسه في مناطق مختلفة من البلد، عمل في مهن غريبة لـ “يكسب لقمة عيشه” كما كان يقول دومًا ويفاخر بذلك، وكان لا يقرأ الكتب حينما يتاح له الوقت، بل يلتهمها، حتى أطلق عليه زملاءه و أصدقاؤه وصف: فأر الكتب، من هول قراءاته وشدة تعلقه بها.

يفاخر دومًا أنه قابل مختلف أصناف الناس، عندما يروي تجربته الخاصة ويفاخر بأنه عاش الكثير من الحياة الحقيقية بتجاربه العملية و بعيدًا عن التزلف والزيف يقول إنها كانت أسعد فترة في حياته وإنه تعلم فيها الكثير من الدروس المهمة والمفيدة.

⇐  عبدالرحمن بجاش.. الروح التي لا تنطفئ |     اقرأ أيضًا في أنسم                                        

أتذكر أنه عاد في العام 2006 من إحدى رحلاته – بعد ستة أشهر – من شمال البلاد، كان شارف على تجاوز الحدود اليمنية السعودية، فكتب استطلاعًا صحفيًا  بديعًا: “موسم الهجرة إلى شمال الشمال”، و بالطبع قد يكون محاكاة لعنوان رواية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال ولكن: لقاسم أسلوبه، يروي التفاصيل بطريقته هو حول المهربين و الحياة على حدود البلدين.

روى لي بشغف التجارب و قصص الناس، فطلبت منه كتابتها في قالب صحفي في تلك الأيام رواها بداية الأمر كأنه جندي هرم من المقاتلين القدامى، يحكي عن معارك غابرة في أماكن نائية، لكنها استثنائية.. وهذه أيضا في الحياة الصحفي قصص لا تُنسى من صلب المهنة الصحافية و ربما لا تتكرر.

وبعد تلك الأيام النوعية لم يذهب في رحلة طويلة أبدًا، ربما وفي حدود ما أعرفه اليوم أن قاسم يقضي وقته متجولًا في شوارع صنعاء زائرًا لنقابتنا الصحافيين – قبل أن تصبح مبنىً مهجورًا ومغلقُا منذ 2015 – أو مقيم.

مهما تبدُو حياة الشخص هادئة وملتزمة، تجد في ماضيها وقتًا وصلت فيه إلى طريقٍ مسدود و ربما نفسيًا، وهو حال قاسم اليوم، وقت أصيب فيه صاحبها بالقرف.. في تصوري أن الناس بحاجة إلى مرحلة كهذه في حياتهم، أشبه بتنظيف ما يعلق فيها من لوث.

وليد البكس

المصدر | هذا المقال إهداء من كاتبه وليد البكس لـ أنسم
يمنع إعادة نشر المقال أو أي مواد خاصة بأنسم دون ذكر المصدر

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom