ومن الشباك 2.. سندريلا حومتنا

1٬236
أروى عثمان

جارتي من جهة يسار يدي 

عجوز ترفل في نشاط وعمر مديد 

شرفتها الأرضية طلّتي وإن كنت لا أريد

هل سأثقل ما أريد لو حدثتكم عمّا أريده

هي شرفة رتقت لها من بهجة الألوان ثوباً جديداً .. ( نورة عبيد – أديبة من تونس) 

بين الشرفة والنافذة، تتحدد وجهتها، وكل الوجهات تؤدي إلى سنيورة الحومة، ومنها يكون مشوارها الصباحي والمسائي بين  المنوبري والمغازة، تراها تختال في مشيتها بين الكيَّاسات (الشوارع والأنهج الصغيرة والطويلة “الصعدات” و”الهوابط” ) التي تقطعها بسرعة شابة في العشرين.

امرأة ثمانينية ممشوقة القوام، أنيقة الملبس، تختار ألوان الربيع الفاتحة، وإن كان الفصل شتاءاً.. بشعرها القصير والمُصفف دائماً، وبصبغات الأصفر، والبني الفاتح والأسود الفاحم.

كيف تعرفنا عليها!!، “باش نقولكم”.. 

ذات يوم رأيناها، أنا وابنتي مريم في شارع حومتنا، عند أول “الصعدة”، ونحن نهم بالنزول، كانت تحمل كيسًا مليئًا بالأغراض، سلمنا على بعض، تعرفنا عليها، سارعت مريم لمساعدتها، فأعطتها السلة بسرور وسط كلمات الشكر: “يعيشك، يعيشك”.. 


لاتعرف سندريلا الحومة أين هي اليمن ولم تسمع ببلاد الحرب

عندما عادت مريم، بدت متفاجئة: ماما، عندما سمعت لهجتي مختلفة، سألتني من أي بلاد أنتِ؟ أجبتها: من اليمن.. لتندهش، “ماهذه اليمن؟ شنِيّة هاذي اليمن؟ إيشكُون؟”.. وأنها أول مرة تسمع ببلاد الحرب المنسية..

حزنت مريم حزناً شديداً، لكننا بقينا نستلطفها فهي تمدنا بحالة مبهجة، تكسر نمطية ثقافية وعرة سائدة في اليمن، من أن المرأة اليمنية ما أن تدخل سن الأربعين، حتى تظل ومجتمعها – وربما حتى الجن- يرددون: “يالله حسن الخاتمة”، بل وينادى عليها “يا حجة، ياجدة”، حتى وإن كانت طبيية، مهندسة أوأستاذة جامعية.. الخ.

” لُبنى السريعة” – كما وصفتها مريم- فهي سريعة الخطى، خفيفة كالريشة، هيئتها وهي تعبر الطرقات بقوامها الممشوق كأنها عارضة أزياء أو نجمة سينما.. تمتلك وجهًا تغضنه التجاعيد وجسد أنثى عشرينية. 

نغبطها ونحن نراها كل صباح تخرج من بيتها المُسيج بالجهنميات والقرميد الأحمر، وأشجار الليمون، والبرتقال، وفي الربيع والصيف تعريشة الياسمين والأزهار الزرقاء تتبضع بسلتها التي تلازمها، ولا نراها إلا بها، نراها تخرج أكثر من مرة، أحياناً ثلاث أو أربع مرات، ناهيكم عن خرجتها المسائية، في الطريق إلى “المنوبري”، ومعها الكيس، وأحياناً تحمل معها وجبات سريعة.. وعندما نتصادف في الطريق تمر من أمامنا وتسبقنا، نصبح نحن الكهول عجائز ما بعد التسعين، وهي ما دون العشرين.  

نحدق في مشيتها وهي تهفهف الريح، وتسابق الطيور، تصعد الدروج، والأرصفة وتهبط، منتبهة للسيارات في الزحمة.. في كل فصول السنة، تراها كالعصافير التي تملاْ سماوات تونس مغردة ومبتهجة بضوء الصباحات ووهجها الذي يمتد طوال اليوم، ترفل بكامل أناقتها بين المطر، وفي عز الحر والصقيع، أوقات البرد والظل، وخريف الأوراق المتساقطة وهي تمشي عليها مصدرة صوت خشخشة من بعيد، إنها سيدة الصبح والمساء.. وكل الأوقات.

⇐       ومن الشباك 1.. طالبة كل الفصول |        اقرأ أيضًا لـ أروى عثمان في أنسم                      

تلك المرأة الكثيرة، الفريدة، التي لا يمكن إلا أن توصف بالسندريلا، خارجة من بطون الأساطير وحكايات الجدات، برغم أنها لا تشي بأنها جدة، وإن كان وجهها وجه الجدات التي تغص بها الحكايات الخرافية، وسندريلات الثقافات المشرقية والمغربية والعالمية.

 والسؤال: هل من الضروري أن تكون السندريلا، فتاة عمرها أقل من عشرين؟.

الإجابة: في حكاية سندريلا حومتنا، تسقط أسطورة سنيين العمر الممتدة، فتحضر خفة الكائن التي لا تحتمل وتحتمل في كل الأوقات، حتى وإن لم تعرف أن هناك يمن ينحر بعضه بعضا – وإن كذب المؤرخون واخترعوا له مسمى” اليمن السعيد”-.

ذات يوم شتائي قارس والزمهرير يشوط الأشجار والفراغ، كانت تذرع الطرقات متأبطة كيسها، تتحدث بالتليفون، كعادتها في الأناقة، تلبس معطفها مرة بألوان زهرية.. سندريلا الحومة، لا تعترف بأن ملبس الشتاء لا بد أن يكون من القواتم والكواتم، وأن  عليها أن تلبس بما يناسب عمرها الثمانيني، تضرب بقواعد الموضات عرض حائط الحياة المتجددة لكل الأعمار، ستراها تتلبس الألوان البرتقالية والحمراء وألوان السماء،  وقلما تلبس السواد، وإن لبسته، سيكون الشال ملوناً وفرائحياً كالبرتقالي والأصفر والزهري، بالمثل في الصيف وبقية الفصول، إنك لا تستطيع أن تميزها، وتعنونها بفصل، بطريق، بعلامة، إنها الفصول ذاتها: عنفوان الحياة وبهجتها في آن معاً. 

عندما أحدق بوجهها – فضول نسوي- في المرات التي نتصادف في الطرقات: بشرة راوية برغم التجاعيد التي تسكنها، وحواجبها المنمقة، وصبغات شعرها الدائم، وخضاب أظافرها باللون الأحمر أو الوردي.. بالتأكيد تذهب إلى أماكن الحجامة، كعادة نساء المدن التونسية المهتمات بجمالهن.


من قال أن السندريلا ستحجر نفسها وتستجيب للأوامر وأن كورونا وليمته الأولى كبار السن

في أيام الحجر، والذي بدأ بتونس 21 مارس 2020، كان حجراً صارما، لكن من قال أن سندريلا الحومة ستحجر نفسها، أو أن الرعب تملكها ومعه هستيريا الأوامر والحجر القاتل الذي تبثه القنوات والإعلام ليل نهار، وأن كورونا وليمته الأولى من كبار السن..

يبدو أن السندريلا أصغت لحقائق علمية بسيطة، وتمثلت حقيقة الذات العارفة وهي الأقوى عندها: الحياة خير وأبقى، وهذا الفضاء والهواء والشمس، والإسفلت، والجدران والعصافير، والورود المسكوبة على الأرض والبساتين والشقوق والعليات، أقوى من كورونا، الحياة واللون والخضرة هم أكبر من أي علم عند سيدة حومتنا، فـ “ما زال عمري عشرين”، اليوم و” توه”،  وليس كما يغني محمد منير”امبارح كان عمري عشرين”.

في الحجر، كل ما فعلته السندريلا: قللت من خروجها، واستخدمت الكمامة، تراها صباحا مشمساً برونقها المعتاد وأناقتها الباذخة بزيادة كمامة،  وربما في أحد جيوبها معقم صغير، لا حجر عند جارتنا. 

الآن حل الصيف، وصيف تونس بعض أيامه تكون جحيماً، نشاهدها تلبس ألوان السماء والطبيعة، بلوزات وأقطان تكشف عن يديها العاريتين”علاقي”، جيبتها الرمادية، وأحياناً الوردية، في الصباح لها لبسها الخاص وفي العصاري تلبس الفساتين المطرزة بالورود، مثلًا اليوم كانت تلبس فستاناً أسود يرتفع قليلًا عن ركبتيها، مزركش بورود كبيرة فاتحة، وشعرها الأشقر المُسرح، كيسها الأخضر الذي رأيتها تتأبطه صباحاً..

هاهي الآن شمس العصارى، وسندريلا كل الفصول ترفل كراقصة باليه عند” الهبطة”. يوم آخر، تخرج بفستان بيج مُشجر بالأخضر، وحذاء”صندل” بني اللون بكعب صغير، والكيس مازال أخضراً.. 

ليس، “امبارح كان عمري عشرين”.. توه عمري عشرين!

يتبع>> الحكاية الثالثة لـ أروى عثمان في أنسم
المصدر| كتابات خاصة تكتبها أروى عثمان لـ أنسم
يمنع إعادة نشر المادة أو أي مواد أخرى لـ أنسم دون ذكر المصدر