كوكب الوادعي.. من الصحافة إلى استشارية الإرشاد النفسي

1٬653
فاروق علوان

عشر سنوات قضتها الطفلة كوكب الوادعي في غرفتها، تقرأ الكتب وتذاكر دروسها دون القدرة على الذهاب إلى المدرسة، “شُخِصت حالتي على أنها كساح أطفال”.

كوكب الوادعي

“كانت فترة صعبة بالنسبة لي ولأسرتي”، قالت الدكتورة كوكب الوادعي استشارية الصحة النفسية والإرشاد النفسي لـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية ـ أنسم.

في التاسعة من عمرها بدأت كوكب تعاني من آلام في العظام وعدم القدرة على التوازن، شخص الأطباء حالتها على أنها كساح أطفال، “ظلت عشر سنوات في غرفتي يساعدني أخوتي على مراجعة الدروس وأذهب للمدرسة لإجراء الاختبارات”.

في الغرفة الصغيرة كبرت كوكب وكبر عالمها وغاصت في فضاءات عديدة مع الكتب والمجلات، “الكتب أنستني احتياجي الخاص للحركة في الخارج، قرأت ديستوفسكي وتولستوي ونجيب محفوظ وأمهات الكتب، وبدأت ملكة الكتابة تتشكل لدي”، قالت.

مطلع تسعينيات القرن الماضي تشكلت هوية كوكب كاسم سيغدو معروفًا في الصحافة اليمنية لاحقًا، تقول لـ أنسم: “كان شيئا ما يشدني للكتابة، فكتبت أول مقال لي بالمراسلة في صحيفة الثورة وأنا في الثاني ثانوي 1992 بعنوان: ليت كل الآباء المتعلمين أميين كوالديَّ”.

تشير كوكب الوادعي المولودة في محافظة حجة غربي اليمن إلى أن والدها كان دائما يأتيها بالجرايد لتقرأ له، “لقد شجعنا والدنا كثيراً على التعليم خصوصًا نحن البنات، وكيف أن التعليم سيغير مصيرنا ويجعلنا مستقلات ولن نحتاج لأحد”.

وتابعت: “مازلت اتذكر كلامه لنا وهو يروي حكايته عندما غادر إلى السعودية وهو في الـ14، كيف أن الكفيل كان يأخذ منه أجرة يوم عمل ليكتب له رسالة يطمئن بها والدته”.

من غرفتها أنهت الفتاة دراستها الثانوية الأدبي 1993 (منازل) فقط كانت تذهب لإجراء الاختبارات بمساعدة والدها، كما ظل اسمها يستمر في النشر بصحيفة الثورة وبات القراء يتذكرون الاسم جيدًا: كوكب الوادعي.


في الأردن ظهرت الحقيقة: لم أكن ضحية كساح بل تشخيص طبي خاطئ

تشخيص خاطئ

التحقت كوكب بجامعة صنعاء كلية الآداب قسم علم النفس 1994-1995 وكانت ماتزال لا تستطيع المشي بمفردها حتى العصا التي تتوكأ عليها لا تؤدي الغرض بسبب فقدان التوازن، لكن إصرارها على الذهاب للجامعة كان طاغيًا، “كانت زميلاتي يساعدنني للتنقل بين القاعات وصعود الدرج أو المشي”.

تقول كوكب لـ أنسم: “أتذكر حينها ساءت حالتي جدًا وفي المستشفى أعطوني علاج خاطئ اضطر الأمر أن أبقى في مستشفى الثورة أسبوعين، حينها تم تجهيز تقرير طبي للعلاج في الأردن”.

وتابعت: “هناك اتضح كل شيء، لم أكن ضحية كساح أطفال بل تشخيصات طبيية متعددة خاطئة بين كساح ونخاع شوكي وضعف عضلات، لتظهر الحقيقة: تلين في العظام نتيجة نقص فيتامين D3 الذي يساعد على امتصاص الكالسيوم في العظام، الأمر الذي سبب لي هشاشة وليونة وفقدان توازن بسبب ضعف العضلات”.

