ومن الشباك 3.. بوب مارلي: رجل القناني

830
أروى عثمان

نحب البلاد

نحب البلاد

كما لا يحبّ البلاد أحد

صباحاً مساء

وقبل الصباح

وبعد المساء

ويوم الأحد ..  (الشاعر: أولاد أحمد)

أظن لو تبدلت ملابسه واستوى ظهره قليلاً، وأزيح عنه ذلك الكيس البلاستيكي الكبييير كُبر البحث عن القوت والخوف من بكرة، كيسه المنفوخ المليء بالقناني البلاستيكية والعلب المعدنية، لقلت أنه “بوب مارلي” بشحمه ولحمه حالٌّ في حومتنا (حيِّنا)، والفارق بينهما، أن بوب مارلي حومتنا بدون جدائل الشعر الطويلة، فضلاً عن أنه يحمل كيس القناني الذي يلازمه في كل خطواته وتجولاته بدلاً عن الجيتار. 

على الساعة السادسة صباحاً وقبل ذلك -أحيانًا- تراه آتٍ من منعطفات عديدة صاعداً هابطاً، بين الحومات والطرق المتعرجة والسالكة والأنهج والأزقة، تحت الشرفات والعليات والنوافذ والسلالم وأسوار الياسمين والليمون والرمان، من فضاءات أشجار النخيل والزيتون والأشجار الحراجية.. فجأةً وأنت تمشي في الصباح الباكر، أو في عز الظهر والعصر يلوح أمامك، أو يجاورك طيفه أو يسابقك أو يكون خلفك، هذا الظل والطيف اليومي العتيد والعنيد المستقيم والمنحني الذي يتكسر في شموس الظهيرة على الإسفلت والأرصفة وجدران البيوت والمحلات ولوحات الإعلانات وبراميل القمامة المتراصة.


لا وقت لديه للكورونا والحجر، فالجائحة الأكبر هي: الجوع والفقر واللاآمان

كل الكياسات/الطرق تؤدي إلى براميل القمامة هذه الأخيرة مبتغاه و رأسماله منذ عقود من الزمن –كما حدثنا-، هي علامته في كل الأوقات، ما أن يراها يحط رحاله ليبدأ ببراميل القمامة في ركن الشارع بـ حِذا (جوار) بيتنا. 

يحط كيسه على الأرض بهدوء، يقوم بسحب البرميل باتجاهه ويغطّس النصف العلوي من جسمه داخل البرميل، ينبش داخله يُفتِّح أكياس القمامة، يُخرج القناني ويرميها خلفه، تسمع قرقعتها وهي تسقط على الإسفلت أو أثناء ضغطها كطبول موسيقى إفريقية، بعد أن ينتهي من إخراجها من البراميل، ينحني مرة أخرى يلملمها، ثم يقوم بمسح القناني وماعلق عليها من أوساخ، يضغطها ثم يعبئها في كيسه.. أخيراً وبانحناءة رشيقة يحمل كيسه على ظهره، ليمضي باتجاه البراميل الأخرى عند مداخل  ومخارج البلاصات ( الأماكن) المجاورة، وهكذا. 

أحيانًا تكون هناك أكياس صغيرة مليئة بالقناني، يضعها السكان معزولة عن بقية القمامة، فيعلقون الكيس على أي ممسك من البرميل أو يضعونها بجانبه أو معلقة على أوتاد الأشجار،  فيأخذها بسهولة.. ليس كل السكان يقومون بهذا الفعل، فمعظم أكياس القمامة، تجمع الزبالة والقناني معاً.

بوب مارلي يأخذ أيضاً أكياس الخبز البائت، فلا يدخلها مع كيس القناني، بل يعلقها على معصميه و رقبته، يأخذ وقته وهو يربطها بإحكام، لتتدلى على صدره ومعصميه كأنها قلادة وأساور فتاة إفريقية.

⇐    ومن الشباك 2.. سندريلا حومتنا |        اقرأ أيضًا في أنسم                                                 

لا ينسى وهو ينعطف نحو الحومة المجاورة أخذ استراحة قصيرة مع عسَّاس (حارس) الإقامة هناك، حيث يتناولان فطورهما معاً، ليواصل بعد ذلك قطع أشواطه بين الأشجار الكثيفة مفتشاً عن القناني المرمية.. هكذا يكون مشواره اليومي.

بعد مضي ساعتين إلى ثلاث ساعات تراه مرة أخرى وقد قدم من أول الشارع، حيث يكون السكان قد سكبوا زبالات جديدة، يرجع تارة أخرى إلى البراميل بنفس الشغل والوتيرة والحيوية، ثم تأتي الظهيرة وأحياناً ما بعد الظهيرة بين الساعة الثانية والثالثة عصراً، ليكرر نفس العملية، بعد أن يكون قد أفرغ ما جمعه و أتى بكيسٍ جديد أو بنفس الكيس.. إنه يحج إلى البراميل أكثر من ثلاث مرات في اليوم الواحد بنفس النشاط. 

ليس بوب مارلي وحده من يزاول هذا العمل، فيحدث أحياناً أن يسبقه آخرون، بعضهم راجلين، أو على موتورات تجرجر خلفها عربات صغيرة وأحياناً على سيارات نقل صغيرة، تذكرك ب” التكتك” في مصر. 

لا يتبرم “صاحبنا” إذا ما سبقه أحدهم ووجد البرميل خاوياً، فقط يجيل النظر في البرميل وينبش أكثر وأكثر، فيرجعه إلى مكانه، ويذهب ليلاقي نصيبه من القناني المرمية وهي نادرة.. في حالات يلمحه بعض السكان يسارعوا إلى إعطائه ما لديهم  ليتلقفها بابتسامة شكر: “يعيشك”.

لثلاث سنوات ونحن نراه بكل هذا النشاط، أكان من النافذة أو الشرفة أو حين نلتقيه، نعرفه عن بعد، نلمح طيفه من بعيد، نعرف سيماء خطواته، نلقي عليه السلام، فيرد علينا مؤشراً بإحدى يديه التي دوماً لونها أسود، وبابتسامة خفيفة: “سباح النور”.. ويمضي. 

ما الذي تغير في هيئة “بوب مارلينا”، خلال السنوات الثلاث؟ 

لم يتغير سوى إنحناءة ظهر وأزيد شوية، نعم، أحدودب ظهره وانضافت تجاعيد على وجهه الأسمر، وانتفخت عروق يديه، وانعطف رأسه للأرض قليلاً، وشيء من انكسار، فكلمة “يعيشك خويا” صارت تنطق باهتة.

مع كورونا والحجر، بوب مارلي حيّنا والشوارع، يمضي بطلاقته المعهودة، نراه من النافذة  أو الشرفة فجراً، نسمع خطواته في ظل ذلك الصمت المطبق ولجة الخوف التي تعترينا جراء القادم الكوروني الجديد الذي يجتاحنا ويجتاح العالم كله، لقد كانت أيام الحجر الأولى: بيات كوروني قارس، ترقب حذر من المجهول، تطّقس الأخبار بشكل هذياني.. كانت طرطقة البراميل، وقذف القناني ووقع مشيته المتسحبة، وهمهمته أحياناً مع إحدى النساء أو الرجال، يهشم المُقلق داخلنا، يمنح لسكان الحومة شعور أن ثمة حياة أكبر وأكثر يبثها بوب مارلي ودبوزاته (قنانيه) ووقع خطاه ووو، إنها الموسيقى الطالعة من ثنايا ميثولوجيا الشعوب.

بوب مارلي”نا”، بلا كمامة ولا جلافس ولا وقت لديه ليسمع تحذيرات الإذاعة والتليفزيون والبوليسية، فليس لديه فيتامين سي ولا السيتامول وأدوية رفع المناعة والأغذية التي تحارب كورونا ولا أية وقاية، بوب مارلي عارياً من كل شيء إلا من الملابس العريضة طويلة الأكمام وبنفس الحذاء الذي يقلبه سباطاً(صندلاً).


