الفنانة مهر الهمامي: أعشق الأغنية الصنعانية

3٬080
مادة خاصة بأنسم

بينما تفتقر الأغنية اليمنية للدراسات الموسيقية الدقيقة، تسخر باحثة تونسية جُل وقتها للبحث والتنقيب في تفاصيلها، ولا تألو جهدًا في التعريف بها في أي مهرجان أو حفل غنائي تقيمه، مؤكدة أن الأغنية الخليجية ماهي إلا امتداد للأغنية اليمنية.

مهر الهمامي في مهرجان وادي الباي بتونس، تصوير أسامة المطري
مهر الهمامي في مهرجان  بير الباي بتونس، تصوير أسامة المطري

“يمني يامهر ..يمني” هكذا هتفت الأصوات التونسية أثناء مهرجان ريحانة الرمضاني في الجمعية الرشيدية للموسيقى بتونس 2017، تطالب مهر أن تغني يمني، رغم أن المهرجان كان مخصص المالوف التونسي.

يقول أسامة أحد الطلاب اليمنيين الذين كانوا متواجدين في الحفل الرمضاني لـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم: “لأول مرة أشعر بالإمتنان وأن التونسيين معجبون بالأغنية اليمنية، لقد فعلت مهر الذي لم نفعله نحن اليمنيين تجاه الموسيقى الخاصة بنا”.

استطاعت الفنانة التونسية الشابة واستاذة الموسيقى مهر الهمامي المولودة في 13 ديسمبر 1991 في مدينة باجة – شمال غرب تونس – أن تصبغ ذائقة جمهورها التونسي وتقنعهم بجمال الأغنية اليمنية التي طالما عُرفت لديهم بأنها أغنية خليجية، “أحييتُ عدة احتفالات حضرت فيها الأغنية اليمنية خصوصًا حفل: طيوب يمانية و قصة عشق وريحانة” قالت لـ أنسم.

⇐   الفنانة التي صنعت صوتها |                اقرأ أيضًا في أنسم                                            

اندهاش البداية

بعد حصولها على البكالوريا 2011، قدمت مهر الهمامي من مدينة باجة – شمال غرب تونس – إلى تونس العاصمة لتحقيق شغفها في الالتحاق بالمعهد العالي للموسيقى، “عندما التحقت بمعهد الموسيقى لم تكن لدي معرفة مسبقة بالأغنية اليمنية، فقط كانت تسمية الأغنية الخليجية هي التي تسيطر، كنا نستمع لـ الرويشد: انا بتبع قلبي، لـ ذكرى: ياللي ملكت الروح و يامشغل التفكير، لـ وردة: يامروح بلادك و ياراد ياعواد، لـ محمد عبده: يانسيم الصباح وقال المعنى و جل من نفس الصباح، وعبد الرب إدريس: مقدر والنبي اودعك.. كنت مثل غيري أقول: الأغنية الخليجية”.

تقول استاذة الموسيقى الشابة لـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – انسم: “عقب التحاقي بالمعهد بدأت أقرأ وأبحث في اليوتيوب، فوجدت أبو بكر سالم وتعرفت على المحضار، حينها أدركت الوقع الخاص والمميز للأغنية اليمنية وأدركت أن الكثير من الأغاني التي ارتبطت بذاكرتنا باعتبارها أغاني خليجية لم تكن أغاني خليجية، بل كانت أغاني يمنية خالصة كتلك التي غنتها وردة وذكرى والرويشد ومحمد عبده ونجاح سلام وهيام يونس… الخ”.


مهر: كنت مثل غيري أقول أغنية خليجية وبعدها أدركت أن الأغنية اليمنية هي الأصل

“كنت مندهشة عندما بدأتُ بعدها في الخوض في التفاصيل لاكتشف الغناء اليمني الصنعاني خصوصًا، فالأغنية الصنعانية لها وقع مختلف وتسحبك إليها بدون شعور، ستجد نفسك تتمايل معها ولن تجد صعوبة في فهم كلماتها”، قالت.

وأضافت: لـ أنسم: “شدتني الاغنية اليمنية وكان في بالي أنها أغنية خليجية بسبب أن الإعلام يركز على الأغنية الخليجية وأيضًا العديد من الفنانين اليمنيين أصبحوا يحملون الجنسية الخليجية ويظهرون باللباس الخليجي، لم اكن أدرك قبلها أن الأغنية اليمنية هي أصل الأغنية الخليجية لكن تتبعي للأصوات اليمنية بعدها حفز عندي نهم البحث (تضحك) ربما الفضول أو ربما تكون لي جذور يمنية”. قالت مبتسمة.

الصورة من صفحة الفنانة على انستغرام
الصورة من صفحة الفنانة على انستغرام

الأغنية الصنعانية مميزة

تقول مهر لـ أنسم: “الذي لفت انتباهي أن الأغنية الصنعانية لها الكثير من المميزات خصوصُ في أداء مقاماتها التي تعتمد على الأرباع، كما تعتمد على المقامات الشرقية البحتة: حجاز، بيات، نهاوند، سيكا والرصد”.

تتذكر مهر أول مرة غنت فيها أغنية يمنية كانت في 2013 عقب حصولها على الإجازة في العلوم الموسيقية و التخرج في معهد الموسيقى وكان عليها أن تعد أغنية للعرض في المهرجان، “حينها غنيت الموال الصنعاني  حالتي حالة من مقام حجاز لأحمد فتحي وبعدها انتقلتُ إلى أغنية يكفي أشوفك وبس لأحمد فتحي أيضًا” قالت.


