ومن الشباك 1.. طالبة كل الفصول

1٬639
أروى عثمان

على لسان الفار والعنزة..
“لا أعطيك الحليب حتى تأتي لي بالعشب.. عشب، عشب، عشب؟ يجب أن أذهب إلى البستان.. يا بستان، أعطني العشب والعشب للعنز والعنز تعطيني الحليب والحليب لأمي سيسي وأمي سيسي ترجع لي ذيلي لأرقص به يوم العيد”.. (حكاية شعبية تونسية “أمي سيسي”)*..

باهية المحيا، وجهها المشرئب بالحمرة، حيوات متعددة، أولها القوة والتحدي، بمعنى أن تكون موجوداً ووجودك علامة فارقة بين كل من حولك.
تحديها الأكبر: كرسيها المتحرك، الكتب، الدفاتر، الأقلام وصباح جديد لعام دراسي جديد ، كم من المشاعر والأحاسيس والرهبة التي تنتابك وأنت تراها تقود كرسيها المتحرك كل صباح حين تتوجه إلى مدرستها أو ترجع منها إلى البيت ظهراً.
مثل كل صباح وأنا أعد قهوتي، ألمحها خارجة من بيتها في اتجاه الفناء ثم الشارع، ثم المدرسة، تتأمل ما حولها، تحرك رأسها يمنة ويسرة، تمسد شعرها، تمنحني قوة الدنيا.. وأنا المهدودة من خدوش المنفى وتداعي الذكريات والفقد والتفاصيل التي تركتها خلفي في اليمن، خصوصاً في صنعاء الحبيبة.
عمرها ما بين السادسة عشر والسابعة عشر، تتأبط كل يوم جديد سلم الحياة، تقود كرسيها، شنطتها الرمادية في حجرها أحياناً أو بجانبها، شعرها البني ينسدل أحياناً، فتتركه منساباً على وجهها، أحياناً تخرج خصلة على خديها وأحيانًا تعقصه وتطيره كذيل حصان.


تختفي عن عيني وتختفي معها القهوة وأنا أسبح محدقة في هذا الكائن الذي يشبه نفسه

ترتسم في ملامحها الطفولية جدية الكبار، مع مسحة من شقاوة طفولة وشدو أنثوي في اختيارات الملبس وتسريحة الشعر والقبعات، كالقميص الأحمر والوردي الزاهي والبيج والأبيض.. لوحات فصول السنة ترسم فصول حياتها الراوية خضرة كأشجار البرتقال والليمون والزيتون والنخيل والياسمين، جميعها تضحك عندما تراها، تصفق لها وتهمس: ما أحلاها!.
بدقة مشهدية، تتأملها، عندما تخرج من ممر بيتها مخترقة الإسفلت – والأطفال والشباب والآباء والأمهات كل إلى بغيته – تمر من تحت أسوار البيوت القصيرة، وأشجار البرتقال الضليلة، تحاول ألا تصطدم بالمارة خصوصاً وقت مجيء طلاب المدرسة، وتزاحمهم في الطرقات، تمر من بينهم كنسمة، بينما صخب طلاب وطالبات المدرسة يتعالى ويضج، تمشي بهدوء وثبات، حذرة في كثير من الأوقات، خصوصاً وهي تنعطف في اتجاه “الهبطة” التي تؤدي إلى المدرسة/ المعهد.. تختفي عن عيني وتختفي معها القهوة، بعد أن تكون قد كُرعت رغوتها وأنا أسبح محدقة في هذا الكائن الذي يشبه نفسه ولا يشبهنا.
تغادر طالبة الفصول وتبقى صورتها في خيالي، وهي تحرك كرسيها، وتمسح مقدمة رأسها، تتأمل تفاصيل الشارع، مع ابتسامة خفيفة تزهو معها الأشياء وفضاء المكان.

⇐   صباح الخير يا رازح |         اقرأ أيضًا لـ أروى عثمان في أنسم                                       

كم يكون صباحي باهياً وقوياً وأنا أراها، أنادي من في البيت – وقبلهم أنادي نفسي من الداخل أيضاً- “أنظروا إليها، ما أقواها، ما أشجعها، ما أجملها، ما حلاها البنية”، حتى ابنتيَّ عندما يزرننا، أحكي لهن وأجعلهن يتأملنها عندما نلمحها، أقول لهن “اتكئن على روح هذه الطفلة، استلهمن قوتها، لتعينكن في الغربة والأعمال الشاقة”.
أظل أحكي للأصدقاء عنها، وتفاصيلها الصغيرة: شعرها الذي يتمايل مع كل هبة ريح، أو وهي تتحسس شعرها أثناء سقوط المطر، وهي تحمل مظلتها بيد، وبيد أخرى تتفقد الكرسي وحقيبة المدرسة.. أو وهي تمسح ملابسها إن سقطت عليها أوراق الشجر، أو ذرة غبار.. تظل صورتها ماثلة أمامي أحكي وأحكي، عن تمثل القوة من هذه الطفلة.

