أمهات صغيرات جداً

1٬438
د. بلقيس علوان*

 بجسم فتاة في الرابعة عشرة وملامح سيدة بدأت التجاعيد تغزو وجهها وكفيها المنهكتين بسبب الأعمال الشاقة والنزيف المتكرر الذي جعلها مثالاً حياً لفقر الدم وسوء التغذية، تدخل حفيظة عامها التاسع عشر محتضنة طفلها الرابع -ترتيباً- لكنه الوحيد على قيد الحياة.. توفي مولودها الأول بعد ولادته، وتعرضت للإجهاض في حملها الثاني فيما توفي الثالث بعد بلوغه الشهر السابع.

 حفيظة واحدة من مئات وآلاف الطفلات المتزوجات في طول اليمن وعرضها.. كان آخر يوم في اختبارات الصف السادس الابتدائي هو آخر أيامها في المدرسة ودَّعت بعده المدرسة وودعت طفولتها أيضاً، لقد اتفق الشقيقان على عقد قران حفيظة وجابر، لم توافق ولم ترفض ولم يكن لرأيها قيمة.

كانت الأصوات تتعالى في اليمن لتحديد أدنى سن للزواج بثمانية عشر عاماً، ومثل مشاريع قوانين كثيرة كان يفترض أن تصاغ استنادًا لدستور ما بعد مؤتمر الحوار الوطني الشامل: لم تُصَغ ولم يَرَ الدستور النور.. وقبله كانت لجنة الشريعة بمجلس النواب وممثلي الأحزاب الدينية في المجلس يعارضون إصدار ذلك القانون، بل أن نساءً ينتمين إلى جامعة الإيمان نظمن حينها مظاهرة رافعات شعار (نعم لحقوق المرأة المسلمة في أحكام الشريعة).


14%من الفتيات يتزوجن قبل سن 15 فيما 48% يازوجن قبل سن الـ 18

يتذرع كثيرون بأن الفتاة يمكن أن تبدأ حياةً زوجية وإنجابية بمجرد بدء الطمث لديها، وهو ما يختلف بشأنه الأطباء والمختصون في علمي النفس والاجتماع.

 وتتضارب الأرقام حول انتشار الزواج المبكر في اليمن، إذ تشير تقديرات إلى أن أكثر من 48% من الفتيات يتزوجن قبل بلوغ الثامنة عشرة من العمر.

وتشير بعض الإحصائيات إلى أن نسبة 14% من الفتيات يتزوجن قبل بلوغ سن الخامسة عشرة وكل تلك التقديرات ترجع لما قبل 2014، لكن تقريرًا لمكتب تنسيق الأمم المتحدة في اليمن (أوتشا)، صدر في مايو 2019، يورد أن زواج الفتيات دون سن الـ 18 عاماً ارتفع نحو ثلاثة أضعاف بين عامي 2017 و2018 وهي نسبة مخيفة بالنظر إلى اتساع الظاهرة قبل ذلك ومن الطبيعي أن النسبة آخذة في الزيادة نظرًا للظروف الأمنية والاقتصادية التي تعصف باليمن وسكانه منذ أكثر من ست سنوات، فانهيار الوضع الاقتصادي والأمني واتساع دائرة البطالة وانعدام الدخل قذف بنسبة كبيرة من السكان تحت خط الفقر، مما يجعل تزويج الطفلات أحد إجراءات بعض الآباء  لكسب المال إذ غالبا ما يستأثر الأب بمهر ابنته الطفلة ليواجه متطلبات الحياة، وقد تكون عملية التزويج تسديدًا لدين.. وتتسع الظاهرة انتشاراً في الريف وفي أوساط النازحين كما تتفاوت انتشاراً من محافظة لأخرى.

⇐   اليمنيات.. معاناة وإبداع في مدن اللجوء والهجرة |            اقرأ أيضًا في أنسم                      

وتغذي الثقافة الشعبية والموروث الاجتماعي الكثير من الأفكار التي تجعل من الزواج المبكر وخصوصًا للفتيات أمرًا محمودًا ومألوفاً، ولعل كثيرين قد سمعوا المثل القائل: (زوج بنت الثمان وعليا الضمان)، ويفضل كثير من الشباب أن يتزوج صغيرة السن ليربيها كما يشاء، وتكبر في بيته على حد قوله.

ذاعت قصة نجود التي زوجت في العاشرة من عمرها وبعد معاناة استطاعت الحصول على الطلاق في المحكمة، كما شاعت مأساة الطفلة روان ذات الثمان سنوات التي توفيت ليلة زفافها نتيجة أصابتها بنزيف داخلي.

ومثل قصة نجود وروان العديد من القصص التي وصلت إلى منظمات رعاية حقوق الأطفال أو إلى قاعات المحاكم للحصول على الطلاق، لكن الكثير من الطفلات تستمر حياتهن كزوجات وأمهات فيما بعد ويقمن بأدوار لا تتناسب مع سنهن ولا قدراتهن، ويفقدن فرصهن في مواصلة التعليم، والنضج الجسدي والنفسي، وحتى في اختيار شريك الحياة، فعندما تكبر إحداهن وتصبح في سن تستطيع معه بوعي اتخاذ قرار الارتباط تكون قد أصبحت أمًا للعديد من الأطفال الأحياء منهم والأموات، وسيظل الحد من هذه الظاهرة  مُرجأً إلى أجل غير مسمى. 

ومثل حفيظة التي تحتضن طفلها الرابع -لكنه الوحيد على قيد الحياة- كثيرات عانين ويعانين بصمت ويعشن الواقع، يؤدين كل مهامهن زوجات وأمهات وقوة عمل في البيت والمزرعة لم يخترن شيئًاً مما هن فيه ولكنهن يعشن الأمر الواقع.

المصدر| مقال خاص بالبوابة اليمنية للصحافة الإنسانية