أمل كعدل.. صوتٌ عصيٌّ على النسيان

2٬008
مهيب زوى

منذ خمسينيات القرن الماضي، برزت في الوسط الفني العديد من الأصوات النسائية، اختفى البعض منها، فيما كان العديد أيضًا يشبهون بعضهم؛ وحده صوت أمل كعدل ظل مميزًا وفريدًا.. ليس لكونه ينتمي لطبقة أوبرالية وحسب، بل لأنه ارتبط بوجدان الناس و ذائقتهم.

في منزل الفنانة أمل كعدل بالقاهرة – أنسم

لمع اسم أمل كعدل وصوتها من خلال برنامج المواهب الذي كان يعرض أواخر السبعينيات على تلفزيون عدن، وهي تقف أمام لجنة التحكيم التي توقعت لها مكانًا بارزًا في الوسط الفني كصوت مميز.

تقول لـ أنسم: “كنت في المرحلة الثانوية، حينها جاء عبد القادر خضر (مقدم البرنامج) يبحث عن مواهب، فأخبروه عني وأن صوتي حلو”.

استدعت مديرة المدرسة الفتاة المشاكسة، التي لا تتوقف عن الغناء في الصف ولاتسلم من توبيخ المعلمات.. “باتغني يا بنت؟”، سألتها المديرة.

“حينها لم أكن أستطع اتخاذ قراري، فأخبرتهم أن يسألوا عائلتي -خصوصًا عمتي وجدتي- لأن والدي كان قد مات، الله يرحمه”، قالت.

وقفت الفتاة أمام لجنة التحكيم المكونة من كبار الفنانين: المرشدي، محمد عبده الزيدي، محمد سعد عبدالله وسعيد عولقي، تغني بشغف دون توقف طوال مراحل البرنامج.

تقول لـ أنسم: “الحمد لله اجتهدت بصوتي وعديت خمس مراحل وقدمت أغانٍ صعبة لفنانين كبار (أسالك بالحب يافاتن جميل.. ياللي تركت الدمع،وغيرها) وأخذت المركز الأول لأفضل صوت”.


تعرضت للمضايقات عقب أحداث 13 يناير ونصحني على ناصر بالنزوح لصنعاء


نجمة الأنشطة

عندما التقيتها في منزلها بالفيصل في القاهرة أغسطس الماضي، كانت الفنانة أمل كعدل للتو جاءت للعلاج من مشاكل في القلب، لكنها تنسى كل ذلك عندما يتعلق الأمر بالغناء والذكريات.

ولدت كعدل -التي تعود أصولها إلى منطقة الكلايبة في جبل صبر بتعز- في منطقة الشيخ عثمان بعدن جنوب اليمن 1959، عشقت الغناء منذ طفولتها، متأثرة بصوت أمها “خدَّوج” وهي ترافقها في أعراس الحي وتغني معها، “أمي من لحج وصوتها جميل وكنت أحب سماعها وهي تغني الأغاني اللحجية في الأعراس بالحافة (الحي)”.

التحقت الطفلة بالمدرسة الجنوبية الابتدائية في الشيخ عثمان، فكانت نجمة الأنشطة والإذاعة المدرسية، “كان للأستاذة فوزية بادويلان الفضل الكبير في دعمي وإشراكي في الحفلات والأنشطة المدرسية وعيد الأم”، قالت.

وأضافت لـ أنسم: “أتذكر، في أحدى الحفلات ألبستني عمامة وثوبًا أبيض لأقرأ القرآن، وبعدها غنيت أغاني ليلى نظمي وأني لابسة صعيدي وخلفي البنات لابسين فلاحي يرددوا ويرقصوا”.

لا تستطيع كعدل أن تتذكر كل ذلك دون أن تغني مبتهجة، مستعيدة تلك اللحظات: “ماخودش العجوز أنا أزقه يوقع في القنا” و “ادلع ياعريس يابو لاسة نايلون”.

حققت الطفلة شهرة بمدرستها وبدأ صيتها يتسرب إلى المدرسة الاعدادية المجاورة، فتشارك معهم في حفل ذكرى جلاء المستعمر البريطاني 30 نوفمبر، “شاركتُ معهم بنشيد: الذئاب الحمر”.

كان لهذا الحفل أثر كبير ولحظة فارقة في مسيرة أمل وهي تتجاوز أسوار مدرستها وتقف أمام جمهور جديد.. تقول بلهجتها العدنية: “صحيح إنه ماكانش الناس برع يسمعوه وكان حفل مدرسي، لكن كان له أثر في نفسي أني”.


كان والدها يرفض أن تسلك طريق الفن وواجهت صعوبات عديدة


ذكريات مؤلمة

تنتمي أمل لأسرة شبه فنية، وكان لوالدها علاقات متينة مع فنانين كبار كالمرشدي وفرسان خليفة، لكنها كانت كأي فتاة في مجتمع تقليدي تحيطها القيود، لتواجه صعوبات عديدة ولم تخلُ من الألم أيضًا، “كان والدي -الله يرحمه- مُقعدًا (مشلولا) وأنا بدأت أكبر، لم يكن لدينا سند، فأخي الكبير يدرس في موسكو، وأخي الآخر يعمل مدرسًا في الأرياف وهو مونولوجست أيضًا، وكان أبي يخاف أن أكون فنانة”.

تتذكر لـ أنسم: “في إحدى المرات، كانت فعالية يوم الكشاف الوطني، رحت أشاهد، فأرسل أبي من يأتي بي إليه بالقوة.. وأول ما شافني رماني بسكين صغيرة، فانغرزت في ساقي”.

لم تستطع أمل كعدل أن تحبس دموعها وهي تتذكر ذلك وتشير إلى مكان الإصابة، “ظللت يومين بدون أكل.. عشت مرحلة صعبة وكان خوف أبي عليَّ عادة ماينتهي بالضرب والحبس.. وعلى فكرة: كان أبي صوته جميل ودايما ينشد ابتهالات، لكنه كان يرفض أي دعوات لي بالغناء”.

إلى التلفزيون

ليس فقط بالغناء، فقد اشتهرت الطفلة بتقليد أصوات الفنانين وحركاتهم أيضًا خصوصًا: المرشدي وطه فارع و العطروش.. “كان جارنا سعد سالمين، يشتغل بالتلفزيون وكان يشوفني أقلد الفنانين، فطلب من أبي أن يأخذني إلى برنامج جنة الألحان مع علوي السقاف، وكان أبي يرفض، لكنه أقتنع”.

وظهرت أمل لأول مرة على تلفزيون عدن في 28 سبتمبر 1970، وهي تقلد المرشدي وحركاته في أغنية “دار الفلك دار”.

في اليوم التالي لظهورها توفي جمال عبد الناصر الذي لاتعرف الطفلة من يكون.. تقول ضاحكةً لـ أنسم: “كان المرشدي في مقهى الجريك في الحافة وعندما مررت دعاني وهو يضحك: تعالي يابنت.. دورتي الفلك على عبد الناصر”.

أثَّر ظهور الطفلة التلفزيوني على والدها وخفف ذلك عليها بعض الضغوط، “أخبروني أن أبي كان يشاهدني ويبكي.. كان أبي يحبني كثير، لكنه لا يُظهر لي ذلك”.

وعندما ظهرت الشابة أمل كعدل في التلفزيون مرة أخرى في برنامج المواهب أواخر السبعينيات كان والدها قد فارق الحياة، لكنها ما تزال تتذكر بحزن تلك اللحظة، “طلب مني أن أدعو أصدقاءه، ودعا لي: الله يجعلك مستورة يا أمل”.

وتابعت: “كنت أتمنى يشوفني وأني فنانة.. قسوة أبي جعلتني قوية وقادرة على حماية نفسي”.

خلال ذلك شاركت الشابة بمسرحيات غنائية وأوبريتات مع العديد من الفنانين، بينهم أخوها المونولوجست محمد كعدل في أوبريت “زائر من الأرض”.


مرايا الشوق بداية انطلاقتي الحقيقية من عدن وكل شيء جميل كان صنعاء


الفناة أمل كعدل – صورة خاصة بـ أنسم

الإنطلاق

التحقت الشابة بالخدمة الإلزامية عقب تخرجها من الثانوية العامة في كلية بلقيس، “اتجندت بوزارة الداخلية، (تضحك) كنت أحب الأفلام البوليسية لهذا أصبحت عسكرية”.

تتمتع الفنانة أمل كعدل بشخصية قوية لاتخلُ من المرح والطرافة أيضًا وتبدي انضباطًا كبيرًا في المواعيد والنظام، وبدا حبها لكونها عسكرية واضحًا من خلال قميص عسكري كانت ترتديه وطريقتها الواثقة في التعامل وتوجيه الحديث.

تقول لـ أنسم: “أثناء خدمتي في وزارة الداخلية، التحقت بمعهد جميل غانم للفنون الجميلة، وهناك تعلمت النوتة وطبقات الصوت والغناء الأوبرالي، وكان لدينا معلمون روسيون”.

التحقت الفنانة الشابة بفرقة الإنشاد، وسجلت العديد من الأغاني (لقيته يامه، ودار الفلك، ووصياد، يارب من له حبيب.. وغيرها)، وأغنيتين خاصة بها لتلفزيون عدن من ألحان أنور مصلح (أهل الهوى/ مش لوحدك)، ما جعل اسمها معروفًا ويحظى بسمعة جيدة في الوسط الفني والشعبي، لتغادر عدن في أول رحلة فنية لها ضمن فرقة الإنشاد إلى ليبيا للمشاركة في احتفالات الفاتح من سبتمبر 1982، “هناك كان الموسيقار ابن غودل يجهز لحن: مرايا الشوق.. سمعته فأعجبني، فأخبرته أنني أريد هذا اللحن”، قالت.

وأضافت: “عدنا من ليبيا ومباشرة سجلت أغنية مرايا الشوق في التلفزيون، وهي كانت بداية انطلاقتي الحقيقية بفني الخاص”.

أصبح صوت أمل كعدل محط اهتمام كبار الفنانين، ليطلبها أحمد قاسم للغناء معه دويتو في أغنية الوحدة اليمنية، وبعدها غنت مع المرشدي دويتو “صنعاء الكروم”.

ودون توقف ظلت أمل كعدل تغني وتؤدي وظيفتها في وزارة الداخلية (وهي الآن برتبة مقدم)، وصدرت لها عدة ألبومات، وبات الناس في عموم اليمن يعرفونها جيدًا ويدعونها إعجابًا بـ “الفندم أمل” حين يطلبون أشرطتها أو يتحدثون عنها.

نزوح

اندلعت أحداث 13 يناير 1986، لتبدأ مرحلة عدم الاستقرار في جنوب اليمن، ما تسبب بنزوح الكثير من الأسر شمالًا، “لأنني كنت محسوبة على وزير الداخلية، تعرضت لمضايقات عديدة، فغادرت إلى الهند ومنها إلى سوريا، وهناك أخبرني علي ناصر محمد (الرئيس الأسبق للجنوب) أن أتوجه إلى صنعاء”.

تشعر الفنانة أمل كعدل بالامتنان لهذه النصيحة، “كل شيء حلو في حياتي كان في صنعاء”.. لتبدأ نشاطها مجددًا على خشبة مسرح المركز الثقافي في احتفالات 26 سبتمبر، مرددة بصوت صادح: “بلادي أحييك فلتسلمي“.

تقول لـ أنسم: “أعطاني الموسيقار أحمد فتحي هذه الأغنية عندما التقيته في فندق شيراتون بعدن، وغنيتها هناك على المسرح، لكنها لم توثق ولم يسمعها الناس إلا بعد أن غنيتها في صنعاء وتم بثها في التلفزيون والإذاعة”.

انتشرت خلالها ألبومات وجلسات أمل كعدل كصوت أحبه الناس وصنع لنفسه مكانًا مميزًا في ذائقتهم، لتبدأ من صنعاء مرحلة جديدة، فسجلت العديد من الأغاني والألبومات التي مازالت راسخة في وجدان الناس وذائقتهم: النسيم المسافر، قاسي القلب، سلامتكم والمعذب.. ووثق التلفزيون العديد من الكليبات، لصوتٍ عصي على النسيان.

آخر السطر

عقب تحقيق الوحدة اليمنية 22 مايو 1990 عادت الفنانة أمل كعدل إلى عدن، لتستقر هناك حتى اللحظة، وفي 2015 عُينت مستشارة بوزارة الثقافة، إلا أنها تراه منصبًا ديكوريًا ليس له أي سلطة، منتقدة الإهمال الذي يطال العديد من الفنانين، “هناك من مات وهو ينتظر الدواء وهناك من يعاني ولا يجد الرعاية والاهتمام وحقوقنا مهدورة”، قالت.

ورغم المعوقات التي يواجهها الوسط الفني عمومًا: إهمال رسمي وإعلامي و حقوق ملكية غائبة، ماتزال أمل كعدل تغني، ولم تنفصل عن الوسط، متخذة من ديوان منزلها صالونًا فنيًا كل خميس، “عوض أحمد، أحمد الشلن، عطروش وغيرهم.. نجتمع جميعًا في ديواني، نغني ونتبادل همومنا وآلامنا وذكرياتنا، ونساعد بعضنا”.

المصدر| مادة خاصة بـ أنسم

تابعونا على صفحاتنا:  فيس بوك: @ansomnett   تويتر: @ansomnett