داخل حياة أستاذ فلسفة الجمال.. آمنة النصيري

1٬802
مهيب زوى

 فَشِلتْ في مادة الرسم في الصف الثاني الإبتدائي، فغدت الفنانة التشكيلية الأولى في اليمن وعندما تركت دراستها الجامعية في سنتها الأخيرة “الليسانس”، عادت إلى نفس الكلية: الآداب جامعة صنعاء، فغدتْ أستاذ “علم الجمال” في نفس القسم الذي غادرته في 1989: “الفلسفة”.

كانت الطفلة آمنة النصيري المولودة في مدينة رداع التاريخية فنانة فطرية لا تحب التقيد بأي شكل من أشكال تنميط الرسم.. ولم تكن تدرك ما تفعل وأنها كانت تؤسس لشيء مختلف بات اليوم مدرسة يشار إليها.

مطلع السبعينيات كان “الرسم” مادةً أساسية وكان الرسوب فيها كفيل أن يبقيك في الصف نفسه للسنة الثانية، تتذكر آمنة النصيري ذلك “ماتزال قصة طريفة في مخيلتي، فقد رسبت في مادة الرسم واضطر الأساتذة رفع درجتي إلى مستوى النجاح، فنجحتُ بدرجات الرأفة”، “رسم المعلم شجرة على السبورة وطلب أن نعيد رسمها.. كانت جذع ممتد وأعلاه ما يشبه الكرة الكبيرة” قالت.

وأضافت لـ أنسم: “رسمتُ شجرة مختلفة بأغصان وفروع.. صحيح كانت رسمة مُحرفة فيها رؤية طفل، كنت أرى أن للأشجار خطوطًا وتفرعات، والأستاذ رأى أنه يدرك مايرسم.. وهكذا أدى اختلاف وجهات النظر إلى رسوبي في مادة الرسم”.

لم يؤثر ذلك في ذهنية الطفلة المتقدة بحب الرسم الذي كان لأمها “هيلة” دور كبير في تعزيزه، “لم يُثنني هذا الحادث عن الاستمرار فيما أنا مشغولة به: الرسم في كل مساحة ممكنة”، قالت مبتسمة.

لا تستطيع آمنة أن تحدد من أين أو كيف جاءت فكرة الفن “لم أصحو يومًا وقد قررت أن أصبح فنانة، فمنذ الطفولة المبكرة بدأت أرسم على قصاصات الورق وفي أغلفة الكتب وعلى جدران المنزل، في كل دفاتر المدرسة بدون استثناء”.

وتضيف: “كنت في بعض الأحيان اتلقى عقوبات قاسية خاصة على شخبطة الجدران أو الرسم في دفاتر كل المواد الدراسية.. هكذا نشأت وهكذا وجدت نفسي منذ الطفولة ثم المراهقة أرسم  وأصبح الأمر ظاهرة مألوفة في منزلنا لم يُنظر إليَّ يومًا على أنني أقوم بشئ خارج المألوف”.


كل الأمهات عظيمات بأشكال مختلفة، لكن عظمة أمي أنها اختارت من داخل مدينتها المغلقة حياة لا تشبه حياة النساء

هيلة عتيق.. أم فنانة وثائرة

السيدة هيلة عتيق أم آمنة النصيري رحمها الله .. الصورة خاصة لـ أنسم من آمنة

هيلة عتيق أبو بادي – أم آمنة النصيري ومعلمتها الأولى – ولدت وترعرت في منطقة قيفة (ريف رداع).. “كان جدي رجلًا مستنيرًا وهو ما عزز إيمان والدتي وشغفها بالتعليم والثقافة والفن”.

“أظن أنني ورثت عنها ذلك” تقول آمنة النصيري لـ أنسم، وتضيف: “كانت أمي ترسم أعمالًا فطرية غاية في الجمال والدقة وتصنع ألوانها من مواد طبيعية حيث لم تتوفر لها الألوان حينذاك وأحيانا تحول لوحاتها التي تختلف كلية عن مطرزات النساء الزخرفية إلى تطريزات مدهشة على القماش، تصور فيها شخوص بملابس شعبية وكائنات حية و أشكال خرافية”.

بجانب هذه الأم نشأت الفتاة المتمردة على اللون ونمت موهبتها، “أذكر أنها طيلة الوقت كانت توجه لي النصائح أثناء اشتغالي بالرسم، لم تكن تنشغل بما إذا كنت أعمل بهذه النصائح أم لا، المهم لديها إبداء رأيها ليس لأنها أمي ولكن لأن لها – وذلك حقيقي-  رؤيتها الفنية والجمالية للأشياء ولديها شخصية امرأة مبدعة حتى وان لم تنظر للأمر على هذا النحو”.