في كل الفصول أراها، في الشتاء وفي موسم البرتقال والليمون والمانديلين (اليوسفي)، وفي الربيع، والورود التي تفترش كل الطرقات، وشرفات المنازل، والعصافير الملونة، والأصوات الكثيرة والمختلفة، تعزف سيمفونتها على امتداد اليوم، وياسمين منتهى الربيع والصيف وهي تمر بجانب أسوار البيوت، والأحواش والجدران وورود الجهنميات المتشابكة والمنسدلة على البوابات العالية والأسوار المطلية باللون الأبيض، والشرفات الزرقاء والخضراء، جهنميات من الألوان: الأبيض، الأحمر، الوردي، القرمزي، والبنفسج.. والأشجار التي تكتسي الأزهار الصفراء وتنفضها رويداً رويداً على الأرض وعلى رؤوس المارة، بالتأكيد سقطت وردة على رأسك يا فتاة الفصول.. تراها في الشتاء وقد تغطت بالملابس الثقيلة، على رأسها قبعة صوفية، تارة مشجرة وتارة مخططة.


تظل صورتها ماثلة أمامي أحكي وأحكي، عن تمثل القوة من هذه الطفلة

في الإجازات لا أراها إلا لماماً، وتكون بمعية أسرتها، فيُصعِدونها إلى السيارة، مع وضع كرسيها في الحقيبة الخلفية للسيارة.
أصبحت ابنتي مريم هي التي تدعوني حين تلمحها، فهي فاتحة صباحاتنا، وفاكهة يومنا نستمد قوتنا وطاقتنا، وبهجتنا منها.
مع كورونا والحجر لم نعد نراها “توحشناها برشا”، وعندما انفك الحظر و رأيناها، هرعنا جميعًا فرحين، مزهزهين إلى نافذة المطبخ: “لقد عادت الفتاة بفصولها إلينا، نشيعها بنظراتنا، دموعنا.. كلنا نستملحها: ما أحلاها، ما أحلاها”.

بشعرها المنسدل، وبنفس الحقيبة، بزيادة الكمامة، ظللت اتأملها من نافذة المطبخ، كيف تسلك، وعند مرور أحداً بقربها، تنعطف في الاتجاه الآخر، حتى لا يقترب منها أي مارّْ.
في ذلك اليوم عرفت تقريباً أنها طالبة بكالوريا، فبعد رفع الحظر، وعودة طلاب البكالوريا للدراسة واستكمال ملفات ( التقوية)، كنا نراها في غدوها ورواحها، بنفس القوة، نراها تخرج مرة أخرى بنفس طريق المدرسة – على حدود الظهرية – وأحياناً مرتين غدواً ورواحاً ورواحاً وغدوً، لأننا لم نرها في امتحانات الإعدادية، إذ ربما تكون طالبة بكالوريا، سنرى.

⇐   داخل حياة أستاذ فلسفة الجمال.. آمنة النصيري     |    اقرأ أيضًا في أنسم                             

8/7/2020، الساعة السابعة والربع بالدقيقة، رأيتها اليوم، وكانت قد انعطفت نحو الطريق إلى مدرستها، بالتأكيد مرت بجانب زملائها طلاب البكالوريا الشباب والشابات، الذين يمتحنون في المدرسة الإعدادية قبالتنا فـ “مناظرة البكالوريا” تعد انعطافة تحدد مستقبل الطلبة في تونس، وترى هذا بادٍ من وجود الآباء والأمهات بمعية أبنائهم.
أصررت على مداومة إطلالاتي من النافذة حتى أراها راجعة من الامتحان والتفرس في ملامحها أول يوم امتحاني.. ظهرت وفرحت ملء السمع والبصر والياسمين، كانت تعتلي كرسيها وقد لمت شعرها – ذيل حصان – وجعلته منفوشاً تلبس سروالاً فضفاضاً، عليه خطوط بيضاء وبلوزة بيضاء بنصف كُم، وحقيبة صغيرة بُنية مصنوعة من القش بجانبها، مرتدية كمامتها ذات اللون الأحمر.
تمشي متأملة بعد أن غادر معظم الطلبة ممن يمتحنون في المدرسة الإعدادية، أحدق في وجهها لأقرأ هل كان الامتحان سهلاً أم “صُعيب”، سيبدو هذا من وجهها.

تبدو قراءة ملامح وجهها “صعيبة” بعض الشيء، فالشمس كانت حامية، فضلاً على أنها ترتدي الكمامة على وجهها، رأيت أحد الجيران يسلم عليها مؤشراً لها، ويسألها على الامتحان، قائلاً باللهجة التونسية المطعمة بالفرنسية: “صفا، صفاء، لا بأس”، فترد بصوت خفيض: “صفا”، هكذا قرأت الإجابة.
تنعطف في اتجاه البيت، تحيطها أشجار النخيل، والأكاسيا، وزهر الياسمين المتدلية من الدور الأول، وفي الركن الضليل كانت شجرة الورود الحمراء متفتحة ترحب بها، أحسست أنها تطمئن على سير امتحاناتها، قائلة لها: “صفا، صفا، برافوووو”.

لم تمضِ اقل من ساعة – وأنا أعد طعام الغداء- حتى رأيناها تخرج في عز الشمس والحر، كانت قد غيرت ملابسها، الألوان البيجية، البلوزة والبنطلون الفضفاض البيج، بالخطوط السوداء، وبنفس الحقيبة، تحرك شعرها، وقد غيرت الكمامة باللون الزهري، كانت وحدها في الشارع، تتأمل يمنة ويسرة، وإلى أعلى، تتركه بحرية يطير خلفها، توقف لها سيارة سوداء، حتى تنعطف إلى الشارع حيث المدرسة.. هل هي فترة ثانية من الامتحانات؟، لست أدري!، هرعت إلى النت أرى هل امتحانات البكالوريا فترة واحدة أم فترتين، الإجابة كانت: فترة واحدة.
ربما تكون ملتحقة في حصص تقوية في المدرسة/ المعهد القريب من شارعنا، أو عند أحدى المدرسات/ين ممن يعطون الدروس الخصوصية، لست أدري.. ما عرفته هو تلك الشعلة من النشاط، والحيوية، حتى في قيض الشموس. إنها الساعة الواحدة ظهراً، حيث يبحث المرء منا عن ظلال وبرود، وكوب ماء بارد، وطالبة الفصول والأوقات تقرأ.
صباح اليوم التالي 9/7/2020، وفي الساعة السابعة والربع، عند عودتنا من المشي الصباحي رأيناها وهي تعبر فناء العمارة، صَبَّحت عليها اليوم، في الطريق إلى المدرسة لأداء امتحاناتها، ابتسمت وردت التحية، قلت لها: “ربنا يوفقك حبيبتي”، ردت بابتسامة أوسع: “يعيشك، يعيشك”.


من المخجل أن نقول أننا مصابون بالاكتئاب والعجز ويلعن أبوها حياة.. معنى الحياة أن تكون موجودًا حيثما تحل طالبة كل الفصول

10/7/2020، اليوم الثالث، وأنا أعد قهوة الصباح، ألمحها من النافذة، وفي الساعة السابعة والربع أيضاً، رأيتها بصحبة والدتها وأختها الكبرى يودعنها ويركبن السيارة، تنطلق هي في اتجاه المدرسة، تمشي الهوينا، تلبس بلوزة سوداء وبنطلون الجينز، نفس التسريحة “ذيل الحصان”، شيعتها بنظراتي، حتى المنعطف.
اليوم يبدو على هيئتها السرور، تمشي بهدوء، تتأمل، وعندما رأت جلبة الطلاب، سارعت لوضع كمامتها على وجهها، وعندما ترى سيارة قادمة، تنعطف، أو تنتظر حتى تمر، ثم تمشي، معظم السيارات، تهدى من سرعتها أو تقف عند مرورها، خصوصاً وقت الزحمة وخروج الطلبة، انهم يوقفون كيما تمر.

15/7/2020، أمطار منذ الفجر، والجو غائم وقليلاً من البرودة تُجمل الطقس، بعد كهر الأيام السابقة، فشلت في رؤيتها هذا الصباح المطير.. يبدو أن أسرتها اوصلوها بالسيارة، مع عودتها أرقبها منذ بداية الشارع كانت تتوسط شابتين يحملن كيس العيش الفرنسي، وبعض الأغراض، حدقت بوجهها والكمامة معلقة على ذقنها فقط كانت مكللة الأسارير، حقيبتها على حجرها تمسك قنينة ماء، ودعنها صديقاتها (جاراتها)، نفس الحركة: تميل براسها يمنة ويسرة.. شعرها اليوم كان مغايراً، عملت منه “كُبة”، وعلامة الاستبشار والفرح على محياها، تبدو الفرحة فرحتان: الأولى أنها توفقت في الامتحان، والثانية انتهاء الامتحانات.. يالها من فرحة كبرى عند الطلاب والطالبات.

عند انعطافتها باتجاه البيت، كانت امرأة محجبة بانتظارها، لعلها أمها، أخذتها واختفتا، لكن بقت الزهور الحمراء الكبيرة والمتفتحة تشيعهما بغبطة كبيرة، أوسع من سماء.
اعتقد من المخجل أن نقول بعد ذلك، أننا مصابون بالاكتئاب، والعجز، ويلعن أبوها حياة، معنى الحياة، ومعنى أن تكون موجودًا هناك حيثما تحل معنا طفلة/ طالبة كل الفصول والأوقات.
ما قبل المختم:
“ومشيت وخلّيتهم، وبعيني ريتهم”**

* حكايات شعبية تونسية، سردتها للاّ أولى، حررها محمد عبد الكافي، ص73.
** تختم الحكاية الشعبية التونسية، ” ومشيت وخليتهم، وبعيني ما ريتهم”.

يتبع>> الحكاية الثانية لأروى عثمان في أنسم
المصدر| كتابات خاصة تكتبها أروى عثمان لـ أنسم
يمنع إعادة نشر المادة أو أي مواد أخرى لـ أنسم دون ذكر المصدر