سفينة شهاب الدين الحجازي.. أغنية يمنية هاجرت إلى مصر

1٬042
جمال حسن

تعود أول وثيقة عن الموسيقى المصرية إلى الربع الأول من القرن التاسع عشر، لكنها تطرح احتمال وجود أغانٍ جذورها يمنية هاجرت إلى مصر، أو أقطار عربية مجاورة. هل اصطحب اليمنيون المهاجرون أغانيهم واستوطنت هناك إلى حين؟ ولعلها ألحان ذات جذور يمنية بقيت لزمن، ثم انقرضت وامتزجت بعض ثيماتها اللحنية ليهضمها الغناء، لأنها مثل كثير من الألحان، لم تعد معروفة في اليمن أو خارجها.

تعتبر الكتابات الموسيقية العربية أن كتاب “سفينة الملك ونفيسة الفلك” لـ محمد بن إسماعيل شهاب الدين الحجازي، بداية تاريخ الموسيقى المصرية الحديثة، وهو ما أفضى إلى النهضة الموسيقية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. تحتوي سفينة شهاب الدين تدويناً نظرياً موجزاً عن المفاهيم الموسيقية الشائعة شفاهياً آنذاك. وجمع فيها أكثر من 300 موشح كان غناؤها لا يزال معروفاً في ذلك الزمن.

على أن جميع ما تم تناوله عن الكتاب ظل قاصراً، فيرى أحد النقاد أهميته في تجميعه موشحات أندلسية كادت أن تندثر، فيما كثير من الموشحات مُطعمة بكلمات دارجة ليست جميعها مصرية، وما يهمنا هنا هو تلك الموشحات المُطعمة بكلمات من العامية اليمنية.

على الأقل، هناك موشح مؤكد انتسابه للشاعر اليمني أحمد بن فليتة، يقول مطلعه: “لي في ربى حاجز غُزيل أغيد، ساجي الرنا”. عاش بن فليتة في بلاط الدولة الرسولية في تعز خلال القرن الرابع عشر، وله ديوان بالعربي الفصيح ليس فيه تلك الموشحة العامية، وتوجد نسخة منه في صنعاء وأخرى في القاهرة.

المُرجح أن ذلك الموشح كان يُغنى مع جهل هوية صاحبه. واكتفى شهاب الدين في سفينته بذكر مقام الغناء وضربه. وبعض الموشحات لها أكثر من لحن، كما قصيدة بن فليتة التي لها لحنان، أحدهما راست وضربه سماعي ثقيل، والآخر سيكاه وضربه سماعي دارج.

اللافت في لحن الراست لقصيدة بن فليتة وجود أبيات مُلحقة بالنص الأصلي. مثلاً، بعد البيت الأول، يأتي بيت مُضاف ليس من النص الأصلي، هو “وجدي عليك وجدي يا ساكن النجد”. دوّن شهاب الدين الأبيات المُضافة إلى النص الأصلي في الدور الأول (كل دور يحتوي أربعة أبيات)، لافتاً إلى أن تلك الزيادة لضرورة التلحين.

على النقيض، فلحن السيكاه مجرد من الزيادة. لكن هل اللحنان أصلهما يمني؟ هناك لحن لهذا الموشح ما زال معروفاً في اليمن على مقام الراست، لكن من دون تلك الإضافة المُلحقة. فهل هو نفسه اللحن الذي عرفه شهاب الدين مع بعض الاختلافات اللحنية المُصاحبة للأبيات المُلحقة، أم أنه لحن آخر؟ لا نغفل ما ينبغي أن يطرأ على اللحن اليمني من تغيرات ليلائم أعراف الغناء في مصر نتيجة الاختلاف الواضح في النسيج الغنائي بين المدرستين الغنائيتين.

اللافت هو ما جرى على موشح بن فليتة من تعديلات في سفينة شهاب الدين، مقارنة بمخطوطة يمنية تعود إلى أحمد بن أحمد الحوثي. فالبيت الثاني من الموشح “نهده على قده يقدني قد”، يدونه شهاب الدين “نهده على صدري يقد بالقد”. شهدت الموشحة في سفينة شهاب الدين الكثير من التعديلات، فكلمة “أصبحت” تُستبدل بـ”أمسيت”، وربما تكون أمسيت هي الأصلية لاستخدامها الشائع في الشعر العامي التعزي. بينما يتأكد لنا أن شهاب الدين عدل بعض الاستخدامات اليمنية الدارجة، كما في البيت الثالث “يا مسلمين شاموت أنا وشاخمد”، والشين تحل مكان السين للدلالة على المستقبل في العامية اليمنية، لكنها في السفينة تتحول “ساموت أنا واخمد”.

⇐ الفنانة والباحثة التونسية مهر الهمامي: أعشق الأغنية الصنعانية  |      اقرأ أيضًا في أنسم               

غير أن بعض الموشحات الموجودة في سفينة شهاب الدين حافظت على مفردات عامية يمنية، مع وجود بعض التعديلات المُحتملة. ولعله استبدل الشين في البيت الرابع من موشحة تلحينها سيكاه وإيقاعها سماعي سربند، لتصبح “سأقول في حكم الهوى والأقدار”.

