مُجرد عابرٌ في بلدي!

216
صقر الصنيدي

أعاد رأسه إلى داخل سيارته، لكن الكلمات التي أطلقها في الهواء لم تعد معه، لقد أصبحت جزءًا من ذاكرتي.

الطفل الذي مرّ مسرعًا أمام سيارة الرجل، هذه أول مرة أراه فيها ولن أراه بعدها ومع ذلك فقد ظن السائق أنني الأب، فوجه كلماته القاسية نحوي ومضى دون أن أخبره أني مجرد عابرٍ قرب الساحل.
من الجيد أنها كلمات خرجت من السيارة وليست فوهة بندقية.. هنا ممكن أن تفقد حياتك لمجرد سوء الظن.

أهرب بما سمعت إلى الشاطئ وأحاول أن أغير الموضوع في رأسي وأدفع الكلمات من بالي.. أنا مجرد عابرٍ في مدينة تشهد تحولًا وتستعد لمجاهيل.
أرقب المسافة التي تقطعها قدمي حين تعلو ثم تقترب من الأرض وتستقر للحظة قبل أن تعلو مجددًا وكأنني أسحبها من بين الأكوام..


معظم المارين لا ينظرون حولهم؛ بل يدققون بطريقة سيرهم

هذا هو الأمر الجدير بالحسبان هنا..
إيقاع حبات الرمل الحارة وهي تهوي نحو قدمك لتشبث فيها.. معظم المارين لا ينظرون حولهم؛ بل يدققون بطريقة سيرهم، مُصغين لإيقاع اللقاء بين الأرض وبين حافتهم.
لا أحد يريد رؤية ما يحدث.. دفع كثيرون أعمارهم ثمنًا للنظر حولهم..
أولئك الذين أدلوا بشهاداتهم حملوا على الأكتاف بعد وقت قصير من قول ما حلّ أمامهم.. ابصر أمامك فقط، حتى لا تصمت إلى الأبد.
في باص الأجرة الذي يتحرك من الشيخ عثمان إلى خور مكسر فقدت القدرة مجددا على الحديث، رأيت الإجابة لسؤال أحدهم لكنها أخذت تتوارى أكثر..
أصبحت أخرس فجأة إلا من نظراتي نحو السؤال: “قول لهم ايش كنت أصيح واحنا بالفرزة، كنت أقول الخور ماكنتش أقول عدن”؟.


نيويورك تايمز: اليمنيون شعب مشوش تجاه المعلومات التي يتلقونها بلا مسؤولية

أعتقد أنني نسيت فعلا ما سمعت وأصبحت مشوشًا بعد أشهر مما حدث معي، وصفت نيويورك تايمز اليمنيين بأنهم شعب مشوش تجاه المعلومات التي يتلقاها بلا مسؤولية.
كان عدد من ركاب الباص قد هبطوا ووقفوا عند الباب الذي أجلس خلفه، أصواتهم تتدخل: أنت ايش سمعت؟
السائق ينظر نحوي من الجوار ومن في الخارج أكثر مني، وأنا الغريب من وجهة نظرهم الجديدة ولا أدري بمَ يفكرون أيضا.
أعيد مراقبة أقدامي الساكنة وحبات الغبار ممسكة بها.. (خلاص مسامح امشوا) قال السائق وقد يئس من سماع شهادتي.. لقد خذلته.
لا أريد أن أُسحب إلى تحت أقدام الغاضبين، أنا مجرد عابر في بلدي.
لم يعاتبني الرجل فقد أحس بالصخرة التي انزاحت مني وأنا أُحصي الرمل: (هم أصلًا مش ناويين يحاسبوا ويشتوا يخلونا الغلطان).. هربت مجددًا إلى الساحل.. البحر أهدأ من كل ما في المدينة التي تنتظر الانفجار.
قال مراسل وكالة دولية في عدن “كم ناوي تجلس؟، الأمور بتتطور، واحتمال يغلقوا المطار لو ناوي تسافر سافر في أول رحلة “.
بعد أسابيع قليلة وقف رجل محاط بالمسلحين وعلى كتفه رشاش وتحيطه المتفجرات ومن رأسه تهبط خصلات شعر لفتها الأيام، قال: “خلاص غلقنا المطار سنحرق عدن وسنحرق من يحرق عدن”..


في فبراير كانت عدن تسير نحو مآلها، وكان ركاب السفينة يعرفون أي برّ ينتظرهم

كانت عدن تتهيأ فعلًا لما هو أسوأ.. كان السكان وأولهم السائقون يقدرون المسافة الى المجهول القادم نحوهم.. ولقد كانوا أغضب من في المدينة، وأشدهم حساسية لما سيحل بأيامهم
“كنا زمان نشتغل”، قال الذي حملني إلى صالة المغادرة، مضيفاً: “قد أنا حافظ الرحلات ومن أين تجي وإلى أين تذهب وحتى وجوه المسافرين أعرفها”.
القرى وليست المدن ما يحيطها أهلها علمًا، وقد أصبح سكان أول المدن تحضرًا في جزيرة العرب يحيطونها.
قال الرجل الذي نسب نفسه إلى منطقة ريفية بعيدة إنه كان يعمل في قارب بائعًا متجولًا وقد اضطر لتفسير ما كان عليه في الزمن الحلو بالنسبة إليه.. “كانت تجي السفن الكبيرة فنقترب منها بقواربنا التي تحمل بضائع مختلفة، نبيع لهم ما يريدون قبل أن يغادروا”..
بعد فترة من ذلك اليوم نشر أحمد محمود السلامي وهو إعلامي بارز في عدن صورة لتلك القوارب وهي تدنو من السفن مذيلًا الصور بسؤال: هل تتذكرون اسمها؟!. تبين أنه يقصد قوارب البوت مان أي رجل القارب وهي من بين المهن التي فقدتها عدن وحل مكانها موقفو الرحلات من وإلى المدينة التي تعيش الذكريات أكثر من الواقع.
من يرفع الحقيبة ينتسب إلى منطقة ريفية أخرى ألصقها به السائق وهو يناديه.


كنت أعتقد أن الدخان يتصاعد من مدفأة ولم أرَ الحريق إلا وقد حل

كلهم هنا يحملون قراهم معهم، كانوا قد تركوها لزمن، بل وأخفوا من أين جاءوا، لكنه موسم العودة إلى كل بائد في الشمال وفي الجنوب.
في فبراير كانت عدن تسير نحو مآلها، وكان ركاب السفينة يعرفون أي برّ ينتظرهم، إلا أنا فقد كنت أعتقد أن الدخان يتصاعد من مدفأة ولم أرَ الحريق إلا وقد حل.
لمَ لم أفكر أن جو المدينة الساحلية لا يحتاج إلى مدفأة؟.
في فبراير كانت عدن تعد نفسها لما هي عليه الآن وكان يسيرًا معرفة ذلك ورؤيته بوضوح في عيون الناس وفي طريقة سيرهم وقد كنت واحدًا ممن ساروا على الشاطئ ولم يدلوا بشهادتهم.

المصدر | نقلًا من صفحة الكاتب في الفيس بوك