شهرين خضعت فيها كوكب للعلاج في الأردن لتعود إلى جامعتها، “بدأت أقف لوحدي أمشي و أستعيد توازني بدون مساعدة، صحيح مازلت أعاني من الهشاشة حتى الآن واستخدم العلاجات، لدرجة أنني لا أستطيع ممارسة أي رياضة، حتى المشي امشي ببطء لا استطيع الهرولة أو الجري أو القفز، لكن الأمر أفضل بكثير”.

⇐ اقرأ أيضًا في أنسم | تعليمي مكنني من عدم التسول والعيش تحت بيوت الصفيح                        

انطلاق كوكب

استمرت كوكب في الكتابة وتطوعت للعمل في اللجنة الوطنية للمرأة 1996، وكانت أحد مؤسسي ملحق الأسرة كأول ملحق متخصص بقضايا المرأة والأسرة عن صحيفة الثورة وكاتبة عمود: همس القلم.. كما كانت أحد مؤسسي صحيفة اليمانية، ثم تخرجت من قسم علم النفس في 1998.

وتدرجت في العمل الصحفي والإداري في اللجنة الوطنية للمرأة إلى أن رأست تحرير صحيفة اليمانية، وكتبت في العديد من الصحف: الثورة، الجمهورية، الشورى، مارب برس، 26سبتمبر وغيرها، كما كان لها عمودًا أسبوعيًا ثابتا في صحيفة الوطن السعودية: بعض الكلام، من 2006 حتى 2010.

“اشتغلت أيضًا مع المنظمات الدولية والمحلية في جانب التدريب لحقوق الإنسان والسلام والجندر والعنف ضد المرأة ومناصرة قانون الأحوال الشخصية وتعديل سن الزواج”قالت.

لم تتوقف كوكب عن الكتابة كما لم تتوقف عن أحلامها فحصلت على درجة الماجستير 2005 حول علم نفس الشخصية، وحصلت الدكتوراة 2012 في الصحة النفسية والارشاد النفسي من الجزائر.. ويعد الإرشاد النفسي من التخصصات التطبيقية والملحة لعلم النفس.

تقول الدكتورة كوكب الوادعي استشارية الصحة النفسية: “مازلت اتذكر تلك المرأة في قريتنا بحجة قبل مغادرتنا إلى صنعاء ظلت محبوسة 40 عامًا في المدوار (غرفة صغيرة بجوار حظيرة البقر) كانوا ينعتونها بـ المجنونة.. كنت صغيرة عندما جاء خبر وفاتها تحت أنقاض الجدار الذي ظلت تحفر تحته حتى وقع عليها.. لكنها ظلت في ذاكرتي صورة للظلم”.


لقد أحدثت الحرب خللًا اجتماعيًا كبيرًا وصدمة نفسية عنيفة

استشارات

عندما عادت الوادعي من الجزائر بتخصصها الجديد، قرأت إعلان للأمم المتحدة في اليمن (UNDP) لوظيفة جديدة: المستشار الوطني للضغوط، تقول: “تقدمتُ لاختبار الوظيفة وتم قبولي، كاستشارية لمكاتب وموظفي الأمم المتحدة الـ17، إضافة إلى تقديم استشارات نفسية خيرية وتطوعية، وفي نهاية 2015 التحقتُ بجامعة العلوم والتكنولوجيا كأستاذ مساعد أدرس مادة الصحة النفسية والإرشاد النفسي”.

في العام 2017 تقدمت الدكتورة كوكب الوادعي لزمالة أربعة أشهر في جامعة لندن في مركز المرأة للسلام والأمن، تقول لـ أنسم: “بعد الحصول على الزمالة عدت من لندن إلى مصر وبعدها حصلت على فرصة حضور مؤتمر حول التفاوض الجندري في جامعة أوتاوا يوليو 2018 وقررت البقاء في كندا”.

