مطهر الإرياني .. ذاكرة غيث (الأخيرة)

347
أروى عثمان

“خطر غصن القنا” القصيدة الشهيرة لأهم وأشهر حكاية حب في التاريخ اليمني، هزت الوجدان والضمير اليمني لعقود طويلة من الزمن، ومازال صداها بين حين وآخر يتردد مابين: حكاية، قصيدة، غناء، رقصة، لوحة ومسرحية.. وغيرها من أشكال التعبير الفني الإنساني.

كان صوت الحب في هذه القصيدة: امرأة أحبت، فدفعت وحدها ثمن حبها.. ذلك الحب المهزوم و المأزوم لامرأة أحبت بكل جوارحها، فباغتها حراس الخفقات والنبض الحي للعشق، فضبطت متلبسة بالحب، فتعاقدت عليها كل أساطين السياسة والتقاليد، والفقه، وكلٌ صفى حساباته بطريقته، بحجم جوعه النهم لقطع شريان الحب والحياة، فأصدر فرمان الموت جسدياً ومعنوياً ( كالدردحة الشهيرة بقصة الحب)،  وأهلكت العاشقة التي لا حماية لها سوى العشق، فانتصروا وانهزمت، لكنها خُلدت، فأخرج الشعراء والفنانون أجمل قصائد للحب، انتصاراً لملكة الحب (الدودحية) الذاكرة العصية على النسيان، لكل دودحيات اليمن اللواتي أحببن وهزمن من أول نبض، من أول همس، من أول فتقة للروح، من أول مناجاة للحقول والطيور، وزخات المطر بأن تشهد كلمة: “أحبك “.

كانت قصيدة الأستاذ مطهر الإرياني بمثابة رد اعتبار للحب، ولقضية الدودحية، ليرتفع صوت الحب عالياً صارخاً بجدران العشق الملتهبة، لحقول الذرة التي شهدت ارتعاشه الخفقة الأولى، لصدر الوديان التي لا تثمر ولا تخصب ولا تروى إلا من أهازيج ومعينات العشق.

بعد تلك الحادثة، وفجيعة أودية اليمن المكلومة والحزينة على ما بثته تلك الأساطين بأسطورة العشق، واعتلاء التشقق والجفاف، خرجت الألحان والأغاني تهتف، وتبث الأمان لمن أراد أن يغتسل عشقاً بمياه الأودية،ج ويتظلل بأشجاره، ويتنفس صبابته، قائلة: “أمان يا نازل الوادي أمان”.

الوادي.. لا وجود له إلا بالعشق، تتعشق الأرض للولادة فتخصب، وكذلك المرأة تعشق لتتجدد، وتخصب الحياة بكل من حولها.

فأمان يا نازل الوادي، حبوا، اعشقوا ولكم الأمان، مثلما تفعل حزاوينا / حكاياتنا الشعبية، أخرجوا مكنوناتكم الدفينة، أسراركم، وعليكم الأمان.


العشق في بلادنا ثمنه باهظ، وحدها المرأة اليمنية فقط تدفع ثمنه

“خطر غصن القنا” وثيقة أخرى، لمن استحل الحب واستباح القلب، وانتصر للظلم، وكتم خفقة القلب، إنها الأغنية التي وقفت ضد الاستباحة الروحية والجسدية التي تلقتها دودحية القرن العشرين، وتتلقاها على الدوام دودحيات اليمن على مر العصور، وعصرنا الراهن المتفنن بقسوة لكتم فتقة الروح: العشق.

العشق في بلادنا ثمنه باهظ، تدفعه المرأة اليمنية وحدها فقط، والثمن معروف في النصوص الأبوية القتل ولا سواه،

“أمان يا نازل الوادي أمان”، هكذا ينتصر شاعرنا الكبير بحسه الجمالي المرهف للغزل والمحبة، ينتصر لقيم الحب والخير والحق والجمال الإنساني والطبيعي هذه الأغنية التي أكسبتها الخلود وتغنى بها كل نساء ورجال اليمن، وخلدها بجانبه الفنان الراحل علي بن علي الأنسي، باللحن الريفي الرائع.

قصيدة “خطر غصن القنا ” لم تكن القصيدة الوحيدة التي انتصرت للحب، بل تعدد الأغنيات وأجمل الأشعار، من عبدالله سلام ناجي، إلى مسرحية عبدالمجيد القاضي، إلى عبدالله البردوني… وغيرهم من المبدعين.

أخيراً:

كانت هذه قراءة سريعة لنصوص أستاذنا الكبير مطهر الإرياني، من كاتبة استلهمت الكثير من نصوصه ولا أنسى فضله الأكبر: معجمه في التراث واللغة الذي أعده المرجع الأساسي في كتابتي عن التراث الشعبي.. والذي كما قلت في أول حلقة من هذه الكتابة، أنه يحتاج إلى ندوة فكرية تحتفى به.

⇐    اقرأ أيضًا  لـ أروى عثمان في أنسم                                                              

المصدر| أنسم

تابعونا على صفحاتنا:

فيس بوك: @ansomnett
تويتر: @ansomnett