الصورة الأبرز للحظر الكوروني: بوب مارلي وناس الخدمة.. ينشرون مع العصافير لوحة حياة

يعتمر قبعة قش وجلد في أغلب الأحيان، وشتوية تغطي بعض وجهه أيام الشتاء، قلما تراه بطاقية خفيفة حتى أيام الصيف.. و الوقاية التي يعتمدها: مسح يديه بفرك ماعلق بها من أوساخ أو مسح وجهه بياقة قميصه أو كُمه، ثم ينطلق فيسع (بسرعة).. نعم، لا وقت لديه للكورونا، فالجائحة الأكبر هي: الجوع والفقر واللاآمان . 

الصورة الأبرز في الحظر الكوروني، هي: بوب مارلي وناس الخدمة.. خصوصاً النساء، والعصافير هم من يملؤون الطرقات ويكسرون صمت الشوارع الموحشة صباحاً، يكنسون عتمة الخوف وحالات الذعر التي تطبع سحنات الناس، يفيّقون الناس والبيوت والشرفات والنوافذ، ينشرون مع العصافير لوحة حياة، بل أكثر من حياة:  أنس وقهوة وأغنية “نهارك زين” و”قهوجي”  و حكاية وفرهدة(سلا).. وإن خرجت على استحياء، كان ومازال بوب مارلي جامع القناني، بطل هذه الحيوات الاستثنائية.

صور متناثرة – مؤثرة:

 1

رأيته قبل أيام، كانت الحرارة جحيماً لا يطاق، جسده يتعطّف داخل البرميل وخارجه، بجانب برميل القمامة كيس أزرق كبير يحتوي على لحاف،  فتح الكيس، أزاح اللحاف جانباً، اكتفى بالكيس ليعبئ فيه القناني ولم يكترث باللحاف، لقد أخذ ما يريد وهو الضروري: الكيس البلاستيكي، وبالمثل هو لا يأخذ القناني الزجاجية، فقط تخصصه:  قناني بلاستيك وعلب معدنية وخبز.

2

ثاني عيد الأضحى – وأنا أصحح هذا النص-  أسمع طرطقة القناني، أهب، كان بوب مارلي، أو بالأحرى نصف بوب مارلي داخل البرميل ونصفه الآخر خارجه، غاب عنا يوم العيد فقط، ليستأنف النشاط في اليوم الثاني، خرج من البرميل، بدأ يلملم القناني، بدت هيئته مشرقة، حليق الوجه نظيف الملبس الشتوي الكالح، يعتمر قبعة صوفية ذات شريط أزرق..

اليوم كان الرزق وفيراً، كانت القناني كثيرة، على الرغم من مرور شاحنة رفع القمامة مساءً، كان الخبز وفيرًا أيضاً، لذا طالت انعطافته داخل براميل القمامة وتجوابه حولها للمِّ القناني وأكياس العيش المتراكمة.. وهو يهم بحمل الكيس مسح قطرات العرق بأطراف أكمامه وياقة قميصه العريضة، لينعطف مرة أخرى لربط خيوط الجزمة السوداء، التي بدت نظيفة أيضاً.

3

ذات يوم وبينما كنت في طريقي حينما رأيته وقد جلس بجوار امرأة من (نساء الخدمة)، تحت شجرة الكافور يتودودان كانت إشارات أيديهما تتكلم أكثر، سمعته يطبطب عليها بكلمات: الله غالب يا خيتي.

4

كانت عطلة الأحد، على الساعة السابعة صباحاً انبثق أمامنا في أحد الأنهج، صبّحنا عليه وبادلناه التحية والعيدية، دردشنا معه عن حاله، حدقت في وجهه، تبدو عليه تجاعيد لا تخلو من نضارة بعد العيد.. كانت ملابسه صوفيه مهترئة يلجم فانيلته بمشبك، يعتمر قبعة جلدية عليها الكثير من الرُتَق.

