ومن الشباك 4.. نساء الخدمة: نساء ونصف

897
أروى عثمان

ليلى يا ليلى يابنيّة عمّي ** عدي الليالي واحسبي الأيام

مكتوب لي نجري وراء قسمتي ** نطلب ربّي يحقق الأحلام..   (من حكاية شعبية تونسية: الوردة والياسمينة)

وجه تونس المبني للمعلوم، والمعلوم في هذه الحكاية (حكايتنا الرابعة) : نساء الخدمة، نساء الزيتون والغلة والبحر والجبل، والإسفلت أيضاً.. يلتصقن في عينيك كرمش، لا لا، كبؤبؤ وهن يتواردن فرادى وجماعات، في الصباحات الأولى قبل شروق الشمس ويرحلن مع غروبها.

نساء العمر المهدور في الطرقات والمواصلات المزدحمة من “اللواج، والقطارات”، وسكك السفر للخطوط الطويلة ذهاباً وإياباً، نساء الانتظارات الفجرية وعند الرواح في سياط الشمس وزمهرير الصقيع، تجدهن عند البوابات والمحلات والحافلات والبيوت والشوارع والأزقة والدروج والأرصفة المرتفعة والمنخفضة، ينتظرن بصبر الجبال حتى تفتح أبواب البيوت والمحلات التي يشتغلن فيها.. وفي سيرة جلوسهن، يلُكن سردية لا متناهية من سيرة التعب الأخير، وما هو بأخير، يظل المبتدأ وتعددية المبتدأ عند نساء الخدمة سرمدي.

وأنت تجيل النظر إليهن، ترى من ثنايا الفركسة (التحديق) و الخِمَّام (التفكير) حكايات تنساب متسحبة، تهرول عند بعضهن وتوارب عند البعض الآخر عنوانها “تنهيدة”، ما يجمعهن، أنهن حكايات تتجدد كل يوم، تنتبش وتنسال بوعي أو بغير وعي، ولا يقطعها سوى صاحب/ة المحل أو صوت مزلاج البوابات.


لا نغالي إذا قلنا أن كل وجوه تونس بكفة وهؤلاء النسوة والفلاحات في الأرياف في كفة أخرى، إنهن: نساء الخدمة

وجوه معجونة بالسهد المستدام، وخدوش الشتاء، بمكياج الكلف وكحل “نقصد رب العالمين”، كل فصول السنة تعلم سحناتهن بطبعتها الواخزة، المشترك بينهن: الحمرة والتعرق والسخانة والقشعريرة، في كل المسام، وطقطقة المفاصل والركب، رجفة القلب ونشفان الريق عند طرق الطلوع والنزول وتكثف الشغل الذي يُنهي ولا ينتهي.. وكما يصفهن الشاعر الراحل أولاد أحمد:

وصفت، وصفت فلم يبق وصف

كتبت، كتبت فلم يبق حرف

أقول إذن باختصار وأمضي

نساء بلادي: نساء ونصف 

 أنصفهن أولاد أحمد، والشعراء والأغاني، والأدبيات والدستور، لكن: أيها الشعراء، أما من وصف يقرأ ويغوص في ذلك الوجه الذي يتخذ في الدقيقة الواحدة إلى أكثر من شكل ومشهد وصورة وغابات تفاصيل، كل تجعيدة ومسام تتفرع عنها ألف ألف مشهدية.. أما من آلة، قريحة، شيطان قصيدة، مُخيلة أسطورية، ريشة تترجم وتفصل وتغوص في أبعد من مسامات ذلك الوجه، خزرة العيون، لفظة ” آه ” الوجيعة والفَرِحة في آن معاً، طقطقة ركبة، حبة عرق، اليد الخشنة والعرق النافر فيها، كل ذلك الجسد المثقل المتمايل يمنيًا ويساراً عند الذهاب والرواح؟.

لا نغالي إذا ما قلنا أن كل وجوه تونس بكفة وهؤلاء النسوة والفلاحات في الأرياف نسغ الحياة، وعرقها، وطينها وبحرها، وشمسها، وضوئها، في كفة أخرى، إنهن: نساء الخدمة. 

في كل يوم، ينطلقن، يمشين زرافات، خصوصًا في البدرية قبل طلوع الشمس، نسمع هسهسة أقدامهن، أصواتهن، ضحكهن، وأحاديثهن، عندما يمشين فرادى، يمسكن التليفون وكأنهن يتمِّمن على البيت وأطفالهن أو يبثثن شكواهن لأعز الناس.


نساء بلادي لم يجدن “أولاد أحمدهن” يكتب لهن قصيدته “نساء بلادي نساء ونصف”

بعض الأوقات وأنت تمشي بحذاهن (بمحاذاتهن)، وتحدق في خزرات (نظرات) عيونهن المكسورة، تلتفت متسائلاً، مع من يتحدثن بصوت عال، وأحياناً يتمتمن، فتخرج كلمات تطيش وتحدد نبرة الكلام.. لقد كن يحدثن ويتحدثن مع أنفسهن، ينقبض قلبي ألماً، “يا نساء حال النساء واحدة” كما يقول المثل الشعبي اليمني.

تتملكني الدهشة والدوشة معاً من تكرار المشهد ذاته وأقسى، لنساء بلادي فلم تُلجم بُعد القارات والمسافات الحالة الأليمة، لترجعني بقوة صاعقة، إلى تلكم النساء في الجبل والبحر والإسفلت المهشم قبل الحرب والمتفجر ألغاماً وصواريخاً في الحرب: نساء بلادي، اللواتي لم يجدن “أولاد أحمدهن” يكتب لهن قصيدته “نساء بلادي نساء ونصف”.

إنها حالة نسوية في كل أصقاع العالم- مع الفارق- يحدثن أنفسهن في لجة الشغل فيهدرن كهدر الطرقات لأعمارهن المسكوبة بثمن زهيد، وأحياناً بلا شيء. 

 وكحال النساء الواحدة، فانهن لا يخرجن من بيوتهن، إلا وقد جهزن المآكلة للفطور والغداء، والشرب، وترتيب البيت وغسل الملابس، بعد الاطمئنان على أولادهن وأزواجهن – إن وجدوا – وآبائهن وأمهاتهن وكل التفاصيل التي ينجزنها، تبقى عالقة في أذهانهن” توِزّْ” طيلة اليوم.

“هيا نخدم”.. أحياناً تظهر هذه الأغنية الصباحية في الإذاعة، بالتوافق مع مرورهن، كأنها تُغنى لهن، تستفتح نشاطهن “يا فتاح يا رزاق.. ياربي الأعمال عليك”.. وتناديهن لشرب القهيوة و”العين اللي ما تشوفكشي” ولا تصبّح عليك، لا يطلق عليها عين، بل: “عُيان الرمد والعمى.. والروح التي لا تهفو وتتحرك لك، لا يطلق عليها روح، بل: حجر.

⇐ هيثم الحضرمي.. طفل السابعة والعود الحلبي   |       اقرأ أيضًا في أنسم                                   

نساء الخدمة، نساء بلادي على الدوام، مزروبات (مستعجلات) وفيسع فيسع، في غدوهن والرواح، أراهن وهن يمشين من تحت البيوت والنوافذ والشرفات وأسوار الياسمين والجهنميات وفي الطرقات الضيقة والمنعرجات والزحام، وكأن أحد يلاحقهن.. وما من أحد يلاحقهن ويترصدهن منذ أن كُنَّ في القماط وحتى القبر، سواه: الوقت.. والعمل الشاق والمؤبد، يبدأ بهن وينتهي بهن.

” أخدم”.. ما بين السرعة والخفة و”المناهفة” لثقل أجسادهن الممتلئة، تصبح مشيتهن المائلة وكأنها مشية البطريق المنهك، فكثيرات منهن كبيرات السن.. هل تلك الأجساد الممتلئة علامة الصحة؟ أشك في ذلك، فأجسادهن كأجساد الفقراء ممتلئة وليست علامة الشبع، لكن تعبئة البطون بالخبز المتورم بالمحسنات، يعبئ الجسد وينفخه، لكن: لا يُصحُّه. 

“نساء بلادي ونصف” تشاهدهن مهندمات بالفواتح – الأسود لم ينتشر بعد كما نساء بلادي الغارقات بالسواد المضاعف- : تنورة أو بنطولاً وبلوزات، فـ الفيريب (سوق بيع الملابس المستخدمة) يساعدهن على التأنق، بعضهن ملابسهن طويلة وفضفاضة ومعظمهن متحجبات، إلا قلة منهن سافرات، يفردن شعرهن بتدرجات اللون الأصفر ويصنعن منه تسريحات وضفائر – يبدو على البعض مفعول الكرياتين وقد أهلك شعرهن – ولا ينسين أحمر الشفاه وصبغات الأظافر الملونة، لكنهن يتغافلن أحيانًا عن تجديده فيظهر للعيان تقشره، وحتى المتحجبات منهن يُخرجن بعض خصلات من شعرهن، ولا ينسينَ أن يضعن الكُحل وقليل من حمرة خد وشفاه وبودرة، بعضهن يتركن وجوههن تصبغهن الطبيعة “سخونة أو برودة”.

نساء الخدمة، يقتصين مسحات الجمال بكل ما أوتين من قوة، فتلمع جباههن تعانق الشموس وتطير مغردة من فوق النخيل والزيتون وأجنحة العصافير.

“أم لحسن غنات!”.. ليست فقط أغنية للفنانة العظيمة صليحة، ولكن لرمزية عصفور”أم لحسن” عصفور الحياة، ونيس نساء الخدمة في الطرقات، يعزف لهن بأصواته المغردة، ليريق الحياة في لماهن، ينسيهن مشاق الطريق وما ينتظرهن من أعمال شاقة كالوقفة على الساقين لساعات طويلة، هذا الأنس الطبيعي لعصفور “أم لحسن” يحررهن من الوهن قليلًا. 

“أم لحسن غنات.. فوق الشجرة.. سامع صداها .. من العلايل يبرى”.. وأنا أسمع هذه الأغنية التي تتردد على الإذاعات التونسية وأشاهد كل صباح منظر جلال “نساء الخدمة”، تهف علي صورة نساء بلادي وأنا أعد قهوة الصباح، على صوت “أم لحسن” والبلابل التي تحط على سطوح البيوت والنوافذ والنخيل.

أسمع أصواتهن من الشباك، وأحياناً حينما أمشي بمحاذاتهن، التقط بعض كلماتهن باللهجة التونسية: يا وخيتي، بالحق، علاش، ما فمه حتى شي، إشكون، أو، آه، شنيه، لالا بربي، هكه، متاعي، الكرهبة (السيارة)، على خاطر، الكوجينة، وي وي، يا مصلي ع النبي، لا، بربي مانيش مسامح، يارب الشدة فيك، يعيشك، ربي يفضلك، يرحم والديك، ضحكتني، فرحتني، هههههههه.

تتأملهن، تنفتح قبالتك عوالم كبرى من مشاعر متناقضة من فرح وآهات، ولا تملك إلا أن تتمنى أن يخفف عنهن هذه الأعمال الشاقة المؤبدة.. تقطر في أحايين دمعة!.

