مطهر الإرياني .. ذاكرة غيث 3

393
أروى عثمان

صوت المرأة في المتن الشعري لشاعرنا المعروف مطهر الارياني صوت للحياة، صوت الروح التي ما أن تنكفئ أو تتهشم، حتى تخلق من جديد، أنه صوت العنقاء فمن موتها تبعث وتحيا من جديد.

قالت الهائمة: صوت المرأة اليمنية والريفية خاصة، صوت العنقاء.. اللوحة اليومية لحياة الريف اليمني بكل تفاصيله الشاقة الأليمة، والأليفة الحانية، صوت للمهاجل، والمغارد والمعينات، صوت المرأة إلى جانب أخيها الرجل، ألوان اللوحة الطبيعية التي عرفتها البشرية، عبر صوتهما و أهازيجهما معاً تنتفي العورات، فيهجلان:

النساء: يا صباح الرضا

الرجال: اسعد الله الصباح

النساء: مرحبا يا رجال

الرجال: مرحباً يا ملاح

في الغناء تنكتم العورات تصُاب بالخرس، تنتصر لغة الحياة، لغة الصبح والبكور، وشدو الطيور: “يا بنات اهجلين” ، “زعزعين الهجل”. (الهجل أداء صوتي حماسي متناغم يرافق أعمال الفلاحة والعمل الشاق).

زعزعة النساء للهجل في قصائد أستاذنا مطهر الإرياني، إعادة خلق الحياة في وجه العدم: الفقر، و العزلة، والوحشة واغتراب الروح، الموت المجاني الذي كانت تتلظاه المرأة في كل أصقاع اليمن خصوصاً الريف، فعبر سيرورة الهجل في المكان والزمان كان اللون المختلف الإيقاع المتنوع الذي يقرع شيطان الموت المتربص في كل تفاصيل الحياة اليمنية.

لقد استطاع شاعرنا الغوص في كينونة المرأة المهدمة و نشيجها الدامي، حولهما إلى المناداة الفطرية: يابنات اهجلين، بل: وزعزعين الهجل، اجعلنه قوة شاكمة في وجه كل من يبدد حياتكن، وقد وفق شاعرنا باختيار لفظة “زعزع” ففي لسان العرب لفظة زعزع تعني “تحريك الشيْ … حركه ليقلعه” الحركة والقلع تكونان لكل ما هو ثابت، وساكن ومتساكن، والهجل مع الثبات لا يتوافقان، لا بد من تحريك، وقلع الأشياء الأليمة، مثلها مثل قلع الأسنان اللبنية ورميها لعين الشمس لتعطينا أسنان أقوى وأمنع.

في لغة الهجل يعاد ترميم الروح المتهدمة، وعبر فرتشة الأحاديث في الحيود (الكهوف)، والأجبي (السطوح) والشقوق تزهر الشفاه ويرطب الجسد الناشف المتهدم:

يتنادمين بالحديث الطاهر تسمع “فرتاش” حلو الشفاه

يتجاوبين في الحيود من شق إلى شق ما أبدع حديثهن أو صداه

على لسان المرأة، خصوصاً قصيدة “قالت الهائمة” جسد شاعرنا أعمق وأدق المشاعر والمعاني والوجدانات للمرأة، وخصوصاً المرأة التي غاب حبيبها في بلاد الغربة، وينم من خلال أبيات قصائده  ليس استشعاره للمعاناة فحسب، بل إنه كان جزءًا من مأساة المرأة اليمنية والريفية أحسها ولمسها عن قرب، فرصد النهدات والدموع، وذبول الروح والجسد انتظاراً لحبيب خلف سبعة بحور، والدهور تدور، ولا أمارة تلوح في الأفق تلطف حياة القهر والوحشة والموت المتسلل للروح .

قالت الهائمة، حكاية ووثيقة تاريخية سجل تفاصيلها شاعرنا لتشهد تلك الحياة المتشظية للمرأة الريفية التي دفعت ثمنها باهضاً للفقر والعزلة والكبت والحرمان.

ويوفق شاعرنا الجليل في اختيار مفردة  “الهائمة” أكثر من أي تعبير عن حالات الوجد والعشق، فالهائمة، من الهائم كما يوردها ابن الجوزية في روضة المحبين ونزهة المشتاقين: “وأما الهيام قال في الصحاح: هام على وجهه يهيم هيماً وهيمانا.. والهُيام (بالضم) أشد العطش والهيام كالجنون .. داء يأخذ الإبل فتهيم فلا ترعى”، وهكذا كانت هائمة اليمن.

لا ينسى شاعرنا في غمرة حديث الهائمات الأليم أن يسكب بعض الأماني كما في أهازيج النساء الشفاهية، حيث تقول أحدى الأمنيات:

ليت عندي جناح أو كان معي قلب هكام

واتبعك في الصباح أو في المساء جنح الأظلام

تعد قصيدة قالت الهائمة من أقوى قصائده وأكثرها تأثيراً من وجهة نظري بجانب قصيدة “فوق الجبل، و خطر غصن القنا، والقافلة، والبالة”، لنتأمل فقط هذا البيت الشعري من قصيدة قالت الهائمة:

العيون غيمت وقت الفراق وامطرت دم

والشموس أظلمت واحسيت عمري تهدم

أو

نبع دمعي وقف وفي عروقي دمي جف

والفؤاد بالتلف والجسم من لهفته شف

أمام هذين البيتين من جملة قصائده الرائعة لا يملك المرء إلا أن يقف إجلالاً أمام ما أحدثته هذه الأبيات في وجداننا ووجدان أمهاتنا وجداتنا لعقود من الزمن لمئات المشاعر المختلفة خصوصاً تعبير: “عمري تهدم ” (وهذه قراءة سريعة لا تفي النص حقه).

بجانب صوت المرأة اليمنية بزعزعة الهجل لمغالبة أروقة الموت النفسي والجسدي، يعبر مطهر الارياني بجانب الهجل، دعوات المظلومات والمكلومات، حيث يقلن على لسان مطهر الإرياني:

يا أهل هذا البلد من ذي بحكمي تقلد   لا نرى له ولد ولا شفع له محمد

وبنفس العدسة الروحية الشفافة للأستاذ مطهر التي سجل بها رحلات النهدات والشجن، والانكفاء، سجل أيضاً صوت الحياة اليومية للجارات والأحاديث:

هذه قالت: الجمر رمع  ما عاد معياش لصاه

والثانية قالت: الكبريت ما عاد ينفع  من صنعة الوقت آه

أو حديث الأم مع ابنها:

وطفل يصرخ ويظهر إن هو قام يرضع

وأمه تقول هي فداه

أوصوت زوجة الأب مع ابنة الزوج وهي تصرخ عليها من السطح:

يا داهجة يامصحبة هات وتقلع كلام ظاهر جفاه

وهذه الفتاة التي تُشهد الناس على أبيها الطماع:

قلدكم الله اشهدوا حين يرجع أبي وكفوا غواه

شاقول لأبي: من بالجور والظلم يبدع

ارحم عذابي أباه

⇐ يتبع في المقال القادم

تابعونا على صفحاتنا:

فيس بوك: @ansomnett
تويتر: @ansomnett