كان كيسه ممتلئا بالقناني، سألته: من أية محلة تأتي كل صباح؟ أجابني: اسكن في حي التضامن، البساتين، أصحى “بكري”، أركب اللواج (الباص الصغير)، وعلى الساعة الخامسة والنصف أو السادسة أكون هنا.. من هذه البلاصات استرزق قوت يومي،  سألته: “كم محصولك اليومي من هذا الشقاء المُهلك؟”.

أجاب: أبيع كيلو القناني بأربع مائة مليم(أقل من نصف دينار تونسي تعادل 0.25 دولار)، يصل محصولي طول اليوم وفي أحسن الأحوال سبعة دنانير (قرابة 2.5 دولار)، عبَّر عن ذلك بسعادة عمره السبعيني وبقناعة كبيرة مقبلاً ظاهر كفه وباطنه، وسط الدهشة، ترتسم ابتسامة، قائلاً: ما ننجمش ( لا أقدر) أكون عاطلاً باطلاً، عيدت نحنا والعائلة يوم العيد، “أكا هاو” (هكذا)!

سألته: كم لديك من الأولاد؟، قال: خمسة، زوز( اثنتان) بنات، وثلاثة أولاد كلهم معرسين( مزوجين)، ومعهم أولاد.

لماذا بوب مارلي “ديما” (دائماً) يلبس ملابس شتوية في عز القيض الذي تتخلع فيها تونس من الكاوي، هل هو الصقيع الداخلي؟ اعتقد كل “البوب مارليات” في كل العالم صقيعهم غير مرئي لكنه يجز، يخزق ويترسب في العمق.

⇐    داخل حياة أستاذ فلسفة الجمال.. آمنة النصيري   |    اقرأ أيضًا في أنسم                                 

 الصورة اللا أخيرة:

هل هي فوتوغرافية، لوحة، حكاية، أسطورة، قصيدة، أغنية؟!

 وأنت تستفتح طلته راجلاً، مسقطاً رأسه على الأرض، كعادته، يسبقه ظله المكتوي بالبرد والصهد، والعرق المتقاطر واللزج أيضاً من روائح القمامات، ومخرجات البشر والكلاب والقطط والهوام، صورة ظله وارتداداتها كأنها خارجة من بطون الأساطير لينقلب ساك ( كيس) القناني إلى جبل سيزيفي، تشرق الشمس على جسده الناحل، وتأفل على ظهره بخطوط مُنحنية ومحنية كقوس شرفة، وعلية.. مثل هذه الصورة / اللوحة ينقصها فان جوخ ليرسمها.

هل أختم هنا، لا بأس، لكن لماذا تأبي أصبعي عمل نقطة انتهاء الحكاية؟

لينبثق سؤال المبتدأ المُعرف بأل: ماهي، “البوب مارلية”؟

كل من يفتتحون الصباحات والمساءات وكل الأوقات بعمل وأشغال شاقة مكرورة مؤبدة، فحيثما وليت، تراهم أصدقاء للطرقات والسياجات والمنعرجات، ينفضون أرتال القمامات ويغوصون في لزوجتها وروائحها ليحضوا بقنينة، فأينما وليت وجهك تلقاهم يصافحونك بابتساماتهم وسلامهم الداخلي ورضاهم بنصيبهم في الدنيا.. لاح بذهني طيف “بوب مارلي” صنعاء: الطفل”بشار”، في ركن المعهد الأمريكي للغات “يالي”، وهو يعزف مطرطقًا بالقناني البلاستيكية، ويشدو بحبور امتشاق الحياة، وبضحك يملأ الكون: “سرى الليل على العاشقين، وصبوحة خطبها نصيب.. عاشو، عاشوووو”.

يتبع>> الحكاية الرابعة  لـ أروى عثمان في أنسم
المصدر| كتابات خاصة تكتبها أروى عثمان لـ أنسم
يمنع إعادة نشر المادة أو أي مواد أخرى لـ أنسم دون ذكر المصدر