فيما يحتفظ النسيج الشعري بعاميته اليمنية في الدور الثاني من الموشحة بصورة لا لبس فيها: “غزال وا ارعن وامكحل العين، مليح وازين، انعم بوصلك شانقضي الدين”. مع الاحتفاظ بالشين اليمنية للدلالة على فعل المستقبل.

تمدنا سفينة شهاب الدين بكثير من الدلائل الواضحة على وجود موشحات يمنية. وذلك لا يقتصر على وجود ألفاظ عامية يمنية، إنما تتجلى اليمن في المضمون الشعري الغزلي. وهو ما تعلنه موشحة لحنها راست وإيقاعها دارج، منذ مطلعها “سأقول ما حالهم بعدي احباب قلبي نزول اليمن”.

وفي الأبيات اللاحقة يتحول النسيج اللفظي للموشحة يمنياً خالصاً كما في السفينة: “امانتك واصبا نجد اذا وصلت الربوع الوطن، ادي لهم سلامي ادي، فالبعد ما زادني الا شجن”. ولا ندري إن كان يعني الربوع، يوم الأربعاء كما يلفظه اليمنيون، أو يقصد “ربوع الوطن”.

على النسق نفسه، يصف موشح آخر المحبوبة بأنها “حلاوة عدن وسكر الشام”، وهذا الموشح لحنه سيكاه وضربه مصمودي، ويعلن في نهايته عن رغبته بلقاء محبوبته في اليمن “وألا أكون طائف بأرض اليمن ويجمعون بينك وبيني”. والجلي في الموشحين السابقين أنهما غُنيا خارج اليمن، وعبرا بمحتوى شعري وغنائي صريح عن الحنين لوطن ومحبوبة هناك. ولا نعرف إن حافظ واضعو لحنهما على النسيج الغنائي اليمني، أو تأثرا بمحيطهما في المهجر. لكن تلك الموشحات ذات الجذور اليمنية، كانت لا تزال معروفة في زمن شهاب الدين الحجازي الدارس في الأزهر.

يؤكد شهاب الدين في سفينته بأنه أخذ من الموشحات تلك التي ما زالت مُستخدمة في الغناء، مُعرِضاً عن الأدوار المجهولة والمهجورة. لكنه على الأرجح خص تلك الألحان المعروفة في الديار المصرية. ذلك أن بعض إيضاحاته تتحدث عن ألحان معروفة في مصر جاءت من الشام. كما في موشح بلحن الراست، أشار إلى أنه سُمع في مصر من شاكر الدمشقي عام 1236 هجرية. بينما في موشح آخر، لحنه دوكاه عراقي، منسوب إلى رجل من مدينة صيدا. وبحسب ما ذكره صاحب السفينة لم يعد معروفاً من لحن الموشح سوى مطلعه. كما أن أرباب الفن أطلقوا على هذا اللحن “عقدة الصيداوي” لما فيه من تنويعات لحنية ومقامية عديدة.

⇐     هيثم الحضرمي.. طفل السابعة والعود الحلبي|     اقرأ أيضًا في أنسم                                   

ولا يسعنا سرد كل موشحات السفينة التي تحتوي مفردات عامية يمنية، فمثلاً هناك موشحة تقول “ثغرك شاهي حالي”. وعلى خلاف ما كان عليه حال الغناء في اليمن، نتيجة هيمنة صنعاء كمركز سياسي وغنائي، تنتسب تلك الموشحات بألفاظها إلى لهجة تعزية أو عدنية أو لحجية. ومن المحتمل أنها ما تبقى من هجرات يمنية استمرت ما بين القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر.

لكن ما يجعلنا نرى أن الموشحات اليمنية كانت تُغنى في مصر، هو مصاحبتها بإيقاعات عربية لم تكن مُستخدمة في الغناء اليمني القديم. ويبدو أن الغناء في مصر عرف تطوراً مهماً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع ظهور الحامولي ومحمد عثمان. الأول طعم أغانيه بأساليب تركية لتتماشى مع ذائقة حكام مصر ذوي الأصول التركية.

وبعد ثمانين عاماً وربما أقل، اختفت معظم ألحان الموشحات المذكورة في سفينة شهاب الدين، وربما احتفظت ببعض عناصرها اللحنية في موشحات أخرى. ويؤكد كامل الخلعي في كتاب “الموسيقى الشرقية” الصادر عام 1927، أنه لم يعد باقياً منها سوى ثمانين لحناً على الأكثر.

بصورة عامة، هناك على الأقل أغنية معروفة في مصر واليمن على مقام الراست ولها اللحن نفسه، وهي أغنية “فضلك يا سائق المطر”، التي غناها محمود الكحلاوي باعتبارها لحناً له عام 1943، على اعتبار انه اقتبس الثيمة اللحنية المعروفة في اليمن من غناء القبائل البدوية المستقرة في مصر. ثم غنى الثيمة اللحنية الرئيسية من دون تغيير باعتباره تراثاً يمنياً.

وفي جنوب شبه جزيرة سيناء، هناك طائفة أغان تُعزف على السمسمية معروفة لبحارتها وصياديها باليمانية، ويقولون إنها أغان جاءت من اليمن. على الأرجح، عرفت مصر أشكالاً غنائية عربية مختلفة وهضمت الكثير من عناصرها اللحنية، وبعد قرن من صدور سفينة شهاب الدين، أصبحت القاهرة مركز الغناء العربي الأكثر أهمية.

المصدر| العربي الجديد