مطهر الإرياني .. ذاكرة غيث 2

403
أروى عثمان

يشكل مطهر الإرياني في الذاكرة اليمنية ذاكرة خضراء، ذاكرة من غيث وكِنان، ذاكرة من “علاَّن” ورزفاته، من بلابله وشقشقاته، من فجر ندي وشفق الأصيل عند رواح الرعيان ودناناتهم في طرق الجبال والخبوت، من “مُعينات” تلثم خدود الفلاحات وتسكب على غراتهن اللامعة المجعدة مشاقر بلون الصبح فيهجلن: “يا معين يا معين، كيف حال الرجال”.

هذا هو الشاعر الكبير مطهر الإرياني الذي استلهم مفردات الريف اليمني لمنطقته “إب”و مسقط رأسه  “إريان”، حيث حفل قاموسه المعرفي شعرًا، ونثرًا فلكلورًا متنوعًا، ثراوه من ثر “إب” الإنسان، والطبيعة والفنون، أكانت: شفاهية أم مادية.

هذا التنوع والتعدد والمختلف شكل لوحة فنية لكثير من الطقوس والموتيفات الشعبية التي تتميز بها “إب” و بالأحرى المناطق الوسطى عموماً، وتتوجت المفردات الشعبية مكونة اللوحة الفلكلورية المتنقلة في الكثير من قصائده أهمها “ملحمة الريف” و “هيا نغني للمواسم”.

سنجد الأمثال والتعابير الشعبية على سبيل الذكر:  “في البكور الفلاح” وكذلك المعتقدات الشعبية من تعاويذ وتمائم: “واقر عين كل عين، عنهم صرف كل شيطان”.

ومن استهلالات،ة ولازمات تعابير غنائية لمهاجل و مغارد، يفتتح بها الإنسان اليمني في الريف والحضر يومه:

“يالله رضاك أرضى علينا برضاك” و “دايمة والخير دايم، يالله اليوم دلنا” و “واحنا طلبنا الله عظيم الشأن، كريم يفتح لنا ابوابه”، نجد أيضاً الكثير من الاستهلالات الجماعية والفردية للرجال والنساء تخص الزراعة بكل مواسمها ومواقيتها:

وارد الماء واردية

حل ياما يورد

ياهلا يا وارديه

يالله اليوم يامعين


ينهج الإرياني خطه الخاص مُطَّعماً الأدبي بالتاريخي فلا تخلو قصائده من مفردة شعبية

أما اللازمات الغنائية لبعض الأهازيج والمغارد أو الزوامل في نصوصه الشعرية كـ: “يا البالة والليلة البال”، “آمان يانازل الوادي آمان”، “يا دائم الخير دائم”، “سيلاه ومدرب السيل”، “عذيب اللمى”.

سينهج أديبنا مطهر الإرياني الخط الخاص به في مشواره المعرفي مطعماً الأدبي بالتاريخي بالشعبي فلا يخلو بيت من قصائده أكانت حماسية أو حميمية  دون أن نلاقي مفردة من مفردات التراث الشعبي،فردات موسم الحصاد مثل “ذو صربان” في أحد أبياته الشعرية:

عبر كل العصور مازال “ذو صربان”

رمز انتصار جهد الرجال

ويشير إليها بأن “ذو صربان” اسم موسم حصاد في اللغة الحميرية، وتعني “الصراب” في لغتنا اليوم، أو نرى في مستهل قصيدته الشهيرة “فوق الجبل” التي قالها في أحداث أغسطس 1968 المؤلمة بين الأخوة في اليمن، حيث حاول اللجوء أو بالأحرى العودة إلى روح التاريخ اليمني وحضارته لقصيدته الشهيرة :”ياقافلة بين امسهول وامجبال ”  ولفظة “أم” تستخدم في اللغة الحميرية، ومازال بعض سكان اليمن يستخدمونها حتى يومنا هذا خصوصًا في تهامة والصبيحة ويافع، ولا ينسى أستاذنا الجليل مطهر الإرياني أن يستدعي العديد من أبطال اليمن الراسخة أسمائهم وأعمالهم في الذاكرة الجمعية، كـ: “أسعد الكامل” وحكماء اليمن كـ: علي ولد زايد.


استنطق الإرياني مفردات الريف في متون قصائده الوجدانية والوطنية

” سلام آلاف ما سال وادي

لزارع الأرض في ريف اليمن والبوادي

قال الحميد بن منصور:

أمطري يا غوادي

مادام في أرضنا الفلاح فالخير دايم

وسيدخل شاعرنا في قصائده بعض الأبيات الغنائية الشهيرة التي تتناقلها النساء في معظم اليمن، وكل بلهجتها مثل:

يا احباب يا احباب لا جاكم مطر بالليل

لا تحسبونه مطر هو دمع عيني سيل

أو

يا ليت والله ربي ما خلق لي روح

إلا حجر من حجار السايلة مطروح .

سيدوم الخير ودائمه، لشاعر استنطق مفردات الريف بكل تفاصيله، استدعاها بقوة في متون قصائده الوجدانية والوطنية، مفردات لغيث وخضرة، وقلوب أكثر اخضراراً.

⇐ يتبع في المقال القادم

المصدر: أنسم

تابعونا على صفحاتنا:

فيس بوك: @ansomnett
تويتر: @ansomnett