ما تزال الوادعي تمارس مهامها في الإرشاد النفسي التطوعي، من خلال الاتصالات والسوشيال ميديا، “أطلقتُ مبادرة جسور التضامن والسلام في جامعة أوتاوا، عقب محاضرة لي في قسم التنمية الدولية والعولمة عن الأزمة الإنسانية في اليمن.. نهاية المحاضرة طلبت إليهم اذا كانوا مهتمين بمساعد الناس في منطقة الصراعات ومنها اليمن فأنا عندي مبادرة جسور السلام والتضامن”.

الحرب والأزمات النفسية

تشير إحصاءات قديمة تم تداولها إعلاميًا إلى أن هناك مليون مريض نفسي في اليمن، وهناك فقط قرابة 50 طبيبًا نفسيًا ولا توجد مصحات كثيرة.

إلا أنه وخلال الحرب المستمرة -منذ انقلاب الحوثيين على السلطة والسيطرة على مؤسسات الدولة في 21 سبتمبر 2014 تلاه دخول قوات التحالف العربي في الحرب في صف الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا- تم تداول أرقام أن هناك 5 مليون بحاجة للدعم النفسي.

تقول استشارية الصحة النفسية لـ أنسم: “الحرب فاقمت من تدهور الأوضاع النفسية لدى الناس بشكل عام والأطفال والنساء بشكل خاص”.

وأضافت: “لقد برزت على السطح بشكل لافت ومخيف جرائم اجتماعية وأسرية، أبرزها انتشار العنف بكل أشكاله: اختطاف واغتصاب الأطفال والنساء وقتلهم، تعذيب وتشويه الأطفال وانتحار للآباء والأمهات بعد قتل أطفالهم.. لقد أحدثت الحرب خللًا اجتماعيًا كبيرًا وصدمة نفسية عنيفة”.

تتلقى استشارية الصحة النفسية اتصالات عديدة من داخل اليمن وخارجه بغرض الاستشارات، “الأمر الذي دفعني من خلال المبادرة لتأسيس شبكة الدعم النفسي عن بعد”. 

تشير الوادعي إلى أن الشبكة تهدف إلى تأهيل مخرجات علم النفس والعاملين في مجال الصحة النفسية ورفع قدراتهم ومهاراتهم في التعامل مع حالات الصدمات وصدمة ما بعد الحرب وحالة الاكتئاب والشيزوفرينيا والأطفال في المدارس خصوصًا الذين تعرضوا لصدمات الحرب، “معظم أطفال اليمن الآن لديهم اضطرابات نفسية”، قالت.

وأضافت: “الهدف أيضًا تقديم الاستشارات النفسية للفئات الأكثر احتياجًا والمدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في مجال السلام والصحفيين وغيرهم ممن تعرضوا للاعتقالات أو غطوا أحداث مرعبة إضافة إلى ضحايا العنف الجنسي والأطفال المشردين أو الضحايا الذين فقدوا أطرافهم سواءً جنود أو مدنيين”.

بحسب الاستشارية كوكب الوادعي فإن الشبكة  قدمت خلال الفترة الماضية محاضرة أونلاين من متخصصين اطباء نفسيين هولنديين حول الذهان، ومحاضرة عن اضطرابات النوم قدمها الدكتور قيس غانم أحد المهاجرين الأوائل بكندا، “حضرها اختصاصيين نفسيين يمنيين وطلاب علم النفس ودكاترة ومهتمين”.

وأكدت لـ أنسم أن الشبكة بدأت الأيام الماضية تدريب لمدة أربعة أيام حول: خفض القلق وتعزيز المناعة النفسية لدى الأطفال المتأثرين بالحرب في اليمن.. حضره 25 متدربًا من الاختصاصيين النفسيين وعدد من المعلمين والمعلمات المتعاملين مع الأطفال.

“نهدف على المدى البعيد إلى رفع كفاءة المؤسسات الصحية في مجال الإرشاد النفسي” قالت.

أعدت أنسم هذه المادة بتمويل من هيئة الأمم المتحدة للمرأة – اليمن

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom