معبد الإله عَثْتَر في السَّوْدَاء

1٬088
جان فرانسوا بريتون*

في العصر القديم لجنوب شبه الجزيرة العربية (800–110 قبل الميلاد) كانت جميع مدن جنوب شبه الجزيرة العربية، سواء العواصم أو التجمعات الثانوية وحتى العديد من القرى، تضم معبدين على الأقل، يقع أحدهما في وسطها والأخر خارجها. 

الجهة الشرقية للمعبد مع المقاعد النصف دائرية (لقطة البعثة الأثرية الفرنسية في الجوف).

ونفترض بأنهما لم يكونا مخصصين لنفس الآلهة بالضرورة، إلا أن الشواهد في بعض الأحيان تقول عكس ذلك، فأحد هذه المعابد يقع بالقرب من مدينة نَشّان (السَّوْدَاء حالياً)، عاصمة مملكة “نَشّان” التي برزت روعتها في القرن الثامن والقرن السابع قبل الميلاد. فعلى بُعد 700م شرق المدينة ومنذ ما يقارب العشرين سنة لا تزال هناك ربوة ترتفع بأكثر من أربعة أمتار تبرز فيها العديد من الأعمدة والعقود المزخرفة، وقد دفعت أهمية تلك الأطلال بالبعثة الأثرية الفرنسية في الجوف إلى الشروع في عملية التنقيب، وفي وقتنا الحاضر يعد هذا المعبد أحد أبرز النماذج للمعابد الواقعة خارج الأسوار والتي تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد.

زخارف استثنائية

يضم المعبد ذو المساحة البسيطة (15.50م طولاً و14.10م عرضاً) جداراً سميكاً يحيط بالفناء الداخلي المحدد بالأروقة. يتجه هذا الجدار، الذي توجد فيه بوابة ضخمة من الجهة الغربية، نحو الداخل ليشكل ممراً مزوداً بمقاعد منخفضة. ويطل الجدار على ساحة مركزية من خلال بوابة ثانية، محددة برواقين على طول امتدادها. كل رواق منهما مدعم بتسعة أعمدة تترابط مع بعضها بواسطة مقعد. وفي الجهة الشرقية توجد منصة من الكتل النصف دائرية محددة بعمودين. وأخيراً، وباتجاه المدخل يشكل الجدار صندوقاً ضيقاً يتخذ شكل القبو. ولحسن الحظ، فقد تم العثور على أغلب كتل سقف المعبد تحت أنقاض المبنى المنهار، وقد مكنت الكتل المكتشفة في مكان السقوط من القيام بترميم المعبد والتي تربو عن 200 كتلة والتي قام جيرار روبن بدراستها بشكل دقيق.

وفي الجهة الغربية، كان يعلو بوابة المدخل في الأصل عقد مزخرف: وهناك بوابة ثانية تحمل عقداً مزخرفا أيضاً أقصر وأقل انخفاضاً. وفي النهاية، كان هنالك بلاطات طويلة تغطي الممر. وكانت السلسلتان الموجدتان في الفناء والمكونتان من تسعة أعمدة تحمل فوقها مجموعة من السقوف المسنودة التي تحمل بدورها جسوراً حجرية تقع على حواف الأروقة وتبرز باتجاه الفناء. وأخيراً، وعلى المستوى العلوي كانت البلاطات الرقيقة تشكل الغطاء. كما أن البلاطات كانت تعطي المنصة والمقصورة الشرقية. وفي النهاية لم تترك وضعية جميع الكتل تلك سوى فضاء مركزي مفتوح بمساحة 41 متر مربع.


تذكر النصوص المنقوشة على البوابة الغربية أن الملك أبي عمار صادق هو من بنى المعبد

وتكمن أصالة هذا المعبد في روعة تصميمه وزخرفته، فقد كانت الأعمدة الأربعة للمدخل الغربي مزخرفة بشكل كلي بزخارف متتالية محاطة بخطوط متعرجة على عدد من واجهاتها، ومن الأسفل إلى الأعلى نلاحظ أزواجا متكررة من الثعابين المتشابكة ورماح ووعول مقرفصة، وشخصيات نسائية ونقوش ومزهريات ومشهدين أماميين لوعول مقرفصة أخرى وثعابين متشابكة ونعامات ورماح ولوحتين لوعول تعتلي نباتات ذات أغصان طويلة.

الأعمدة الثمانية عشر التي تحيط بالفناء مزينة في أحد وجوهها فقط بنفس الزخارف في حين أن الأوجه الأخرى كانت إما مصقولة أو تعلوها زخارف الشواهد المهداة للإله عثتر ذُو رَصَاف المخصص له هذا المعبد. وأخيراً، فأوجه أربعة من الأعمدة الشرقية مكسوة بنفس الزخارف وبشكل فظ. وفي قلب هذه الزخارف، تقبع شخصيات نسائية تستدعي الاهتمام بشكل خاص. والشخصيات النسوية تقف على قواعد وترتدي ملابس طويلة مضبوطة المقاس وبشعر مجدول، في الأذرع اليمنى أداة غريبة ذات شكل منحني وفي اليسرى عصا طويلة، مع تنوع أشكال أولئك النسوة حسب الموقع. تلك الشخصيات النسوية التي يطلق عليها بنات عاد هي السبب الرئيس الذي جعل هذا المكان يحمل هذا الاسم معابد بنات عاد، إلا أن هذه التسمية الحديثة ليس لها علاقة بالآلهة التي بُني لها المعبد منذ القدم.

