دعاء الواسعي.. سفيرة السياحة اليمنية

964
أنسم - صنعاء: فاروق علوان

لم تكن طالبة إدارة الأعمال تتوقع أنها ستكون مرشدة سياحية في المدينة التي تحبها كثيرًا وتربت فيها: صنعاء القديمة.. لكنها بعد ذلك أيضًا أصبحت مديرة لبيت التراث الصنعاني وتمتلك مؤسسة للسياحة والتراث وباتت صوتًا قويًا في صف المدن التاريخية وحمايتها.

تقول دعاء الواسعي رئيس مؤسسة عرش بلقيس للسياحة والتراث لـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية- أنسم: “لم أخطط يومًا للعمل في السياحة ولكني وجدت في بيئة سياحية بامتياز، فمنزلنا يتوسط مدينة لاتخلو من السياح الأجانب طوال اليوم، مبنى الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية -المركز المعماري أمام منزلنا في حارة معاذ بن جبل،  فارتبطت طفولتي بكل هذا”.

تتذكر الواسعي أحداثًا معها في أزقة صنعاء القديمة لكنها لا تنسى ذلك المشهد الذي لفت انتباهها، فغير حياتها جذريًا، تقول لـ أنسم: “كانت سيدة ستينية، وكانت تتحرك برشاقة وترشد السياح الآخرين الذين يتبعونها وتشير إلى المباني والمشربيات وتشرح لهم عنها، أثارت فضولي وتعرفت عليها.. فأخبرتني أنها من استراليا وتعمل مرشدة إلى جانب كونها سائحة أيضًا”.

استمرت علاقة الفتاة الشابة بالسائحة الأسترالية “بِني سميث”، وظلت ترافقها كثيرًا، “وذات يوم أخذتني لأول مرة إلى بيت التراث الصنعاني وطافت بي أسواق صنعاء وعرفتني على صائغي الفضة الذين كانت تتردد عليهم”.


لقائي بالسيدة الأسترالية 2005 كان بمثابة حجر ألقي داخلي ليحرك المياه الراكدة

تحدي

تفطنت الفتاة العشرينية إلى المجال السياحي الأكثر إثارة ودهشة لتكتشف أن كل ذلك كان يسكنها منذ طفولتها دون أن تشعر، “لقائي بالسيدة الأسترالية 2005 كان بمثابة حجر ألقي داخلي ليحرك المياه الراكدة”.

بدأت دعاء الواسعي بالعمل عقب الثانوية العامة 2002 في السكرتارية والأرشفة والسفريات، وكانت تتطلع للأفق بثبات مهتمة بتطوير ذاتها، “بدأت أعمل على تطوير لغتي‮ من خلال ارتيادي على فنادق صنعاء القديمة والحديث مع السياح.. لقد بات العمل في السياحة هاجسي”، قالت.

لم ينتظر الأمر طويلًا حتى تحقق، “قررتُ خوض غمار الإرشاد السياحي في أزقة صنعاء، وبدأت في‮ ‬العمل ‬بالإصرار والتعلم”.

تقول لـ أنسم: “الحقيقة أنني تعلمت كثيرًا من السياح الأجانب، لقد أخذوا بيدي‮ ‬كثيرًا للعمل السياحي‮ ‬‬من أجل التعريف ببلدي وتاريخه وحضارته”.

بالنسبة لفتاة يمنية -في مجتمع يدعى بـ “المحافظ”- تعمل كمرشدة فليس الأمر سهلًا، ناهيك عن أن العمل في الأرشاد السياحي يتطلب مهارة وجرأة ولغة يفهمها السياح وثقافة وتمكُّن من المعلومات التاريخية للزمان والمكان، “قاومت تعنت البعض في‮ ‬هذا المجال خدمة للمجتمع اليمني‮ ‬وتعريف السياح باليمن السعيد، وهذا يجعلني فخورة كوني‮ ‬أول مرشدة سياحية في‮ ‬اليمن، وكانت أسرتي تقف إلى جانبي”، قالت.

ولدت دعاء الواسعي في كفر البتانون بالمنوفية في القاهرة 1983، لأم مصرية وأب يمني من صنعاء، عاشت طفولتها بين صنعاء والقاهرة، ربما كان هذا التنوع الجيني وراء شخصيتها القوية، “انا بنت بلد فلاحة، كنا كل صيف نغادر إلى مصر لزيارة أهل أمي في المنوفية”.


السياحة تخلق تفاعلًا ‬حضاريًا ‬راقيًا‮ ‬وأن المرشد السياحي‮ ‬هو السفير الحقيقي‮ ‬لبلاده

العمل الجاد

تتحدث دعاء الإنجليزية والألمانية وهذا جعل مهمتها أكثر يسرًا، تقول لـ أنسم: “كان السياح‮ ‬يتواصلون معي‮ ‬عبر الأنترنت ويبدون إعجابهم بأن تكون هناك فتاة يمنية لديها طموح واهتمام بالعمل في السياحة وتحكي‮ لهم تفاصيل الحياة اليومية في‮ ‬صنعاء القديمة‮”.

بات الإرشاد السياحي هو الشغل الشاغل للفتاة المتشبعة بروح المدينة العتيقة أحد أقدم المدن المأهولة بالسكان منذ 2500 عام، “خطرت في بالي فكرة عمل برنامج سياحي وأتعامل مع شركات ووكالات السياحة المحلية التي تعمل على تفويج سياح، فكان برنامج: عيش يوم في صنعاء القديمة”.

تقول دعاء الواسعي لـ أنسم أنها عبر برنامج عيش يوم في صنعاء كانت تأخذ السائحات إلى حمامات البخار في صنعاء القديمة، وتقدم لهن وجبات يمنية على الطريقة الصنعانية، ثم تذهب بهن في رحلة داخل أسواق صنعاء القديمة، وبعد الغداء الصنعاني تأخذهن إلى مجالس النساء “التفرطة” في أحد بيوت صنعاء القديمة، “إنه برنامج يومي من الصباح الباكر وحتى نهاية اليوم، بهدف التعريف بالعادات والتقاليد والحياة الاجتماعية في صنعاء القديمة”، قالت.

ظلت الشابة دعاء تعمل وتدرس في الجامعة حتى تخرجت في كلية التجارة من قسم إدارة الأعمال 2007-2008، لكنها كانت قد وضعت اسمًا في عالم السياحة ودونت اسمها كأول فتاة يمنية تعمل في مجال الإرشاد السياحي، “كنت أرافق الأفواج إلى أكثر من مكان ومدينة وليس في صنعاء فقط”، قالت.

وأضافت لـ أنسم: “أكسبني‮ ‬العمل كمرشدة سياحية ثقافة واسعة وفهمًا لدوري الحقيقي‮ ‬في‮ ‬الحياة وعرفت هدفي‮ وبات كل شيء واضحًا..عرفت أن السياحة تخلق تفاعلًا ‬حضاريًا ‬راقيًا‮ ‬وأن المرشد السياحي‮ ‬هو السفير الحقيقي‮ ‬لبلاده”.

⇐   مهددة بالشطب من قائمة التراث العالمي.. #صنعاء_تتآكل |   اقرأ أيضًا في أنسم                 

بيت التراث

في العام 2005 وضعت دعاء الواسعي قدمها لأول مرة في بيت التراث الصنعاني داخل مدينة صنعاء رفقة صديقتها السائحة الأسترالية، لكنها في العام 2016 كانت تقف على رأس البيت وإدارته بتكليف وزاري وفي 2017 تم تعيينها رسميًا: مديرًا عامًا لبيت التراث الصنعاني التابع لهيئة حماية المدن التاريخية، “لم أكن أتخيل ذلك أبدًا” قالت.

بيت التراث الصنعاني كان قصرًا قديما يتجاوز عمره 800 سنة في حارة الأبهر بصنعاء القديمة، وكان يعاني الإهمال، فعملت دعاء الواسعي على ترميمه وإعادة تأهيله من خلال التبرعات بجهود شخصية وتنفيذ مؤسستها “عرش بلقيس”.. وظلت تنادي بحماية المدينة المهددة من الشطب من قائمة التراث العالمي بسبب الإهمال وغزو البناء الحديث، بوقفات احتجاجية ومطالبات عبر السوشيال ميديا والإعلام.

بعد مغادرتها بيت التراث الصنعاني تتفرغ دعاء الواسعي الآن للعمل في مؤسستها: عرش بلقيس للتنمية والسياحة والتراث -تأسست في نوفمبر 2016- تتنقل من مدينة لأخرى للتوعية بمخاطر إهمال المدن التاريخية ومحاولة تقديم يد العون للمساعدة في حماية التراث والتاريخ.

يتحدث الكثيرون ممن عرفوا دعاء الواسعي عن حبها للتراث والتاريخ وإلمامها به وماقدمته للمدينة صنعاء، لكن عند سؤالها ستجيبك بلهجتها الصنعانية المتقنة: “أنت غر (فقط) أعمل وخلِّي غيرك يخبِّر (يتحدث)”.

*تنشر أنسم هذه المادة بتمويل من هيئة الأمم المتحدة للمرأة – اليمن

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom