نقيض الرومانسية الثورية

99
محمد عثمان

الإرادوية إتجاه سلوكي تميل خلاله الذات إلى إحداث تغييرات في الواقع من دون مشاركة الواقع ذاته أو من دون أن تلقي بالًا للإستعدادات الواقعية لهذا التغيير من عدمه.

ذلك، لأن الذات الإرادوية – أتحدث عن الذات المتطرفة في إرادويتها – تتوهم أن كل شيء في الواقع مرهون بها وبقرارتها وفاعليتها ورغبتها الحصرية في التجاوز، من دون أن يكون للواقع دخل وذلك على غرار المأثور الديني (إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون) والمثال الأدبي على الإرادوية المفرطة هو القبطان أهاب في رواية موبي ديك لملفيل الذي يصر على الثأر من الحوت الذي التهم ساقه حتى لو كلفه الأمر السعي ورائه عبر المحيطات وتدمير سفينته والقضاء المبرم على طاقمها.


الإراودية ظاهرة يمكن ملاحظتها لدى الناس الذين يعملون أكثر مما يفكرون

والإراودية هي أيضًا ظاهرة يمكن ملاحظتها بنفس القدر على المستوى الفردي لدى الناس الذين يعملون أكثر مما يفكرون وعلى المستوى الجماعي لدى بعض الجماعات والشعوب المتسمة بتخلف بناها الاجتماعية وقلة نصيبها من التعليم، حيث تسعى إلى تجاوز نفسها في تفجرات اجتماعية مزلزلة تفوق مقدراتها الواقعية على التجاوز مما يعود بها إلى التردى مجددًا في المهاوي التي سعت إلى تجاوزها. وعلى ما يبدو أننا اليمنيين في تعداد هذه الشعوب التي تحضر لديهم خاصية الإرادوية بقوة – إن لم نكن في مقدمتها قاطبة – وتجليات الإرادوية في المجال السياسي اليمني واضحة ولا تخطئها عين ويكفي للإستدلال عليها أن نعرف أن أهداف ثورة 26 سبتمبر (أحد الأحداث المحورية في حياتنا) قد تم صياغتها بعد قيام الثورة وليس قبلها، كما يفترض بحركة تعرف غايتها سلفًا ويقال حتى أن أهداف الثورة اقترضت بالكامل من الثورة المصرية.

⇐      سامية العنسي.. فتاة الإذاعة     |             اقرأ أيضًا في أنسم                        |

والإرادوية المتطرفة كقصور ملازم للحراك السياسي اليمني، لم تكن غائبة عن فهم الرعيل الأول من المناضلين اليمنيين (عن حركة الأحرار اليمنيين أتحدث)، ففي الكتيب (من وراء الأسوار) وهو عبارة عن استطلاع قام به النعمان الإبن لآراء عدد من رموز حركة 48 أثناء وجودهم في السجن على خلفية فشل الحركة، وكان محور الاستطلاع السؤالين: من نحن؟ وماذا نريد؟، (لاحظوا أن التفكير بأهداف الحركة قد جاء بعد قيامها .وليس قبله ما يعد بحد ذاته شاهد آخر على خاصية الإرادوية وأسبقية الفعل على التفكير في المجال السياسي اليمني.

لاحظ القاضي عبدالرحمن الإرياني بلماحيته المعهودة (وأظن أنه أول من تنبه إلى هذا الملمح في الشخصية اليمنية) في مشاركته في الكتيب المذكور إلى أن اليمنيين يعملون أولًا ثم يعودون لاحقًا للتفكير فيما عملوا، مستشهدًا على قوله بنكتة عن اثنين من ذمار تشاجروا مع شخص ثالث وقتلوه وبعد ما قتلوه سأل أحدهم صاحبه: إلا عليش قتلناه؟ فأجابه الآخر وأنا مادراني!؟.


الإرادوية في المجال السياسي هي الميل إلى اعتساف الواقع وأحداث تغييرات فيه دون التحقق من قابليته لها

والإرادوية في المجال السياسي هي الميل إلى اعتساف الواقع وأحداث تغييرات فيه من دون التحقق من قابلية الواقع لهذه التغييرات الأمر الذي يترتب عليه فيما بعد ردة فعل مساوية للفعل، تعود بالأشياء إلى ما قبل التغييرات المتوخاة. وغالبًا ما يتم ذلك بطريقة دراماتيكية وأكثر كلفة مما لو أبقينا الواقع على حاله. والإرادوية بهذا المعنى هي نقيض التاريخانية والسياقية، أي نقيض الميل إلى أخذ الأشياء بظروفها وممكناتها الموضوعية والواقعية.

وكما قلنا فإن واقعنا السياسي منذ 48 وحتى اليوم يحتشد بالدلائل عليها، ربما لبدائية حياتنا وأسبقية مجتمعنا على الطابع العلمي، فنحن اليمنيين أمة تنام طويلًا وعندما نستيقظ نسعى، وقد هالنا عظم تخلفنا عن الآخرين، إلى تجاوز ما فاتنا بطرفة عين، لكننا سرعان مانكتشف فيما بعد بأننا لم نعمل سوى العودة وبطريقة دراماتيكية أيضًا إلى ما قبل اللحظة التي أردنا أن نتجاوزها وتاريخنا السياسي المعاصر يكاد أن يكون كما قلنا شهادة دامغة على ذلك، #نقيض الرومانسية الثورية.

المصدر | نقلًا من صفحة الكاتب في الفيس بوك