⇐ اقرأ أيضًا في أنسم| حكاية مهندس فرنسي.. المهمة المستحيلة في بلاد مملكة سبأ                     

استعادة محورية هندسية للمعبد منظور من الغرب (رسم جيرار روبين).

ملوك نشان

مكنتنا شواهد البناء والنصوص التي تم العثور عليها أثناء التنقيب من تحديد تاريخ المعبد. إذ تذكر النصوص الأربعة المنقوشة على البوابة الغربية للمدخل بأن الملك أبي عمار صادق هو من قام ببناء المعبد. علاوة على ذلك، كانت أعمدة البوابة الأربعة مدخلة في الجدار الذي يحيط بالمعبد والتي تم تحديد تاريخها بواسطة مادة الكربون 14 بأنها ترجع إلى القرن الثامن قبل الميلاد، غير أن هذا الجدار يضم وبشكل غريب العديد من الكتل المستخدمة من قبل. فهل أٌحضرت هذه الكتل من مبنى قديم أو من معبد كان قائما بالمناطق المجاورة؟ فمن الصعب معرفة ذلك وبالتالي تحديد عمل ذلك الملك.

وفي الفناء، تذكر عدد من النصوص القديمة ملوكاً آخرين لنشّان ويبدو أنها جاءت بعد نصوص الأعمدة بفترة طويلة. فقد جاء ذكر سَمْهُو يفع يسران نجل لبأن، ملك نشّان في نقشين. وقد اشتهر هذا الملك بعد انهزامه أمام كرب إيل وتر، ملك سبأ، أثناء الحملة العسكرية الخامسة والسادسة التي قادها هذا الأخير في بداية القرن السابع قبل الميلاد. كما جاء ذكر أربعة ملوك آخرين هم: دَدّ كَرِب ومَعْدي كَرِب ويَدَع أبّ، والثلاثة جميعهم إخوة سَمْهُو يَفَع، ويَعْدَب أمْر بن سَمْهُو يَفَع هو من قدم قربانا للمعبد. ولقد كانت فترة حكم لبأن ونجله سَمْهُو يفع قصيرة جداً نظرا لأنهما عاصرا كرب إيل وتر بن ذمار علي الملك الوحيد لسبأ والذي استمر على ما يبدو ما يقارب الخمسين عاماً، حوالي في الفترة الواقعة ما بين 680 و630 قبل الميلاد.


يحظى هذا المبنى بأهمية مزدوج، فهو يعد واحداً من النماذج الأولى لمعابد بنات عاد

فما هو المدى الزمني الذي أستمر فيه هذا المعبد في أداء وظيفته؟ يمكننا عدد من نقوش الطقوس في مواضع البخور من الافتراض بأن الاستيطان ظل مستمراً حتى أواخر القرن الرابع قبل الميلاد. وبالرغم من أن سوء صيانة شبكات الري، قد أدى بالمقابل إلى طمر المعبد برواسب نهرية، إلا إن الزوار استمروا بالتردد على هذا المكان: ففي القرن الأول الميلادي، قام الزوار بإعداد طاولات إراقة الخمر أو الزيت بعرض تقديم القرابين للإله وكذا أماكن أداء طقوس البخور وقدموا العديد من القرابين من المواد الخزفية. وفي النهاية أدى الترسب (الغريني) إلى طمر كل أماكن تقديم القرابين تلك وتغطيتها بطبقة رقيقة من الرواسب الطينية.

وقد شهد المبنى في وقت متأخر أضراراً جسيمة حيث انكسرت أعالي الأبواب المقابلة للعتبات (السواكف) بفعل الحريق أو النقل. وقد اكتشف المعبد على هذا الحال وتم الشروع بعملية التنقيب بعدها ببضع سنوات (1988م–1989م). وفي النهاية تم القيام بأعمال الترميم في عام 1990م.

يحظى هذا المبنى بأهمية مزدوج، فهو يعد من جهة واحداً من النماذج الأولى لمعابد بنات عاد، بنمطها المعروف منذ القرن الثامن قبل الميلاد والتي شهدت اتساعاً كبيراً في مجمل وادي الجوف وحتى خارجه. ويؤكد من جهة أخرى فترة حكم الملك كَرِب إيل وَتَر، بْن ذَمَار عَلِي في منتصف القرن السابع قبل الميلاد، ومقارنته بالتالي مع “كَرِي بْلُو” ملك سبأ الذي تشير إليه النقوش الآشورية في بلاد ما بين النهرين.

*جان فرانسوا بريتون: المركز الوطني للبحث العلمي، وحدة الأبحاث المشتركة 7041، نانتيير

المصدر| من كتاب اليمن بلاد الآثار منشور في موقع OpenEdition

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom