الأخبار الجيدة باتت في الغيب

353
مهيب زوى

لا جديد في أخبار اليمن، غير ما يضيِّعه اليمنيون من سِنيِّ حياتهم ومصير بلد تتجاذبه بنادق المليشيات في الداخل، وحسابات جيرانه الأثرياء المتناوشين من حوله وفيه، أضف إلى ذلك حساب مصالح القوى العالمية في المنطقة اجمالاً لفوضى دولية، يُفقَد في مناوشاتها: اليمن.. و يتشظى.

خلال خمسة أعوام من الحرب في اليمن لم تكن حياة الناس أفضل بأية حال، فقط كانت -وما تزال- الأخبار الأسوأ في العالم، تأتي من هذا البلد المصاب بلعنة الجغرافيا ويتسيد مدخل الملاحة الدولية على باب المندب، قلب شبه الجزيرة العربية والغني بالثروات، مطمع الجارات.

ما حصل خلال السنوات الخمسة: انفتاح اليمن على مصراعيه، ساحة لحروب أهلية وحروب بالوكالة وتصفية نزاعات دولية داخل اليمن التي تشهد تقاطعاً حاداً لمصالح دولية كبيرة وتداخلاً لمخاوف دولية أكبر، كما ساعدت الأحداث المتصاعدة منذ 2014 وصولًا إلى مايحدث الآن، في بروز اليمن موطناً للأخبار السيئة في العالم وسلة مشاكل المنطقة، وهذا هو السبب – غالباً ـ الذي يفرض الطبيعة السلبية لأخبار اليمن منذ خمس سنوات حتى اللحظة، وإلى سنوات غير محددة في المستقبل سيطول أمد الضياع اليمني وستستمر الأخبار السيئة لسنوات طويلة قادمة.


ساعدت الأحداث المتصاعدة في بروز اليمن موطناً للأخبار السيئة في العالم

ومثلما الصومال خلال أكثر من عقدين من الحرب، راجت اليمن مشهداً مثالياً لما تحبه الحكومات على الجمهور في البلدان المأزومة: رؤية الصورة الغارقة بالموت، ما يوفر عليها الكثير من تخفيف السخط الشعبي داخلياً، عندما يتحول جمهور المشاهدين والمتابعين إلى الشعور بالرضا؛ لأنهم أفضل أمنًا في بلدهم و محتفظين بحياتهم على الأقل، حسب دراسات لتأثير الإعلام.

ذلك لا يقارن مطلقاً بالدوافع الحقيقية التي يمكن لها تصعيد الصراع داخل اليمن إلى مستويات شديدة الخطورة تتقلص فيها فرص الحياة أكثر لصالح ازدهار فرص الموت، وهو الوضع الذي ينجم عنه نسلٌ كبير من المشاكل الطائرة إلى بلدان مجاورة، إذ يصعب وقفها الآن، فقد دخل اليمن دوامة الاقتتال الداخلي الذي سيستمر طويلًا.

وبلغة الأرقام: 250 ألف قتيل، عشرات الآلاف من الجرحى، خسائر تقدر بحوالي 88.8 مليار دولار، تراجع معدلات التنمية البشرية بحوالي 21 عامًا، تحذيرات من  تعاظم الآثار السلبية للصراع الدائر بأضعاف مضاعفة على مسار التنمية، وتوقعات إذا ما انتهت الحرب في 2022 فسيبلغ معدل التراجع في مكاسب التنمية حوالي 26 عامًا – أي ما يقارب الجيل، أما إذا ما استمرت الحرب والصراع في اليمن حتى 2030 فسيتزايد معدل النكوص إلى أربعة عقود، حسب تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

⇐         إقرأ أيضًا |                                   قوة الصحافة في جوهرها      |    أنسم

تعقدت أزمة اليمن أكثر مما يحتمل وقد أضحت لدول مجاورة وبعيدة أجندات معلنة و خفية، وتحول اليمن إلى ملعب أجندات وكرةٍ لتحالفات أكبر غير معلنة ومن كثرة الأطراف اللاعبة فيه وتضارب المصالح وتنامي العداوات العميقة مع وجود رغبات دفينة تكره حدوث السلام والاستقرار، فإن أشباح الحرب تسيطر على الأجواء والأرض بقوة، فيما تظهر جهود التسوية ومبادرات الوفاق متقدمة ببطءٍ شديد أو بالأحرى: بلا أفق.

إن موقف جارات اليمن مكشوف بصورة ليست بالحسنة، والأكثر اطلاعًا على الصخب الحاصل في العمق التاريخي للمنطقة (اليمن) منذ سنوات، يدرك أن زمن الأخبار الجيدة أصبح بعيدًا وفي الغيب، وأن الإعلام سيواصل رواية أسوأ الأخبار من الجانب المظلم في العالم اضطرارياً من اليمن ولمدىً طويل، فالتغطية الإعلامية للجانب السالب في الصورة أصبحت إتجاهًا إجباريًا لإعلام غدا آلة حرب فقط؛ لهذا فإن المهمة الإخبارية الآن وفي المستقبل لن تكون: كيف يكافح اليمن لجعل حياته أفضل أو كيف يعيش الناس هناك، بل: كيف يموتون..

تلك هي المهمة الأسوأ، حين يبتعد الإعلام عن جوهره يصبح الناس مجرد أرقام وضحايا وبائسين يتم استهلاكهم بما يساهم في تأجيج الصراع ويطيل أمد الحرب ويعمِّق من حالة فقدان الأمل واليقين بشأن المستقبل، في ظل غياب إعلام مهني ومتَّزن.


2012، صوماليون بصنعاء خلال دورات تدريب:” نستعد لما بعد الحرب في الوطن”

يتذكر الزميل صقر الصنيدي: “حين يتعب المقاتل ينهض العامل ليصلح ما أفسده المحارب، فمن بين عشرات المتدربين في صنعاء في العام 2012 الذين يتعلمون مهارات – بدعم من جمعيات خيرية – يحتاجونها ليغادروا أول الطريق أو يسلكون دربًا آخر احتل الصوماليون الصدارة وكانت إجابتهم متماسكة: نستعد لما بعد الحرب في الوطن“.

لكن، لا أحد يفكر في مرحلة ما بعد الحرب في اليمن ولا أحد يستعد لها.. لا أحد سيضحك في بلد منهك، ما يزال شعبه منهمك -أغلب الأوقات- في عادات محدودة ومتفاوتة:تعاطي القات، الحرب، ووقف الاقتتال تمهيداً لمعاودته أو تبادل الاتهامات، في ظل إعلام غارق بالمناكفات لتأجيج الصراع، وجيران أثرياء ينهشونه.

المصدر| البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم