عن علوم الحياة التي نهمشها

2٬892
صقر الصنيدي

لم يغادر غرفته طيلة خمسة أعوام إلا لمرات معدودة.. كان في انتظار أن تنتهي الحرب ليفعل شيئا واحدًا، ليكمل ما بدأه ويجيب عن سؤال ظل لعشرين عامًا يبحث عن إجابةٍ له.

حين انتهت الحرب العالمية الأولى، خرج يوهانس شميدت لإكمال مهمته في ملاحقة ثعبان البحر ومعرفة كيف يولد وكيف يموت؟ هذا كل ما في الأمر، لكنها مهمة جديرة بالنسبة لباحث.

البشرية خرجت لترميم جدرانها، وشميدت خرج لمحاولة فك ظلمات كائن حيَّر العلماء منذ أكثر من ألفي عام.. وقد كتب تقريرًا نشرته الجمعية الملكية في لندن عام 1923، وحدد بحر سارغاسو -يقع بين أربعة تيارات وسط شمال المحيط الأطلسي- كمكان لتكاثر ثعابين البحر.

يوهانس، حصل على وسام داروين من الجمعية الملكية عام 1930 واكتملت مهمته، وبعد ثلاث سنوات توفي بالأنفلونزا، وفق ما جاء في كتاب تراتيل ثعابين البحر لـ باتريك سفينسون.

هذا الكتاب الذي صدر عن دار المنى، مسَّتني منه الأسئلة: ما جدوى أن تقرأ 280 صفحة عن كائن غامض؟.

لكن، ما أن تمسك ورقته الأولى حتى تبدأ رحلة البحث، تلك التي بدأها أرسطو عن ذات المخلوق، تفلت الصفحات من يديك لتصبح في الأعماق مع مئات العلماء الذين أفنوا حياتهم لمحاولة رؤية ما يحدث في الظلمات.


علوم الحياة التي نهمشها لم تصل إلينا ترفًا، لقد أفنى آلاف الناس حياتهم لقول حقيقة واحدة

“هكذا يولد ثعبان البحر”، هذه أول عبارة في الكتاب الذي ترجمة علاء الدين أبو زينة، وكانت لدي فرصة وحيدة للتراجع، بعدها فقدت تلك الفرصة وأصبحت أجري خلف الإجابة المغمورة في رواية فريدة تتنقل بين العلم والأدب في لحظات لا تهتم بتتبعها.. المهم أن تجاوز الجملة الأولى يُعد بداية الرحلة.

قبل الميلاد بأربعة عقود تتلمذ أرسطو على يد أفلاطون في أثينا لمدة عشرين عامًا، وكان نظيرًا له في نواحٍ كثيرة، وفقًا للكتاب، لم يتم تعيين أرسطو بعد وفاة أفلاطون رئيسًا للأكاديمية فانتقل إلى جزيرة ليسبوس، وهناك بدأ يفكر في: كيفية ظهور ثعابين البحر.. كانت تلك أول نظرة علمية لذلك المخلوق الذي سيبعث سؤالًا مهمًّا حول ميلاد الكون وانبعاث الحياة.

ظل أرسطو ثمانية أعوام يدوّن ملاحظاته وتجاربه التشريحية، وقد كتب أن أي شخص يدعّي أن ثعبان البحر يلد صغارًا، فإن جهله قد يكون ضلله أحيانًا.. ثم أكد أن ثعابين البحر تُخلق من العدم، إذ راقب بحيرة جفت وماتت كل أشكال الحياة فيها، وبعد سنوات ملأتها الأمطار مجددًا، فولدت الثعابين من الطين.. كانت هذه أطروحة أرسطو التي ختمها بعبارة: “كفى حديثًا عن تناسل ثعابين البحر”.

⇐  إقرأ أيضًا لصقر الصنيدي |      لكل واحد قضية صغيرة لم تُحل                                         

بعد هذا القول جالت الأساطير المعمورة، واقتنع المصريون أن ثعابين البحر خرجت إلى الحياة من العدم، عندما أدفأت الشمس مياه النيل، وقال البعض إنها خُلقت عندما سقطت أشعة الشمس على نوع معين من الندى الذي يغطي شواطئ البحيرات وضفاف الأنهار.. وفي الريف الإنجليزي قيل أنها تولد عندما يسقط شعر من ذيول الخيول في الماء.. كانت هذه إحدى المحركات لميلاد فكرة (النشوء التلقائي).

لقد بذل العلماء جهودًا واسعة للوصول إلى حقائق تمزّقت بين أيديهم في لحظات كثيرة منتصف القرن الثامن عشر، طُلب من الصيادين الألمان إحضار ما يشير إلى ميلاد الثعابين البحرية، وخُصصت مكافأة، وتولّت هيئة البريد نقل ما يتم إرساله عبرها، وفي نهاية المطاف كاد البريد أن يفلس بسبب كثرة الرسائل سعيا للمكافأة.

علوم الحياة التي نهمشها ونجعلها مدعاة للسخرية، لم تصل إلينا ترفًا، لقد أفنى آلاف الناس حياتهم لقول حقيقة واحدة.. عندما تطالع الصفحات لكتاب يهتم بكائن واحد، لا تجد إلا أن تقدس كل كلمة قيلت، وكل يوم مر حاول فيه باحث الإجابة على فضولنا البشري.

المصدر: تنشر المادة بالإتفاق مع الكاتب

البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom