صباح الخير يا رازح

1٬365
أروى عثمان

“صباح الخير يارازح” وأنت تقرأ هذه المادة لـ أروى عثمان، ستعجز عن تصنيفها هل هي مقالة أو استطلاع أو أو…، كثير من الـ “هل؟” ستواجهها دون أن تجد إجابات سوى: إنها طريقة أروى عثمان في السرد والحكاية.. أروى الحكاءة الأصيلة وبنك الحكايات التي لاتُمل.. هنا في هذه الرسالة ستجد نفسك أمام كم كبير من المتعة والألم وأنت تقرأ ما تكتبه سيدة المشاقر.

في العام 1998 زارت أروى عثمان رئيس ومؤسس “بيت الموروث الشعبي” منطقة رازح بصعدة وتنقلت في أرجائها.. وبعيون وذاكرة ريفي يلتقط كل شيء تقع عليه عيناه وثقت لنا حكايا وتقاليد وأماكن وشخوص رازح، ونشرت ذلك في مايو 2007، حينها كانت صعدة منهكة وتعيش حربها الرابعة التي شنتها قوات الجيش على “المتمردين الحوثيين” لإعادة المحافظة إلى حظيرة الدولة، فتلتها لاحقًا حرب خامسة وسادسة، فلم تعد صعدة إلى حظيرة الدولة، كما لم تعد هناك دولة الآن..

ما كتبته أروى عثمان بألم حينها عن رازح وجماله وكيف ان الحرب انهكته، هو نفسه ما يجري الآن في اليمن الكبير فـ: الجماعة المسلحة نفسها تتسيد المشهد – منذ انقلابها على السلطة في 21 سبتمبر 2014 – فرازح لم تعد مديرية وحسب بل غدت بلدًا بأكمله.. بلد كبير وغني بتاريخه وثقافته وعاداته وتقاليده بات يرزح في الخراب ويوصف بـ: الفقير وبلد “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”.

.. في رسالتها لـ رازح تطمئن عليه، تسأله بشوق عن رجالاته وحصونه وقلاعه ونسائه وعن صديقاتها هناك.. تتذكر كل التفاصيل وكأنها تحدث الآن.. “أوقفوا الحرب” قالت أروى عثمان في نهاية رسالتها ولم تكن تتوقع أن نار حربٍ لا تنتهي ستعم البلاد.. فإلى ما كتبته الأستاذة أروى عثمان.. “محرر أنسم”

*الصور المرفقة في المادة التقطتها عدسة أروى عثمان 1998 برازح صعدة وخصت بها أنسم.

أروى عثمان

لا أجرؤ أن أسأل عن حالك يا رازح هل صبحك صباح؟ وكيف المساء؟ خبرني يا رازح عن النضير وساكنيها النضراء مثلها، فلا تتخلَ عنها، حِن عليها، وأفرد أجنحتك، لملمها، حوّط خضرتها، ارزح قامتها المنهكة، كن سندها، وقل لها: لا تحزن من جور الظلام الدامس، ومياه الشرب الملوثة، والفقر والطلاب الذين يؤدون تحية العلم في العراء: الله، الوطن، الثورة،  الوحدة.


 قل لها لا تبتئس إن كانت عاقبة هذه التحية سوى الموت تقتيلاً، قل لها لا تغتظ، وهي ترى على بعد كيلو مترات المدن الجارة تتوضأ بالنور، والحياة الإنسانية الكريمة.

وعن جبال، ووادي دهوان، خبرني عن موزها الهندي والبلدي واليعفلات (الشجرة الأم للموز) واشجارها الطبية عن قلاعها ونوبها وهل مازالت تذاكير الفجر تغبشش نومنا من مئذنة النضير القريبة؟ خبرني يا رازح.. أمازالت رقصة الواسي مشرعة نحو الشمس، وعن حركات النسور، والملابس البيضاء بأكمامها الطويلة العريضة؟ وماذا عن الرقصات الأخرى: المثلوث، والمربوع، والبيلح، والمسدوس..؟\

خرافة الحنش

صباح الخير يا نساء رازح فتياتها أطفالها شيوخها أما تتذكرون ما قلتموه لي ذات يوم “من أن امتشاق الشمس ليس صعباً على رازح”.

خبرني يا رازح عن: ضحيان، ومجز، وساقين، والدربين وووو.. قليلاً قليلاً إجعلني أستعيد ذاكرة إسفلت ضحيان، وطرق مجز غير المسفلتة، هل مازال الناس يتداولون خرافة: من أن ضحيان أصبحت مدينة، على الرغم من أن مجز المديرية، فضحيان رحبت بالإسفلت وأصبحت مدينة، بينما مجز رفضته لأن حنشاً أسود سيلتهم الناس إذا ما سفلتوها؟ لقد فُتحت سيرة الحنش الأسود: واللهم استر على رازح إذا قرأت سورة الحنش الأسود.

صباح الخير يا رازح.. حتى لو كان الصباح غير مشرق ماذا عن وادي العابدين، عن موسم العنب الأسود والرمان هذا العام؟ وهل مازالت الطيور سكرانة من حلاوتهما، أم الرصاص امتص رحيقهما، وبصق بالمر الأسود..

أمانتكم خبروني عن حال الطيور؟ خبروني يا أحبائي عن قلعة حُرم، وعن عوفان حارس القلعة، وهل مازال المدفع التركي نائماً في تلك الغرفة الصخرية؟ وماذا عن دهاليزها، وجدرانها؟ أمازالت ياشيخنا عوفان “تحتزب” وتحتزم بالجنبية، والعمامة العامرة؟ وهل مازالت ترقص البرع في أروقتها؟ وكيف حال زامل المرحب؟، أما زال صداه يرن في أقبية القلعة وجبالها؟.


هنا حُسن وهنا مناحيم وهناك أبونا سليمان ينثر المحبة على كل طرقات صعدة

رقصة البرع، الشيخ عوفان، قلعة حُرم.. الصورة من اروى عثمان لـ انسم

صباح الخير ياعوفان! وألف صباح يا عوفان، على خيلائك في الرقص، وعلى الصلوات الأخرى الراقصة في الساحة، عن الرقص في علو القلعة وفي أسفلها، وجوانبها، قلت لنا ياعم عوفان: إن القلعة كانت عصية على الأعداء.. فهل مازالت كذلك؟ أمانتك أسوارها، والشجيرات النابتة في الشقوق، والدرج المبنية من الحجارة، أمانتك بركتها، حتى ولو كانت آسنة.

اتخبرك يارازح عن أصدقائنا: مسفر، والطبيب والمثقف أحمد جبران، وعن فتيات مجز والدربين أما زلن يتدممن؟ ونباتات “العيقال” أمازالت مخضرة وغضة؟ قل لهن: الشمس حارقة وخطوط النار أحرقت الأخضر واليابس، فليكثرن من التدمم فأرواح الشر تملأ الطرقات والجبال، فرشرشن يابنات رازح رحيق -العيقال- على وجوهكن حتى لا تشيخ قبل الأوان.

أمانتك يارازح تبلغ سلامي لصديقاتي الحطابات المليئات بالحيوية، حتى وإن كانت أشغالهن شاقة مؤبدة، أفرد قامتهن يارازح، لقد تقوست ظهورهن وهن في عمر الزهور.. نجّ أعمارهن المهدرة بمجانية في الجبال، وبين الأشواك وقل لهن: إنهن جميلات بخصلات شعرهن الخارجة من اللفائف السوداء المخيطة بالخرز الملونة، المنسجمة مع عقودهن الخرزية الملونة، وأن عُصابة رأسهن من الطاس والأقمشة الملونة تاج زادهن جمالاً.


ستأتي الجدة تترنم بتهويدات النوم وحزاوي الغول والبطل الفقير الذي حرر المدينة

قل لهن: يكثرن من الغناء والأهازيج، لا يتوقفن عنه صباحاً ومساء، خصوصاً هذه الأيام؛ فالهاويات كثيرة وعميقة، وحراس الهاويات تخافهم الأغنيات: “أهل الحسد غطوا على الماء بزربة.. حسدوني الشربة وقدني على الغيل.. يارب أسألك هب للمولى نكبه.. ولا يجيء له برق.. بين أول السيل كم قدني هائم على فص ياقوت.. يا رب قبل الموت عيدي ألقاه .. يا ذي جرح قلبي واسقاني المر مالك بصاحب يهينك نحا الناس”.

التدمم.. نبات يسمى ” العِيقال” يسحق ويوضع على الوجه ليحمى بشرة المرأة، وظيفته مثل وظيفة الهرد.. الصورة من اروى عثمان لـ انسم

خبرني يارازح عن: المهاذر، وفلة، ومنبه، عن سحار، وغمر، وجماعة، عن صانع المزبى في فلة، وأمه الراعية، وابنته الصغيرة المدممة.. قل له لا ينس الودعات في جوانب المزبى، فالشرغات كثيرة وحادة، وأرواح الشر تحوم حول الأطفال، والحسد (الحولة) متربص بكل ضحكة… الودعات، ثم الودعات، ثم الودعات.. لتسكن المحبة والخير مهد الأطفال.

وستأتي الجدة تترنم بتهويدات النوم (الزوال).. وبضع حزاوٍ وحكايات عن الغول الذي فتك بالناس، وعن البطل الفقير الذي حرر المدينة من الدمار والهلاك.

وماذا عن عمنا سليمان يا رازح؟ كيف حاله، و زنانيره الملوحة للشمس؟ قل له لا يخف من إبراز زنانيره الطويلة المرتبة بعناية، قل له يطلقها في الفضاء، في الفضاء أكثر وأكثر، وليتلُ شيئاً من أسفار التوراة.. إشكره على القهوة حلوة المذاق، وقبِّل أطفال الحوش طفلاً طفلة، قل لهم أن يمنحوا خصلات من زنانيرهم، ويعطوها لعين الشمس، لتمنحهم لمعة، وتفتح أحضانها لمواصلة اللعب: “فتَّحي يا وردة غمضي يا وردة”، هنا حُسن وهنا مناحيم وهناك أبونا سليمان ينثر المحبة على كل طرقات صعدة.


يتم تطهير الشباب قبل العرس.. تنطلق الزغاريد والرقص على أصوات الطبول 

تطهير الشباب

رازح.. خبرني، هل الشباب تطهروا قبل عرسهم؟ وكيف المدرمة (زامل حماسي يقوله الختين)؟ ماذا عن “الحديد على الحديد ونار الله الوقيد واختن ياختان بالشفرة والهندوان” سلامتكم.. ولتبدأ زغاريد الختان، ونثر النقود والحلوى وحيا على الرقص، حيا على الرقص، وأغاني السلى.

رازح: كيف الغُبرة هذه الأيام؟ وكيف ستتقبلون علان؟ وهل أكملتم الشرياف والدريس؟ وكيف حال أهازيج الشتوة؟ .. وخبرني عن الشوارق، والنحت، كيف المناجم، وصناعة المقالي وعمالها أمازالوا يكتبون وصيتهم قبل الدخول إلى المنجم أم أن الوصية خارج المنجم تكاثرت، وأصبحت المدافع تسبق الوصية، وتسبق نطق الشهادتين؟

كيف صباحاتكن يانساء الأزد؟ أما من هزملة للغبرة؟ ورجالتكن، أمازالوا خلف الأثوار، يحرثون، ويهزملون بصباحات طرية شجية: “نحزب كل رومي صفة الحدادة سلها الرجال والمسبحة زادة”.

رازح، بلغ الحجور.. يقولون لممتطييِّ الجثث: محجورين بالله والنبي والحسنين أن يكفوا عن فتح مناجم نحت الموتى، أما يكفي عذابات نحت المقالي التي تأكلون وتسلتون فيها ولا تعلمون كيف جاءت؟ عبر أي وصية وقافلة موت محقق أتت تتوسط موائدكم العامرة؟!

وجه فتاة من منبه بصعدة.. الصورة من اروى عثمان لـ انسم

رازح: بعد أشهر سيأتي العيد، فكيف سيكون البيلح هذا العام؟ وكيف ستنطلق زغاريد الهود؟ ومحمد بمن سيملك في العيد؟ وريشة هل ستزف إلى جارها هذا العيد؟ كيف ستتزين عرائس وفتيات ونساء رازح؟. ريشة: هل ستختار الجمزة أم الغمصة (أنواع من نقش الحناء)؟ خيرة: هل ستندش شعرها، أم ستجعله جدائل مطعم بالبعيثران، والزهور البرية؟ وفرجة: قل لها، لا تغالي في حق الفتاشة، تكفيها 1000 ريال، وأحسن ألا تأخذ فلساً واحداً، فلتفتش لتستنشق الحب، وتغرق في عيون حبيبها من غير حجاب، ولترتشف قبلة بعيداً عن الستار.