لابد من إعادة توزيع الأغنية اليمنية بأوركسترا، لدى اليمن تراث موسيقي يستحق الصدارة

استطاعت الاغنية الصنعانية أن تجذب استاذة الموسيقى إليها لتكون مركز اهتمامها ونقطة انطلاق أكاديمي، “أجبرتني الأغنية الصنعانية أن أخوض في تفاصيلها وأن اقرر أن تكون دراستي العليا في الأغنية اليمنية والصنعانية خصوصًا” قالت.

وتضيف استاذة الموسيقى التي تبدأ يومها بأغنية جل من نفس الصباح التي تعشقها كثيرًا:” أول ما طرحت موضوع أطروحتي حول الأغنية الصنعانية تفاجأ أعضاء اللجنة بالأمر وأخبروني أنني سأجد صعوبة في المراجع كونه لا توجد هناك مراجع علمية دقيقة حول الموسيقى اليمنية كما تفتقر للتدوين الموسيقي”.

تتابع: “إلا أن هذه المعوقات زادت من حماسي لخوض المغامرة، لقد كانت تجربة مفيدة لي، خصوصًا مع تشجيع مشرفي الأكاديمي الدكتور الأسعد قريعة الذي بذل جهدًا معي لإنجاز رسالتي”، قالت باعتزاز.

وأردفت:” كنت أتمنى أن أقوم بدراستي الميدانية في اليمن لكن الأوضاع غير المستقرة والحرب التي تعيشها اليمن حالت دون وصولي إليها وتحقيق أمنيتي، لكنها ستتحقق يومًا وسيستقر اليمن”.

تتساءل الفنانة والباحثة الشابة، لماذا لايوجد اهتمام مؤسساتي بالأغنية اليمنية؟!، “إن إقامة مهرجانات وفعاليات ثقافية موسيقية للأغنية اليمنية سيجعلها في الصدارة خصوصًا لو تمت إعادة توزيعها بآلات حديثة، تمامًا مثلما فعل الفنان الكبير أبو بكر سالم رحمه الله، سيساعد هذا الباحثين ويحمسهم على الخوض في تفاصيلها وتدوينها”، قالت، وأردفت: “لدى اليمن تراث موسيقي يستحق الصدارة”.


تستمع مهر بشغف لرواد الأغنية الصنعانية وتبدأ يومها بأغنية جل من نفس الصباح

شغف التخصص 

خلال عملها على انجاز الماجستير لم تكن مهر قد تعرفت على شخصيات يمنية بشكل مباشر، “لا موسيقيين لا إعلاميين ولا باحثين ولا جهات، لكن بواسطة قريب لي يقيم في الدوحة كان يعرف أحد اليمنيين المقيمين هناك، تحصلت على بعض المراجع حول الأغنية اليمنية بعثها لي عبر البريد، وكان أهم ما تحصلت عليه هو موسوعة الشعر الغنائي الصنعاني، وبعدها تعرفتُ على الكثيرين بعد أن انشأت قناتي على اليوتيوب في 2015” قالت لـ أنسم.

لم يقتصر شغف الفنانة الشابة على البحث بل أصبحت من عشاق سماع الأغنية الصنعانية القديمة، فهي تستمع لـ المسلمي والماس (الاب والابن) والقعطبي والعنتري وأبو بكر باشراحيل وقاسم الأخفش وغيرهم، تقول لـ أنسم: “رغم رداءة الصوت المتوفر كونها تسجيلات قديمة وتم تحويلها من الاسطوانات إلا أن استماعي لهم يجعلني أشعر بالبهجة والاستمتاع بأسلوب أدائهم وحركة الريشة المميزة على العودي اليمني القديم: القمبوس أو الطربي، خصوصًا أثناء الإرتجال قبل الأغنية الذي يسمونه الفرتاش”.

وتتابع: “حركة الريشة أثناء الفرتاش تشعرك برشاقة يد العازف وهو يتنقل بين المقامات بشكل مذهل، كما يعجبني التناغم بين العود والآلات المصاحبة له مثل الصحن النحاسي (الميميا) والمرواس (الطبل الصغير)”.

مهر الهمامي في مهرجان وادي الباي بتونس، تصوير أسامة المطري
مهر الهمامي في مهرجان بير الباي بتونس، تصوير أسامة المطري

مهر اليمنية

تعرفت مهر بعدها على العديد من الشخصيات مثل الفرنسي جان لامبير الذي قضى فترة طويلة في اليمن وأسس مركز التراث الموسيقي وأنجز خلال تواجده في اليمن رسالته في الدكتوراه حول الأغنية الصنعانية التي تحمل عنوان: فن الغناء الصنعاني.. طب النفوس، والموسيقار أحمد فتحي اللذان ساعداها في الإجابة على بعض الاستفسارات الموسيقية حول الأغنية اليمنية.

ولم تتوانَ في أن تكون متواجدة في احتفالات الطلاب اليمنيين في تونس، ففي مهرجان بير الباي الثقافي الذي أقيم في 2017 للطلاب العرب من مختلف الأقطار للتعريف بثقافاتهم، جاءت مهر – بمبادرة منها – مرتدية الزي اليمني وغنت على المسرح: أغنية ياحبيبة يايمن وأغنية ياهزلي.

“كانت تجربة مهرجان بير الباي مفيدة لي، فقد تعرفت خلالها على العديد من اليمنيين والدبلوماسيين” قالت.

نالت مهر الماجستير في علوم الموسيقى في 2017 عن رسالتها حول الأغنية الصنعانية وهي حاليًا تعكف على إنجاز رسالتها في الدكتوراه أيضًا حولها، تقول لـ أنسم: “رسالتي التي أعكف عليها حاليًا للحصول على درجة الدكتوراه في علوم الموسيقى حول الموشح الصنعاني خلال القرن العشرين”.

المصدر | مادة خاصة بـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم

يمنع إعادة نشر المادة او اي مواد أخرى لأنسم دون الإشارة للمصدر