تأثرت الطفلة آمنة النصيري بأمها ذات الشخصية القوية “كل الأمهات عظيمات بأشكال مختلفة، لكن عظمة أمي أنها اختارت من داخل مدينتها المغلقة حياة لا تشبه حياة النساء البسيطات الأميات”، قالت.


رفعت هيلة دعوى ضد زوجها الذي أراد منع آمنة واختها من الدراسة فخسرت الدعوى ولم تخسر الحرب

الطفلة آمنة النصيري 3 سنوات رداع.. الصورة بإذن منها

محو الأمية

كانت السيدة هيلة وأمها – جدة آمنة – شغوفات بتغيير ما حولهن، فجعلن إحدى النساء القلائل اللواتي احترفن القراءة والكتابة تقوم بتعليم السيدات في القرية نظير مبلغ مالي يُقَدمنهُ لها، مُشكلات أول مدرسة محو أمية برداع، “حتى أجادت النساء الكتابة وقراءة القرآن”، قالت آمنة باعتزاز.

وأضافت لـ أنسم: “بعدها تزوجت أمي بوالدي، وبدأتْ في قراءة كل ما يتوفر في منزله من كتب في الفقه والشعر والتأريخ وغيرها من المجالات وبدأت تبحث عن الكتب في بيوت الأقارب و تستعيرها وهكذا وجدتْ في تطوير وعيها مُتعة جعلتها تختلف عن نساء جيلها”.

وتتابع: “كانت أمي من النساء المؤمنات بأهمية العلم، وضرورة تعليم الفتاة، وشديدة الحرص على أن نستكمل دراستنا بتفوق، فاعتزلت حياة النساء التقليدية التي لاتزيد عن الزيارات والتجمعات اليومية لتتفرغ لنا في متابعة الدروس والمذاكرة وفي وقت الفراغ كانت إما تحكي لنا خلاصة كتاب قرأته أو نقرأ معًا”.

معركة هيلة

خاضت السيدة هيلة عتيق حربها الخاصة لتعليم بناتها مع زوجها الذي أراد حياة نمطية لهن، ومنعهن من الدراسة، “كان والدي يرى أنه لافائدة من تعليم البنات”، فرفعت الأم دعوى قضائية ضده، فخسرت الدعوى، لكنها لم تخسر الحرب، “تمكنت أمي من أن تتغلب على كل شئ حتى وصلنا إلى المستويات العلمية المرادة” قالت آمنة بفخر.

وأضافت أستاذة فلسفة الجمال بجامعة صنعاء لـ أنسم: “أخذتنا والدتي إلى صنعاء في 1974 وكنت في الصف الثالث ابتدائي وهناك أكملت الصف السادس ابتدائي”.

انتقلت هيلة وبناتها “آمنة وشمس” إلى القاهرة في 1978 للعيش عند ابنها “محمد” المبتعث لدراسة الهندسة الزراعية هناك، وبعد عام انتقلت آمنة واخوتها للاستقرار في مدينة الإسكندرية. “تركت الحياة في مصر تأثيرًا كبيرًا علينا، فقد ربطتنا بالأنشطة الثقافية وبنوع من استقلالية التفكير” قالت.

العودة إلى صنعاء

بعد أن استكمل أخيها دراستة الجامعية في القاهرة عادت آمنة وعائلتها إلى صنعاء في 1983 وهناك استكملت آمنة دراستها الثانوية في 1985، لتلتحق بدراسة الفلسفة في كلية الآداب جامعة صنعاء 1986.

“اخترت الفلسفة كونها تنسجم مع كثير من المبادئ الفكرية والمعطيات التي أؤمن بها وفي ذات الوقت رأيت أنها أقرب المجالات إلى اهتماماتي في الفن التشكيلي”، قالت.


توقفت عن الرسم عقب 2015 ففقدت الإحساس بمعنى الحياة ودخلت حالة إرتباك والإحباط

جنون الفن

“الفنون جنون” ومع آمنة النصيري الطالبة الجامعية المُجدة في دراسة الفلسفة، تدرك معنى ذلك الجنون، ففي العام 1989 كانت آمنة في سنة التخرج والحصول على الليسانس من قسم الفلسفة، لكنها فجاة تقرر مغادرة القسم.

“كنت على وشك الحصول على الليسانس، فتحصلتُ على منحة دراسية إلى روسيا لدراسة الفنون التشكيلية.. فجأة وبدون إنذار مسبق قررت التخلي عن شهادة الفلسفة لصالح الفن” قالت.

غادرت الشابة إلى روسيا و”بعد سنة تحضيرية شاقة نجحتُ في دخول أكاديمية الدولة للفنون وهناك درست في كلية تأريخ ونظريات الفن بالإضافة إلى فصول في فن الجرافيك”قالت لـ أنسم.

عادت آمنة النصيري في 1994 حاملة ماجستير في “النقد الفني ونظريات الفن” من أكاديمية (سوريكوف)، “تقدمت إلى قسم الفلسفة للعمل كمدرس في تخصص “علم الجمال” بحكم دراستي السابقة في الفلسفة ثم دراستي في تاريخ ونظريات الفنون وتم قبولي للعمل في قسم الفلسفة”.

لم تتوقف آمنة النصيري الممتلئة بتقدير الذات والشغوفة بفنها عن تحقيق أحلامها بجنون لتغادر في 1998 إلى روسيا مجددًا والالتحاق بجامعة الصداقة بين الشعوب في موسكو، لتعود في 2001 حاملة شهادة الدكتوراة في “فلسفة الفن” لتغدو أستاذًا مساعدًا لـ “علم الجمال”.

آمنة.. فلسفة و ريشة

تنشر اللوحة بإذن من آمنة النصيري

إن تَدْرُس الفلسفة شيء وأن تمارسها شيء آخر، وبالنسبة لأستاذ علم الجمال في جامعة صنعاء الدكتورة آمنة النصيري، فهي تمارس الفن والفلسفة وتُدَرِسُها في آن واحد.

“أنا شغوفة بالتدريس، أحب أن يفهم الشباب العديد من القضايا وأن أشاهد تطور الطالب وتغير وعيه”، قالت.

وتضيف لـ أنسم: “كوني فنانة فهذا يُخرجني في عملي الأكاديمي من الجمود والتصلب في الآراء وأساليب الأكاديمية الجافة وتقدم لي الفلسفة عمومًا وفلسفة الفن وعلم الجمال بشكل خاص مجالًا لتوسيع رؤاي وتعميق النص البصري وإثرائه.. ليس هناك فن جاد بدون رؤية فلسفية”، “أعتقد أن الصدق حاجة مُلحة للفن الجيد” قالت.


 لا أنتمي لمدرسة بعينها أنا نتاج الاتجاهات الفنية المعاصرة أحيانا أقترب من التعبيرية

تأثرت آمنة النصيري في بداياتها بالفنان اليمني الراحل فؤاد الفتيح ثم تأثرت بأسلوب الراحل هاشم علي في لوحاته المنفذة بالأبيض والأسود، بعد ذلك ظهرت ملامح تأثرها بفنانين مصريين مثل عصمت داوستاشي والراحل بهجت عثمان، “التقيت بالثلاثة: الفتيح، هاشم والراحل بهجت عثمان  وأتذكر كم كان حضور الأستاذ بهجت جميلًا ومبهرًا بشخصيته المرحة القريبة من طفل كبير، واتمنى أن التقي الأستاذ عصمت داوستاشي وآمل أن يحدث ذلك”.

وتتابع: “تأثرت أيضًا في مرحلة ما بـ هنري ماتيس وبالرسوم البدائية والفنون الشعبية البصرية”.

لا تنتمي الفنانة التشكيلية آمنة النصيري إلى مدرسة فنية بعينها، “أنا نتاج الاتجاهات الفنية المعاصرة أحيانا أقترب من التعبيرية”..

اللون

وأنت تنظر إلى لوحات كثيرة فإنك لن تجد صعوبة في تمييز لوحات آمنة النصيري من بينها، ستجذبك الألوان الحمراء والخضراء والزرقاء والتناسق بينها، ستجد هناك حقول قريتك وحصونها، ستجدك هناك: إنسان، كائنات و كون.. ستسحبك الألوان من عينيك ولن تشعر بغير الراحة وأنت تغوص في عمق اللوحة.

تقول النصيري لـ أنسم: “لا أجد سببًا واضحًا لظهور هذه الألوان أكثر من غيرها عندي، ربما هو تفضيل جمالي وشخصي فحسب، فأنا أنكر قولبة علماء النفس للألوان وحصرها في رمزية محددة وتأثيرات بعينها على النفس الإنسانية، فالبشر ليسوا نفسية واحدة ووجدان متكرر”.

وتضيف: “في توظيف اللون أبحث عن اللغة الدرامية التي ينتجها تجاور الألوان، ولا يعنيني إن كان هذا الأحمر دلالة على الغضب أو الثورة.. أنا نفسي لدي رمزيتي الذاتية للألوان.. وهكذا كل فنان آخر لايؤمن  بتنميط الألوان والخطوط والأشكال ضمن دائرة مغلقة من المعاني”.


الفن ملاذي الأهم والأوحد من كل كوارث الحرب أو أشكال الأذى النفسي التي تخلفها

كون

في الـ  20 من ديسمبر 2009 افتتحت الدكتورة آمنة النصيري مرسمًا خاصًا بصنعاء يعمل كمؤسسة ثقافية مصرح بها يحمل إسم: مرسم كون لتنمية الثقافة والذائقة البصرية.

وتبنت النصيري في مرسمها إقامة ندوات وفعاليات أسبوعية وخلال فترة وجيزة تحول المرسم إلى مزار للتشكيليين والمثقفين والمهتمين بالفن، “بكل أسف مع بداية الحرب منذ العام 2015 أغلقت المرسم، على أمل أن يكون الإغلاق لفترة مؤقتة ولكنه سيبقى كذلك حتى تنتهي الحرب، فالحياة الثقافية تموت في مناخ كهذا”.

مع إغلاق المرسم “كون” توقفت آمنة عن الرسم ما يقارب الثلاث سنوات، “كنت أعيش مايشبه الصدمة وكانت أصعب سنوات العمر، فقدت الإحساس بمعنى الحياة عندما ابتعدت عن عالمي الحقيقي وبدأت الأيام تشبه بعضها، ودخلت في حالة من الارتباك الداخلي والإحباط”.

 وأضافت لـ أنسم: “بعودتي إلى الأستوديو الصغير وانجاز لوحاتي استرددت نفسي وصرت واثقة بعد هذه التجربة القاسية إن الفن هو ملاذي الأهم والأوحد من كل كوارث الحرب أو أشكال الأذى النفسي التي تخلفها”.

معارض ومشاركات

كانت أول مشاركة خارجية لآمنة النصيري في 1986 ضمن الأسبوع الثقافي اليمني ببغداد وفي 1995 كانت تقيم أول معرض شخصي في المجلس الثقافي البريطاني بصنعاء وحتى 2014 كانت قد أقامت 17 معرضًا شخصيًا، 10 منها في صنعاء والأخرى في: موسكو وألمانيا وهولندا وإيرلندا، كما شاركت في عشرات المعارض الجماعية والندوات محليًا وعربيًا دوليًا.

لدى آمنة النصيري العديد من الكتابات النقدية  في الفن والجماليات وقضايا الفن المعاصر، كما تتمتع بالعديد من الملكات، فهي تكتب القصة القصيرة، “أنا جيدة أيضًا في صناعة عرائس المسرح فقد تدربت على يد فنانة مصرية متخصصة في ذلك (الفنانة الراحلة بدر حمادة) وصممت عرائس لعدة ورش عمل فنية ناجحة”.

حكـــــــــاية لوحة

  • آمنة النصيري

“لن أنسى هذه القصة أبدًا.. أثناء اشتغالي على معرض (التحليق في سماء الروح) وكانت مجموعة من اللوحات تصور الطيور في تحليقها وموسيقى حركة الهجرة في الفضاءات، كان في الأعمال مسحة رومانسية وصوفية معًا وفجأة وأنا أرسم عرض التلفزيون مشهدًا لطفلة فلسطينية تنتحب أمام شاطئ البحر بجانب جثث جميع أفراد أسرتها الذين قتلهم جنود إسرائيليون، هكذا بلا أدنى سبب.

تألمتُ كثيرًا وحاولت أن أطرد المشهد من مخيلتي وصممت على مواصلة الرسم، فكانت النتيجة إنني دون شعور و قصدية بالفعل رسمت لوحة تراجيدية تمامًا، فالطيور المحلقة في اللوحات في سماوات حالمة استحالت إلى طيور خضراء تتهاوى في لهب اللون الأحمر وكأن الحياة تشدها من الأفق الحالم إلى الأسفل المحترق في عالمنا العنيف المدمر.

هذا العمل فاجئني بفكرة إن الفنان مثل قطعة إسفنج يمتص الألم ويعيد إنتاجه في معالجة جمالية داخل نصه أيًا كان سواء قصيدة أو لوحة أو رواية”.

من لوحات معرض تحليق في سماء الروح .. آمنة النصيري

المصدر | مادة خاصة بالبوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم

يمنع إعادة نشر المادة أو أي مواد اخرى لـ أنسم دون ذكر المصدر