قل لها: لم يعد الوقت يكفي للمبايعة، كم؟ وبكم؟ قبلة واحدة تكفي لتصد رعدة الخوف والموت، وشرف القبائل.

رازح: كيف شنطات العرائس الخضراء الحديدية المرسومة بالقباب والمآذن؟ هل هي عامرة بالعطور والبخور، والأقمشة المتللة، والدهان بماركة أوروبية، والبودرة، وأقلام الحواجب، وملابس المطبخ، والنوم؟ زنرن بيوتكن الجديدة بالشذاب، والريحان، وانثرن الزبيب والتمر في غرفها.

صباح الخير يا أستاذة أميرة صباح الطباشير والسبورة، وأقلام الرصاص كيف طلابك، وطالباتك أمازالت المدرسة ينقصها الكراسي، والطلاب والطالبات يفترشون التراب؟ سمعنا بأن مدراس رازح وصعدة تحولت لثكنات قتال.. من يقتل من؟! تلك هي المشكلة يا أميرة، تلك هي العبثية وعدم لا تتحمله جدران وسقوف المدارس المتهالكة بدون كراسي وسبورة من دخان، وطباشير من رماد.. كم بقي من الطلاب؟..


أحس برعب وخجل من وجوه الطلبة والطالبات من أن تكون قذائف الموت قد لونت دفاترهم بالأحمر والجثث

أميرة.. هل تركوا المدرسة، والتحقوا بقوافل الموت.. لا تخيفينني يا أميرة أحس برعب وخجل من وجوه الطلبة والطالبات من أن تكون قذائف الموت قد لونت دفاترهم بالأحمر والجثث.. أمانتك بهم وألا يكثروا من أناشيد تحية العلم، حذريهم كثيراً، ما يحدث هي إحدى كوارث تحية العلم، قولي لهم: ألا يتحمسون للأخوة الأعداء، “فتورا بورا” لم تقم لها قائمة بعد أن أكثرت من أناشيد المارشات، وحرمت الغناء والرقص.. علميهم الغناء، وحب الحياة حتى وإن لم توجد كهرباء حتى وإن لم توجد طرقات، حتى وإن تهالكت البيوت وأحجار البلق أصبحت غباراً علميهم: كيف تُضاء الشموع والفوانيس في الحلكة، فتيل شمعة كاف لطرد بركان الدم..

صديقتي الأميرة! كيف حال والدك محمد علي أبو طالب؟ أما زال يسترشد بالمتنورين، ويحاور، ويحلم…؟ قولي له يواصل حلمه في مشروع مياه نظيفة، وفي بيت آمن، وفي حياة إنسانية كريمة، وكهرباء مثل إخوتنا الذين نراهم من أسطح منازلنا يغتسلون بالضوء.

صباح الخير يا منبه صباح العكاوات، ورائحتها الزكية: عكاوات الورد، والبعيثران، والكاذي، والزهور تعتلي الرؤوس.. ما أخبار المرابع (بيوت طولية تمنع الضباع من اقتحامها) أمازالت منتصبة هامتها؟ وهل الذئاب والضباع مازالت تحوم حولها؟ سيتضاعف القطيع، وحذار من الذئاب والضباع البشرية، إنها أشد فتكاً، ولابد من سكب الهزلمات في كل آن: “يالله اليوم يالله من على كل ديرة بالرضاء وام ستيرة يالله اليوم يالله”.

منبه.. تنبهي بأن ساعة الظلم والظلام لن تطول وأن رشرشة السمن المباركة ستحفظ أطفال وشباب وفتيات آل غمر، والطارقي، وآل أم شيخ.

رقصة المربوع الشهيرة، ومن على جبل دهوان – رازح.. الصورة من اروى عثمان لـ انسم

لماذا صعدة ورازح!؟

صور تحاورت ذاكرتي كباحثة، مع ذاكرة صعدة، ورازح، ومنبه، ومجز.. الخ عند زياراتي لصعدة أواخر التسعينيات.. فماذا أقول لذاكرتي التي التقطت شجن الجدات، وزوامل الرجال، ورقص الفتيات، وحكايات النساء، وهزلمات الفلاحين؟ ماذا أقول لذاكرتي وأنا أترصد متاعب وهموم أبناء صعدة في أن يكونوا مثل خلق الله، أن نتسامر في السطوح، ونغني في الظلام، بينما المدن القريبة من السعودية المجاورة تشتعل بالأضواء، والمياه النظيفة.وعن الطوابير البشرية للبنات والأطفال والرجال، وهم يقطعون طرق صعدة للوصول إلى مدن السعودية لطلب العمل من أجل الخبز، وكيف يتعرضن فتيات صغيرات للابتزاز، والاغتصاب؟ ومن لم تذل وتمت بهما، فالثعابين والعقارب، تقتلها قبل أن تصل.

كيف أستطيع أن أنظر في عيون أمهاتي اللواتي جلسن معاً في الظلام، وهن يروين لي الحكايات، ويغنين لي أغاني الحب، وأهازيج علان، وأغاني السلى؟ ماذا أقول لصديقاتي الصغيرات في الدربين، وهن يرقّصن الجبال والأشواك، والطرق الموحشة بالغناء والضحكات المنطلقة مبددة الخوف والموت البطيء لجملة الأشغال المؤبدة التي تعانيها المرأة في صعدة!؟

ماذا أقول لريشة، وخيرة، وفرجة وهن يرشرشن السمن في الطرقات ليمنعن عنا أرواح الشر والجن والشياطين!؟ وماذا عن أطفالي الذين رأيتهم يلعبون، ويتمازحون، تسبقهم ضحكاتهم، وحدثوني عن مدارسهم، وحكاياتهم، وركضنا معاً، وهم يلعبون بكرة الشراب!؟

وماذا عن صديقتي التي أعارتني ثوب زفافها، وقلائدها لأتصور بها!؟ وماذا عن صديقاتي اللواتي رقصن معاً في الغرفة الضيقة في أحد بيوت مجز الدربين!؟ وماذا أقول لهن بحق العيش والملح وأنا ألقم معهن على مائدة واحدة طعام الجماز والمرقة والطبيخ!؟ إذا سافرت مرة أخرى واكتشفت أصدقائي وصديقاتي قد(….) إذا ما اكتشفت أن الأسوار الطينية الدافئة قد أصبحت غباراً، إذا ما اكتشفت أن الجثث بدلاً عن الرمان والعنب الأسود، أن النار بدلاً عن الضحكات، أن الدم بدلاً عن التدمم، وأن هدير القنابل والألغام بدلاُ عن الواسي والمثلوث، وأن النحيب بدلاً عن العياط (أصوات تطلق أثناء الرقص) والزغاريد، وأن الفقر والمرض والحياة الخارجة عن الحياة لم تقتلهم.. وقتلتهم المدافع.


أوقفوا الحرب.. لكي تهمس أمهاتي ببقية الحكايات، فمازالت مبتسرة، فقد أوصينني أن أرجع حتى أستكملها

أوقفوا الحرب

 باسم الحكايات وتهويدات الأمهات (الزوال) وعيني محمد عوض، وحفشان علي اللامعتين، باسم الشاربين من مياه السواقي الآسنة، وباسم المبصرين في وسط الظلام، وباسم الطرق الوعرة وعورة الحياة نفسها، وباسم الزهور النابتة من قلب الصخور، باسم جبال حُرم وقلعتها، والسنارة، باسم وباسم وووووو: أوقفوا الحرب.. لتعد الهزملات، ورقصات البيلح، وتخضر العكاوات.

أوقفوا الحرب.. لكي تهمس أمهاتي ببقية الحكايات، فمازالت مبتسرة.. أوصتني أمهاتي بأن أرجع حتى أستكملها..

أوقفوا الحرب.. فكرة الشراب مازالت معلقة في السماء تأبى النزول برغم اختناقها من أدخنة المدافع والطيارات.. اسندوا رازح من عثرته، لقد أنهك، أنهكتموه قبل الحرب وأنهكتموه وقطعتم أوصاله في هذه الحرب القذرة.. إنكم تضاعفون موته ألف ألف مرة، تكفي عذاباته في الظلام، بالرغم أن الثورة قامت منذ القرن الماضي 1962: كفي! كفى! كفى!.

* نشرت هذه المادة في مايو 2007 وتعيد أنسم نشرها بإذن من الكاتبة