” نساء الخدمة”، بعضهن يعملن خدامات في البيوت، كل يوم في بيت، بعضهن نصف الأسبوع في بيت، ونصفه في بيت آخر، وهكذا، بالتأكيد بعضهن يشتغلن في العمارات، معظمهن في المغازات والمونبري (سوبر ماركت) والمقاهي والمطاعم والصيدليات والمصحات القريبة ومنظفات شوارع.. وأنت تراهن يقدن العربات الصغيرة التي تحمل براميل القمامة يكنسن الشوارع ويصبحن عليك بابتسامة.. تراهن ينظفن المقاهي والمطاعم ويسقن الماء ويفركن البلاط.. وأنت تمشي وترى في طريقك ماء ينسكب، فقل: نساء الخدمة ينظفن، ووو.

مع كورونا، لم يتغير حالهن، قل، خف عددهن قليلاً، لكن الشوارع والحومات والطرقات لا تخلو من حضورهن، كان الكثير منهن بكمامات وأكثر الكمامات تكون أطراف أحجبتهن، فقد كان الحجر عندهن: عيش/ قوت.

تونس تصوير مي النصيري لـ أنسم

متى تكون لديهن اجازة ياربي، لست أدري؟ فكل يوم نراهن.

صورة 1

كنساء العالمين، المكتوب على جبينهن تشوفه الأعين: نشيطات، بل وفي قمة الحيوية في الصباح، مهدودات وهن يخرجن من أماكن العمل يتسحبن بأقدامهن المتورمة، يمسكن كيس القمامة لرميه في براميل القمامة في ركن الشارع،  ولا بأس إن رأينا أشياءً صالحة بجانب النفايات، ينفضنها ويأخذنها معهن. 

صورة2

على ثالث أيام العيد، كان العيد ناطقاً في أول يوم خدمة بعد العيد، كرنفال من الألوان الزاهية والوجوه اللامعة المجملة بمكياجات خفيفة والأظافر المصبوغة بالأحمر والوردي والبني، قلة منهن منقوشات بالحناء”المقبض” على أيديهن وأرجلهن، على محياهن ابتسامة.. نسيت أن أحدثكم: “خفَّت حالة الكلام بصوت عال مع أنفسهن”.

صورة 3

كانت تلبس بنطلوناً أسودًا وبلوزة مشجرة باللون البرتقالي وحجاب أسود، والحناء مازال بين الحمرة والسواد.. رأيتها، صبحت عليها، لم ترد لانشغالها بالتليفون تنعطف نحو الفناء في البلاصات (الأماكن) الغادية (هناك)، بعد قليل أراها قد لبست جلابية طويلة وبدأت تسقي الياسمينة التي تأخذ نصف الشباك في الدور الأول من العمارة، ثم تعاود تشطف الممر والرصيف، بعد ساعات، أراها حاملة كيس القمامة وبنفس الملابس الزاهية، لكن مع انحناءة قليلة، وثقل الخطوات.. فتَّشت علّي أجد ابتسامة كما رأيتها في الصباح، فشلت!.

قلت لها في نفسي: “صَحَّيتِ يا وخيتي، ألف صحة.. لا بأس عليك!”.

الصورة 4

13/8/2020: العيد الوطني للمرأة التونسية.. نساء الخدمة، لا إجازة لهن، الطرقات عامرة بهن.. فقد زاد على هندامهن الكمامات فالموجة الثانية من كورونا قد بدأت. 

الصباح الباكر، كان الجو مكسي بلفحة هواء ساخنة، الطقس ينبىء عن سخونة شديدة، والتحذيرات من قبل الإعلام، تنصح الناس بأن يقضوا غرضهم صباحاً فقد تمتد الحرارة الى 40 درجة مئوية، والطرقات تعج وتعج بنساء الخدمة، زاد في هندامهن: قبعات القش والكلام بصوت عاااااال.

فهل، نكتفي، بأنهن: نساء ونصف؟!

يتبع>> الحكاية الرابعة  لـ أروى عثمان في أنسم
المصدر| كتابات خاصة تكتبها أروى عثمان لـ أنسم
يمنع إعادة نشر المادة أو أي مواد أخرى لـ أنسم دون ذكر المصدر