مريم الذبحاني.. كيف غيرت السينما حياتي في 14 دقيقة

1٬646
أنسم: فاروق علوان

على خلاف رغبتها، درست مريم الذبحاني الصيدلة السريرية تلبية لرغبة والدها.. وبعد سنوات: 14 دقيقة لفيلم “مجرد ذكرى” كانت كفيلة لأن تغير حياتها، لتعرف ماذا تريد.

“ماذا ستفعلين لمساعدة الناس في اليمن؟” يسأل أحد الأساتذة في جامعة نورث ويسترن الأمريكية في الدوحة.
تقول مريم لـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم: “كان يكرر عليَّ نفس السؤال كلما رآني.. لقد ضايقني ذلك كثيرًا؛ كان ذلك يمثل ضغطًا كبيرًا لي: كيف لشخص رحل لتوه من بلده ليبدأ حياة جديدة أن يجيب عن ذلك.. كنت لا أزال استجمع شتات نفسي ولم أكن أعرف كيف أساعد نفسي وأسرتي فكيف سأساعد 30 مليون إنسان”.

الهروب للأفلام

تقول مريم المولودة في صنعاء 1990 لأب يمني وأم روسية: “كانت الأفلام وسيلتي للهروب من الواقع غير المفهوم بالنسبة لي، أنا يمنية روسية، في بيتنا نتكلم روسي، تلفزيون روسي، الأغاني روسية على النقيض في الخارج كله يمني عربي، فكان لابد أن أجد عالمًا خاصًا تعلمت اللغة الإنجليزية من الأغاني والأفلام ارتبطت بقنوات الأفلام وأنا في الصف السادس الإبتدائي، فكان عالمي مختلفًا في البيت أعيشه لوحدي”.
وتشير لـ أنسم أنها عندما انتهت من الثانوية العامة 2010 كانت تحب أن تدرس الإعلام ولكنها لم تتوفق لأن والدها اقترح عليها دراسة الطب أو الهندسة، “أخذني والدي إلى مبنى كلية الإعلام بصنعاء، ورأيت الكلية وكيف أن الطلاب لا يزالون بدون تطبيق عملي، فلا أدوات تصوير ولا مونتاج ولاحتى مطابع أو صحيفة.. لقد أراد والدي أن يقنعني أن دراسة الإعلام لن تفيدني، وكان له ذلك، فالتحقت بدراسة الصيدلة”.


كنت أعمل وذكريات الحرب وقلقي على عائلتي لا يفارقان رأسي، فلم أستطع الاستمرار

هاجس الإعلام
ظلت مريم تدرس الصيدلة السريرية في الجامعة اللبنانية وتعمل في أحد المعاهد لتدريس اللغة الانجليزية، “لأعين نفسي ومصاريف دراستي” قالت.
ظل الإعلام هاجس الفتاة فبدأت بممارسته ميدانياً مع أصدقاء لها في 2011 مع قناة العقيق وقناة اليمن اليوم، “بدأنا بالتعلم الذاتي وكونا مجموعة، وعملنا أول برومو أخبار لقناة اليمن اليوم وفواصل إعلانية رمضانية وفيلم قصير للعقيق كان أول انميشن طباشيري في الشرق الأوسط تباعًا له تواصل معنا مجموعة فتيات من الدوحة يحبوا شابورد انميشن مماثل، وبعدها تلقيت دعوة للعمل معهم”.
تقول لـ أنسم: “كانت أول تجربة سينمائية لي وزملائي في 2011 لفيلم قصير اسمه “السلام” كان على زمن الثورات حاولنا نشارك فيه ضمن مسابقة للسلام ولكنها ألغيت.. كانت إمكانياتنا بسيطة استعرنا الكاميرا.. والميكروفون لم يكن جيدًا، لكن كنا متسلحين بالشغف”.
إلى الدوحة
أواخر العام 2015 غادرت الشابة مريم الذبحاني اليمن وكانت الحرب -التي ماتزال مستمرة حتى اللحظة- في أوجها، “كنت في السيمستر النهائي لدراسة الصيدلة.. فتلقيت عقد عمل بالدوحة، كما تلقى خطيبي أيضًا قبولًا للدراسة في جامعة جورج تاون بالدوحة، فقررنا الزواج والمغادرة”، قالت.
غادرت مريم إلى الدوحة ولم تغادرها الحرب وآثارها التي ظلت تعيش معها: أصوات القصف وذكريات صنعاء -التي تسيطر عليها جماعة الحوثي المسلحة منذ 21 سبتمبر-.
تقول مريم لـ أنسم: “طوال ستة أشهر كنت أعمل بالدوحة وذكريات الحرب وقلقي على عائلتي لا يفارقان رأسي، فلم أستطع الاستمرار في العمل.. كانت أيام مرهقة”.
ظلت مريم تبحث عن ملجأ من كل الذكريات التي تطاردها، “قررت الالتحاق بجامعة نورث ويسترن الأمريكية ودرستُ الصحافة والتواصل الاستراتيجي بمنحة جزئية وأخذت قرضًا أيضًا، لكنني في العام التالي حصلت على منحة كاملة من منح المتفوقين”.

⇐ اقرأ أيضًا في أنسم | تعليمي مكنني من عدم التسول والعيش تحت بيوت الصفيح                         
لحظة السينما
تقول المخرجة مريم الذبحاني: “لم أكن أتوقع أن أكون مخرجة، أحسست أن السينما مجالي من زمان، لكن لم أكن أعرف كيف أدخل إليه”.
صيف 2018 كانت اللحظة الفارقة في حياة مريم كسينمائية، تقول لـ أنسم: “التحقت بورشة صناعة أفلام تتبع مؤسسة الدوحة للأفلام، الورشة قوتني  وأعطتني مقومات عديدة وصقلتني”.
وأضافت: “كان العمل مع المخرج الكولومبي الكبير ريثي بان أمرًا فارقًا بالنسبة لي، فقد أصبح مدربي الذي أدين له بكل شيء وصلت أو سأصل إليه”.
خلال الورشة، تذكرت مريم السؤال الذي كان يطرحه عليها أستاذها في نورث ويسترن: “مالذي ستقدمينه لمساعدة الناس في اليمن؟”.
تقول مريم لـ أنسم: “الحقيقة إن هذا السؤال هز ثقتي بنفسي وأشعرني بالغضب.. لماذا يعتقدون أن اليمن هو فقط ما يرونه ويسمعونه في الأخبار: مجاعة وموت!”.
وتابعت: “عندما دخلت الورشة أدركت أنني بحاجة إلى شفاء ندوبي أولًا.. كنت أريد أن أعمل شيئًا لمساعدة الناس.. سمعت من صناع أفلام أمريكيين وعرب أيضًا أنه لا يجب أن أجعل اليمن يبدو غريبًا عن ما هو عليه” قالت.


لم أكن أعرف إن كنت سأشارك فيلمي مع العالم أو لا.. كل ما أردته هو صنع فيلم فقط

وأردفت: “لكن هذا ليس اليمن الذي أعرفه هذا ليس بلدي.. ليس هذا اليمن الذي أريد أن يعرفه العالم وليس من العدل أن نقولب 30 مليون إنسان في هذه الصورة: مجاعة وموت”.
مع ريثي كان الأمر مختلفًا بالنسبة لمريم.. “لقد مر بالكثير في حياته، كفاحه وكيف وجد طريقة من خلال صناعة الأفلام وكيف يمَّكن الكمبوديين ويعلمهم كيف يروون قصصهم بأنفسهم بكرامة.. أخبرنا في الورشة أن نروي القصص مع شخصياتنا وليس عنهم”.
أثارت كلمات ريثي وتجربته في مريم الحماس فكان فيلم مجرد ذكرى، “خلاصة الورشة مع ريثي، لكنه كان فيلمًا خاصًا لمريم وليس للعرض”.
تقول: “كنت أريد أن أحقق شيئًا من خلال الورشة لم أكن أعرف إن كنت سأشارك فيلمي مع العالم أو لا.. فكل ما أردته هو صنع فيلم فقط”.

وأضافت لـ أنسم: “لقد وجدت صوتي من خلال صناعة الأفلام وأحاول أن أكسر الصورة النمطية التي تركزت حول اليمن واختزالها في: المجاعة والموت.. أحاول أن أعبر عن توق الناس للعيش بسلام والعودة للحياة الطبيعية”..
عرضت مريم فيلمها في مهرجان أجيال في الدوحة نوفمبر 2018 وحصد جائزة أفضل فيلم وثائقي.
“كان العرض مؤثرًا بالنسبة ليس وزوجي، 14 دقيقة مرت وكنا نخاف أن نكون الوحيدين المتأثرين بالفيلم.. الجميع كان يقف ويصفق ونحن نبكي، قاموا باحتضاننا.. لقد تغيرت وجهة نظري للسينما في 14 دقيقة وأدركت أهميتها في تغيير الناس والعالم وأعدت اكتشاف نفسي”.
أنتجت مريم لاحقًا فيلم “في المنتصف” 2019 وحصد جائزة ومنحة من مؤسسة الدوحة للأفلام، وفيلم شعري “لا كلام” عن تعز وفيلم “سمسرة النحاس” في صنعاء القديمة بتقنية 360..

تقول مريم: “هناك فيلم في الطريق يتناول الصحة النفسية كورونا والحرب سيكون في سبتمبر القادم”.

أعدت أنسم هذه المادة بتمويل من هيئة الأمم المتحدة للمرأة – اليمن

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom