في رحيل خبير ردم الفجوة الثقافية لحضارة اليمن (عالم الآثار د.عبده عثمان)

1٬323
مهيب زوى

نهاية سبعينيات القرن الماضي: كان مايزال طالبًا في قسم الآثار، وكانت نظرية الفجوة الثقافية للحضارة اليمنية تتسيد المشهد الأركيولوجي حينها.. وظل عبده عثمان -طالب الآثار حديث التخرج- يحمل طموحاته وأفكاره ويشغله أمر العالمين الفرنسيين: فان بيك وجاكلين بيرين.. ورؤاهم حول الفجوة الثقافية تلك، خلال العصر البرونزي.

عبده عثمان في معبد أوام مارب

وبحسب بيك وبيرين فإن تاريخ الاستيطان الحضري في اليمن يعود إلى حوالي الألف الأول قبل الميلاد وأن العناصر الأساسية للثقافات التي نمت في المستوطنات التي نشأت خلال هذه الفترة لها أصول أجنبية، وأن اليمنيين كانوا قبل ذلك يجمعون الطعام لا ينتجونه، وأن أنظمة الري والزراعة والازدهار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي كانت نتيجة للسيطرة الأجنبية على المستوطنات.

بالنسبة لطالب يستشعر تاريخ بلده جيدًا، لم تكن الفجوة الثقافية مقنعة، وظل عثمان يبحث أكثر وغادر إلى أوروبا لدراسة الماجستير وبعدها إلى أمريكا لدراسة الدكتوراة التي نالها في 1990 ليعود بعدها إلى اليمن استاذًا للتاريخ القديم في القسم الذي تخرج منه في 1977: قسم الآثار كلية الآداب.

15 عامًا قضاها الدكتور عبده عثمان -منذ تخرجه من قسم الآثار- في البحث والدراسات والمقالات العلمية، وبدأ في رحلات الاستكشاف مع طلابه منذ 1991 في خولان جنوبي شرق صنعاء، بدبدة  وحضور همدان وقاع جهران وقانية وردمان ومعبد أوام في مارب.. لتتوالى اسهاماته في العديد من الاسكتشافات الأثرية خصوصًا في أنظمة الري، ليغدو أول من كشف عن المراحل الأولى للري والزراعة في اليمن القديم.


عثمان: لم تكن هناك فجوة ثقافية، بل: فجوة في المعرفة الأثرية بثقافات العصر البرونزي لليمن القديم

كل هذه السنوات لم تنسِ الدكتور عبده عثمان غالب، بيك وبيرين أبدًا، ليكون الرد عليهما 1993 في دراسة تحليلية نقدية “في أصول حضارة اليمن القديمة” نشرها في مجلة التاريخ والآثار في العددين الثاني والثالث، لتتوالى بعدها الاستكشافات الأثرية التي تؤكد ما ذهب إليه عثمان في دراسته.

“لم تكن هناك فجوة ثقافية، بل: فجوة في المعرفة الأثرية بثقافات العصر البرونزي في اليمن القديم” هكذا رد عثمان في نتائج دراسته التي فند فيها رؤى بيك وبيرين، لردم الفجوة الثقافية التي تبنياها معيدًا الاعتبار لـ 4000 عام قبل الميلاد كانت طي التجاهل وضحية لـ: الفجوة الثقافية.

وأشار عالم الآثار اليمني إلى أن الفجوة المعرفية (لدى بيك وبيرين) تلك كانت نتاج عن إهمال خبراء الآثار المهتمين بالشرق الأدنى القديم إدخال اليمن ضمن إستراتيجية أبحاثهم، “فقد كانوا ينظرون إليها على أنها منطقة صحراوية وجبلية وعرة وبالتالي فهي منطقة غير مهمة”.

لقد أحدث عثمان بصمات هامة في علم الآثار في اليمن والجزيرة، ويعد رائدًا في المدرسة الآثارية اليمنية وأحد أهم أعمدتها..

قبل يومين (26 مارس2021) جاء نبأ وفاة عالم الآثار الدكتور عبده عثمان غالب، ومثَّل نبأ رحيله صدمة كبيرة ومربكة في الوسط.. “لقد رحل شيخ الآثاريين” قال دكتور الآثار الفلسطيني محمد مرقطن، وقالت الدكتورة عميدة شعلان أستاذة الساميات: “رحل عالمٌ آخر من علماء الآثار اليمنية القديمة”، فيما قال الدكتور حسين العيدروس في رحيل معلمه: “يشهد كل حجر في معبد أوام على أنك كنت توليه عناية خاصة محاولًا مرات ومرات استنطاق حروفه والكشف عن مكنونها”.

وبحسب السيرة الذاتية التي نشرها فوزي العريقي -صديق الراحل- على صفحته بالفيس بوك فإن للدكتور عبده عثمان (مواليد 1950 المواسط قدس) عدد كبير من الأبحاث باللغة الإنجليزية والتي لم يسعفه الوقت لترجمتها إلى اللغة العربية، “كما عمل في التنقيبات الأثرية في “معبد أوام” في محافظة مارب (شرق اليمن) مع البعثة الأمريكية لمواسم وسنوات عديدة (..) من أهم مناصبه: المدير الميداني للتنقيبات التي أجريت في “معبد أوام” من عام 1997- 2007″.

لقد فقدت الآثار اليمنية -خلال الفترة الماضية- خمسة من علمائها الذين ظلوا يعملون بصمت من أجل آثار بلدهم التي ماتزال تنهب وتباع في المزادات، دون اهتمام.. ذات مرة قال عالم الآثار الراحل عبد الغني علي سعيد: “ليتنا لم ننقب عن شىء، ليتنا تركنا كل آثارنا تحت الأرض حتى يأتي من يقدرها ويبحث عنها ويدرسها”.

المصدر| مقال خاص بـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية- أنسم

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom