مطهر الإرياني .. ذاكرة غيث 1

396
أروى عثمان

من منا لم يسمع ويتأثر بقصائد الشاعر الكبير والمعروف مطهر الارياني؟! من منا لم تلتصق بذاكرته ووجدانه أبيات من قصائده، يرددها في أي موقف أو حدث؟.

لا نغالي إذا قلنا أن هناك قصائد دخلت أرشيف الوجدان الجمعي للشعب اليمني بكل اختلافاته البينية، اجتماعياً، ودينياً ومذهبياً، وسياسياً، وثقافياً، من منا وعلى  مدى أجيال وأجيال لا يتذكر:  يا قافلة عاد المراحل طوال – فوق الجبل حيث وكر النسر – خطر غصن القنا – ودايم الخير دايم، ألا جينا نحييكم ونسمر معاكم.

من منا لا يستقبل صباحاته اليومية بتغريدة إذاعة صنعاء: ” يادايم الخير دايم “؟.

مطهر الإرياني على الرغم من قلة إنتاجه الشعري، لكنه يخلق حيرة لدي الباحث المتتبع لمسيرته الثقافية من أين يبدأ: أيبدأ من قصائده؟ أم من كتاباته في التاريخ اليمني”؟ أم من الذاكرة الفلكلورية؟ أم من اهتمامه باللغويات واللهجات؟.

محطات تحتاج إلى تفتيش من قبل الباحثين والدارسين والمهتمين بشكل عام، فـ “المعجم اليمني في اللغة والتراث”، يعد مرجعاً هاماً؛ وهذا الإنجاز-وحده فقط- يحتاج إلى العديد من الدراسات البحثية.

من يفتش في أوراق الأستاذ الكبير مطهر الإرياني وما كتب عنه، لا يجد الكثير باستثناء كتابتين أحدهما للدكتور الأستاذ عبد العزيز المقالح في تقديمه لديوان “فوق الجبل” والأخرى للأستاذ الراحل عبدالله البردوني.. وهذا يدل على أن هناك كتب قيمة، وجهد يبذل ويخرج إلى الوجود ولا يلتفت إليه أحد، إلا قلة من هنا وهناك. وهذه خصيصة عربية وخصيصة يمنية بامتياز، فتصبح ثرواتنا الفكرية كما يقول صاحب المثل يا “راقصة في الغدرة ماحد يقلش ياسين”، لكن ما يطيب خاطر الكاتب أنه أوجد فكر يخدم الناس.. وهذا الأهم.


يستلهم الإرياني تفاصيل الحياة الريفية ويحاكي قضايا الإنسان اليمني وصراعاته مع القوت

“بالات” مطهر الإرياني:

“البالة” طقس غنائي جماعي راقص ينشر الفرح والبهجة في المناسبات الاجتماعية والدينية كالأعياد، والأعراس، والمواسم الزراعية للخير “علاَّن”، وتفاصيل الحياة اليمنية ريفاً وحضرا.

أستطاع مطهر الإرياني بحسه الفطري الجمالي أن يستلهم تفاصيل الحياة الريفية اليومية وأن يحاكي قضايا أوسع للإنسان اليمني وصراعاته مع القوت، سواءً كان داخل الوطن أو خارجه.

البالة والليله البال

بكرت مثله مهاجر، والظفر في البكر

وكان زادي مع اللقمة ريالين حجر

وأبحرت في ساعية تحمل جلود البقر 

والبن للتاجر المحظوظ والطاغية

بالاته المتنوعة، عدسة فوتوغرافية لاقطة، يتتبع بها كل حركة لأي كائن: إنسان، حيوان أوظواهر طبيعية.. وظفها شاعرنا المغموس بالطين الملامس للهم الأعمق و الأكبر والأقسى في تاريخ الإنسان اليمني رجالاً ونساء وأطفالاً: الغربة والاغتراب.

لم يكتفِ بذلك من نحت صور بليغة لجملة من: التعابير والأمثال الشعبية والدندنات والأهازيج، بل وأن يغوص في الداخل: نفسية اليمني، تفاصيله الحميمية والأحاسيس الثائرة من تسلط العكفة “العسكر” وجفجفة الأدياك، حتى صوّب وجهه نحو الباخرة (الساعية)، ثم تفاصيل الحياة الشاقة على متن المركب (الإجريكي) واحتراق وجه العامل مثل المدخنة وتنقلاته في مدن الغربة الشهيرة: أرض الحبش، عصب، مريكن (أمريكا) ومرسين (مرسليا) ..الخ.

بحثت عن شغل في الدكة وداخل (عصب)

وفي الطرق والمباني وما وجدت الطلب

بجانب الأعمال الشاقة في وطن الغربة في البحار، جسد الإرياني في أبيات “البالة” لوحة الزمن – الجلاد، الزمن الطويل: خمستعشر سنة(15)، ذلك الزمن الذي يخلف الإحساس بالوحشة والوحدة خصوصاً في الأعياد “والليلة العيد وأنا من بلادي بعيد”:

وعشت في البحر عامل خمستعشر سنة

في مركب اجريكي أعور حازق الكبتنة

ذاكرة المكان في الداخل الذي يحيط به الموت ” الفنا ” والطاعون ليس فقط من عسكر الأمام  العكفة ” الذين يمتصون عرق الناس، بل من ذاكرة الفنا والطاعون، كحقيقة واقعة عاشها ولمسها الكاتب – الأديب انه الموت الفعلي الذي يترصد الأطفال، يطرق بيت بيت،  يفتش عن اللحم اللدن والأسنان اللبنية والفرار منه إلى عالم البحار أو عالم ( الغدره ):

ذكرت أخي كان تاجر أينما جاء فرش

جو عسكر الجن شلوا ما معه من بقش

خرجت أنا من بلاد ( الفنا )

أيام موسم الطاعون قالوا: دنا

صور تراجيديا مأساوية تحاكي وضع الإنسان اليمني الذي كتب عليه أن يكون “سيزيفًا” يغلق أبوابه على “الفنا” والطاعون، إنها اللوحة الفحمية من الداخل والخارج سخام حياة “الفنا” السرمدية.


في البالة صور تراجيديا مأساوية تحاكي وضع الإنسان

“يالله لا هنتنا”:

هذه الدعوة التي يومياً ننطق بها، ونسمعها من الناس أجمعين، حتى لو حملت لغات مختلفة، الدعوة الإلهية التي ستوقف آلة الدمار العمياء، “فنا” الداخل من شظف العيش والعزلة والفقر والعسكر الذين يتعشقون الأدياك، حتى آخر بقشة، و”فنا” الغربة التي أوصلته حتى إلى بلاد “الدناكل”.

“الله لا هنتنا”: تعويذة قفلة للحياة الفحمية، الألم المتشظي في ذاكرة ليلة العيد، “الليلة عيد وانا من بلادي بعيد”، فتصيّره بالقطع بـ “لا”  ، و “لا” إلى عيد مؤانسة، عيد للملة الأهل والبيت والزوجة، والبيت الدافئ، ومواويل البالات الراقصة التي لا تتعايش مع النقيض: إهانة الإنسان.

غنيت في غربتي “يالله لا هنتنا”

ومزق الشوق روحي لهيب الضنى

حياة البالات في”وادي بنا” جنة الأرض، تقول “يا لله لا هنتنا” و” ياليت والبحر الأحمر ضاق ولا وصل”، تعبيران يتماثلان بأن الإهانة توجد بفتح البحر الأحمر ووسعه، وانعدامها مشروط بضيق هذا البحر، حتى لا تمتد داخله قدم يمني يعيد مأساة “مراكب الجريك” التي تحمل جلود البقر، تشوي الروح قبل الأجساد الهزيلة، لترجع حياة إنسانية يحن لها مطهر الارياني، وكل مطهر في اليمن، حياة بها مسحة من الريف والبالات التي تشق عنان السماء وعيون الشمس:

والليله البال ما للنسمة السارية

هبت من الشرق فيها نفحة الكاذية

فيها شذى البن فيها الهمسة الحانية

عن ذكريات الصبا في أرضنا الغالية

⇐ يتبع في المقال القادم

المصدر: أنسم

تابعونا على صفحاتنا:

فيس بوك: @ansomnett
تويتر: @ansomnett