عبدالرحمن بجاش.. الروح التي لا تنطفئ

1٬325
د. سامية عبدالمجيد الأغبري
د. سامية الأغبري

منذ أن انتقلت من وزارة الإعلام – أواخر الثمانينيات – إلى مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر، كانت علاقتي بالأستاذ عبدالرحمن بجاش – مدير تحرير صحيفة الثورة حينها- علاقة زمالة وأخوة  على درجة عالية من الحميمية والألفة.

كانت روحه السمحة وتواضعه الجم، يضفي على العمل الصحفي الروتيني في صحيفة رسمية ويومية جو من الألفة والمودة.. حاول بجاش الصحفي المخضرم بروحه المتقدة أن يرسى تقاليد صحفية ويجمع حوله الصحفيين في مكتبه كأسرة و يراعي ظروف كل صحفي وصحفية.

ما زلت أتذكر انهماكه في مراجعة المواد الصحفية لصحيفة يومية من بعد الظهر وحتى المساء بكل تفانٍ وإخلاص وفي ذات الوقت يصغى لأية صحفي يحدثه أو يستشيره بأمر ما، كان مكتبه بيتًا للصحفيين في المؤسسة وللزوار من مختلف الشخصيات الاجتماعية.


يركز بجاش في عموده على تفاصيل حياتية أسرية واجتماعية ويكتب عنها بتلقائية متناهية

عندما انتقلت لصحيفة الوحدة الأسبوعية في نفس المؤسسة كنت كثيراً ما أجد قدماي تتجه تلقائيًا إلى مكتبه للاستزادة من خبراته وإرشاداته، فلو حدث وغاب – نادرًا- لأمر ما تصبح المؤسسة موحشة وكئيبة.

كان ومازال عبدالرحمن بجاش هو الروح الصحفية التي لا تنطفئ، الإنسان الذي يعجز قلمي عن تعداد أفضاله، وأجدني محتارة من أين أبدأ الحديث عن بجاش الإنسان أم بجاش الصحفي أم الأديب والمفكر.

سأتحدث هنا عن عبدالرحمن بجاش الصحفي في مجال كتابة عموده المعنون بـ (نون .. والقلم ) والذي كثيرًا ما أداوم على قراءته بكل شغف، و أكلف طلابي بتحليل بعضًا من مقالاته لعلهم يتعلمون منه أبجديات كتابة العمود الصحفي المتميز و المرتبط بقضايا الناس وهمومهم وتطلعاتهم.

ولعل ما لفت انتباهي في أغلب المقالات التي يكتبها في عموده المشار إليه أنفًا، تركيزه على الشخصيات الاجتماعية من مختلف شرائح المجتمع ومناطقه، ومن اتجاهات سياسية وفكرية مختلفة.

يُجيد أستاذي/ عبدالرحمن بجاش الصحفي المتألق دومًا، وصف أغوار الشخصيات التي يتناولها في مقالاته، ويركز على الجانب الإنساني الإيجابي في تلك الشخصيات سواءً كانت على قيد الحياة أم رحلت إلى عالم الخلود.

⇐         بوب مارلي: رجل القناني |      اقرأ لـ أروى عثمان في أنسم                                          

يركز بجاش في عموده عن الشخصيات على تفاصيل حياتية أسرية واجتماعية، ويكتب عنها بتلقائية متناهية، فلا يبالغ في وصفها بحيث تكون شخصية خيالية، ولا يهمل شاردة أو واردة عنها، أنه يعطي الشخصية وزنها الحقيقي.. يجعلك تعجب بتلك الشخصية التي يصفها وتتمنى أن تتعرف على شخصياته التي يتحدث عنها بكل حب واحترام.. يصفها  بدقة وعمق ويبث فيها الروح التي كادت أن تنطفئ وتتوارى عن الأنظار بسبب الإهمال الذي تعانيه من الدولة أو بسبب محاربة تلك الشخصيات من جهات معينة.

ويتميز عموده الصحفي أيضًا بأنه عمود فيه ألفة وبساطة، فلم يحدث أن استخدم مصطلحات نابية، أو مستفزة، يحاول دائمًا أن يكون على مسافة واحدة من الجميع، وينقد أي ظاهرة أو مواقف معينة بأسلوب راقٍ، ويعطي لكل ذي حق حقه.. إنه الصحفي الإنسان الذي لا تنطفئ روحه الوهاجة بالحب والتسامح مع الجميع. لم أسمع يوما أن له أعداء أو حاقدين، فالكل يكنون له كل التقدير والاحترام.. إنه مدرسة صحفية متكاملة..

وحين تم اختياري – دون كل زملاء وزميلات مهنة المتاعب- كي أتحدث عنه في نادي القصة بصنعاء، أثناء فعالية لتكريمه – لم أتردد لحظة واحدة وكان شرفًا لي الحديث عنه ولكنني ارتبكت فعلًا ولم أتمكن حينها من الحديث عنه كما يجب.


لا يعيش بجاش حالة فصام فهو أب متحضر ومنسجم مع قناعاته بحق المرأة في الحياة الحرة

فيما تحدثت عنه وبنفس الفعالية إبنته “تاج” كصديق حميم، وكيف يتعامل معها كإنسانة لها حق اختيار أسلوب حياتها ودراستها، وكذا اختيار شريك حياتها، دون خوف.. كانت تتناقش معه في أدق أمورها الخاصة، ولم يحدث يومًا أن فرض عليها قناعاته.

كانت شهادة “تاج” عنه تنم عن صحفي لا يعيش حالة انفصام في الشخصية فهو أب متحضر ومنسجم مع قناعاته بحق المرأة في الحياة الحرة والكريمة.

كما أن علاقته بزوجته تبدو علاقة أكثر رقيًا، فأسرته حاضرة وبقوة في مقالاته، في كل مناسبة أو موقف يحدث في الأسرة، فتجده يعامل زوجته كأخت وصديقة ويذكرها بكل فخر.. وبنشره صورته معها في صفحته على الفيسبوك يرسل رسالة للآخرين وخاصة الصحفيين في اعتبار المرأة كائن اجتماعي لها الحق في أن يُكتب عنها وتبرز صورتها للمجتمع.

أما الأستاذ عبدالرحمن بجاش فكان حديثه في ” حافة إسحاق” – وهو الكتاب الذي صدر له مطلع العام الجاري- عن تجربته الحياتية منذ مولده وحتى انتقاله إلى تعز ثريًا ومشوقًا، فقد مزج بين سيرته الذاتية  والمحيط الذي عاش وترعرع فيه وأثر وتأثر به إنها سيرة وطن.

المصدر| مقال خاص بالبوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom