أشرس من كورونا

1٬071
منصور هايل

أن تغادر بيتك وتجبر على التخلي عن زاويتك الحميمة ومقتنياتك ومفرداتك التي راكمتها عبر عقود من الزمن، وتقسر على إلقاء نظرة وداع مشوشة على شرفتك وأصص الزهور والشبابيك وعناوين الكتب ورفوف المكتبة، ليس معناه الذهاب بعيدًا في متاهة التأسي والفقدان والحسرات والتحديق في العدم، بقدر ما يعني – على نحو أدق – أن تفقد جزءًا كبيرًا وكثيرًا من المعنى الذي تملكه.

يكون المصاب مهولًا لمن ولد برأس يعاني عضالًا من القلق مما يمكن أن يحدث أو يكون، ويعاني من صعوبة التعايش مع ما هو كائن.

ما أوجع الانحناء والالتفات إلى الأيام السابقة التي بدت – في وهلة – وكأنها عشية ليوم الكورونا الذي يتبخر فيه ومعه بحر الاحتمالات الايجابية ويطفح فيه كأس المرارة و يتقرر مصيرك بالحظ والقدر أو بالمصادفة، تستبد بك أشد أنواع الاستياء وخزًا وأنت “تتقلقل” في دائرة الخضوع والارتهان والغثيان المطلق وترى الأفق المترامي أمامك يتفكك ويتهاوى دون توقف ولا مناص، ما باليد حيلة، لابد مما ليس منه بد.

ممنوع اللمس.. لا بأس من التنفس الحذر والمتوجس، من الأصوب أن تكون أبكماً وأن تتكمم وأن تستبدل الوجه بالقناع والكف بالقفاز وتأكل لسانك، وتفتقد لجرأة الحلم، و عذوبة الصمت ورنة الخرافة ورونق الاسطورة.

لايتسع المجال ولا الوقت للبحث عن أرض بديلة أو سماء أخرى ولا لاستراحة الناجي من الحرب، فهو خائن بجريرة أنه نجا وأجبر على الرحيل وترك دياره التي تضرجت بدماء أهله، باستعجال كارثي وحقائب معبأة بالاشباح والاخفاقات ومعظم الأشياء العزيزة المنسية والفاقدة للجدوى.

من نجا من الحرب تتلقفه الكورونا .. ذاك هو مصيرنا الذي نحسد عليه حتى بعد أن صار الواحد منا بأقل من وزن قشة ودون لياقة فراشة متراقصة حول اللهب ودون قدرة تعبيرية تحاكي تحديق عيون النعجة الذبيحة.

ممنوع اللمس.. كيف ومتى وأين وكم هي المسافة المطلوبة لعدم الوقوع في المس والتماس والداهية.

التعقيم مطلوب وهو ضروري وكان العقم هو الأسلم لبشرية تتقوض وتنقرض وتنكشف على قدر فاضح من الهشاشة والهلع المعولم تجاه فيروس غير مرئي من صنعها و بتكرار ملهاوي لدراما فرانكشتاين.

⇐     فرح.. فقدت ساقي ولم أفقد أحلامي    |      اقرأ أيضًا في أنسم                                              

تضيق بنا الجدران الأربعة والأبعاد الثلاثة، وتشد خناقنا خيوط لا مرئية وتتلاطمنا الدوامة، فيما تعلو بعض الأصوات المنادية بالاحتشاد لاقامة الصلوات والأدعية والنصح بـ “شرب بول البعير” بزعيق لافت إلى مابعد الكورونا وما هو أدهى وأكثر قيامة من القيامة.

ولئن كان الوقت لايتسع للمسخرة والملهاة، فإنه يستضيف هذا الصنف من البلهاء بقهقهة لاحدود لها وكأن كوفيد 19 بحاجة لهؤلاء التوابل.

في مثل هذه الحالة لاينفع التعقيم وليس تكفي كل مطهرات العالم لاحتواء الجرثومة التي تنخر الرأس وقد جاءت الكورونا لتكون كاشفة وشاهدة على ابتلاءٍ أكبر وأعظم في ديار المسلمين.

المجد للكورونا التي دوخت – أيضًا – سمسار العقارات الحالم في البيت الأبيض، ترامب الذي تخبط وارتبش وبدا كمن يريد أن يقيم القداس و يقرع الأجراس في نفس الوقت – كما يقال-.

وفيما تعصف الكورونا بنيويورك وواشنطن وإيطاليا وإسبانيا وايران والعواصم الكبرى فإنها لم تقوَ على اختراق اليمن التي لم يعلن فيها عن ظهور اصابة – مجرد اصابة واحدة – رغم انقضاء أكثر من ثلاثة أشهر على الزلزلة الكورونية التي رجت العالم.

ثمة أشياء لاتفسير لها، بل وتتحدى التفسيرات كلها وقد طالعتنا صحيفة اسرائيلية بتحليل أن السر في ذلك يكمن في تعاطي اليمنيين لـ”الحلبة”.

في الأثناء تتباهى المليشيات المتطاحنة والمتوافقة على طحن اليمنيين، بخلو البلاد من الكورونا فهي صالحة وحاضنة للحرب والتقتيل فقط.

ليس ثمة من يعترف بأن البلاد تفتقر إلى منظومة صحية ودولة، وتتناهشها كل أنواع الفيروسات حتى تلك التي تنتمي إلى أحقاب ما قبل التاريخ والأبجدية.

ليس ثمة من يستنجد ويستغيث بمسؤولية وجدية ويتورط بترف مثل هذه الدعوة للعالم بأن ينقذ ماتبقى من رمق حياة في اليمن، قبل أن تفترسه الكورونا، بأن يتدخل في قطع يد زعران الحرب الذين أحالوا البلاد إلى أرض أكثر من محروقة.

ليس ثمة من يبادر لوقف عربدة قادة المليشيا الذين يتعاطون مع هذه الجائحة الكونية بمنتهى الحمق والغباء و الاستبلاه والاحتقار لقيمة الحياة وللحياة برمتها.

ليس في عالم اليوم ماهو أشرس وأكثر توحشًا وافتراسية من الكورونا غير هؤلاء وجيران السوء والسفه.

المصدر | مقال خاص بالبوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم