عن اليمني الذي يقتل تاريخه

206
صقر الصنيدي

من بين أزيد من مائة طالب يجلسون في غرفة واحدة، اخترت جوار صدام عبده محمد.. وتجاهل المعلم وجود تلميذًا جاء من مدرسة الميثاق إلى حطين.

قلت همسًا لصدام : عرفتني؟!.. قال: نعم أبوك صاحب أبي.
فوضعت حقيبتي جواره وقلت له من اليوم هذا مكاني، وسط المائة هناك دائمًا مساحة ضيقة ومحفوفة بالكلمات الساخرة التى عليك الإغماض دونها.
شرحت له بطريقة طفولية، أن أبي صديق أباه وأن علينا أن نكمل العقود التى بدأها الآباء وهم يقاتلون معًا في جبال بعيده ويقتسمون الأحلام والوهم.


إتخذ اليمني من الوعل رمزًا دينيًا لكنه وفي منتصف الطريق غدر به

ومنذ ذلك اليوم كنا نتبادل الحكايات وكنت أتردد على زيارة منزلهم وكأنه جزء من بيتنا الكبير، كنت أشعر أننا نكمل مشوارًا قديمًا بدأه الآباء، كنت أحس أنهم بيننا ويباركون وجودنا معًا وقد كان ذلك فعلًا.
بدأت أشعر أن علاقتنا عمرها أكثر من أربعة عقود، بدأت يوم التقى الآباء على رأس جبل ممتلئ بالألغام والمخاوف، يوم كنا صغارًا قدرنا تاريخنا المشترك لكن هذا لا ينطبق في حالات أخرى.
يمكن أن يقتل الإنسان رفيق أباه يمكنه أن يشوه رفيق جده ويشويه على النار الحاميه.
منذ ثلاثة ألف عام كان لليمني صديق يسير معه يشترك معه في جباله وسهوله ويدافعا معًا عن الحياة، إتخذ اليمني منه رمزًا دينيًا، لكنه وفي منتصف الطريق غدر به.
وأصبح قتل الصديق القديم مدعاةً للبطولة وللإحتفال، قتل اليمني صديق أباه وجده.. قتل حامي الديار ورمز العبادة وشعار المعابد.
كل عام ومثل هذه الأيام تقام الإحتفالات في حضرموت وفي أجزاء من البيضاء وشبوة تشعل النار وتضرب الدفوف ويوحد الراقصون خطواتهم لأن أحدًا ما قتل صديق جده وأباه.
قال تقرير أعده الزميل علي سالم واعاد نشره موقع أنسُم ومعناه إنسان باللغة الحميرية القديمة أن اليمنيين يخرجون في الجبال يحاصرون رفيق تاريخهم قبل أن ينظر نحوهم النظرة الأخيرة ويقتلونه ليجري دمه على أحجار ليس فيها ثغرًا ليستقر.


إن لم يكن لديكم معرفة بمن يقتل ماضيه ويدمر أمسه وحاضره، فهو هذا الذي يطالع الآن تاريخه ويتساءل عن مذاق لحم حيوان الوعل

يقول الموقع أنسُم الذي يراسه Moheeb Zawa أن اليمني يحمل بندقيته ويخرج بحثًا عن صديق تاريخه لقتله وليس لإكرامه.
إن لم يكن لديكم معرفة بمن يقتل ماضيه ويدمر أمسه وحاضره، فهو هذا الذي يطالع الآن تاريخه ويتساءل عن مذاق لحم حيوان الوعل.. الوعل منحناه أماننا وجلس جوارنا وأعطيناه واجهة عملتنا الفضية القديمة والتقطنا معه سلفي قبل ثلاثة ألف سنة.. ثم فجأة التفتنا نحوة وبأيدينا الرماح وبسهولة تذوقنا طعمه بعد إنضاجه.

أكلنا ثلاثة ألف سنة في وجبة واحدة كان يمكن أن يكون الضحية فيها غير ما اتخذناه رمزًا لعبادتنا واعترافنا بالإله المقه.
لا معبد إلا وكان للوعل فيه حضور والآن حين يشعر الوعل بالجوع مع حلول فصل الشتاء ويترك مخبأه بالجبل حتى نكون بانتظاره وفي أيدينا الرمح وفي الخاصرة خنجر نقطع به تاريخنا القديم.
ويومًا ما يقول تقرير أنسم أنه لن يكون بإمكاننا رؤية رمز إلهنا القديم لن يكون ممكنًا مشاهدة حامي الديار ومصدر الحماية الذي يزين رقاب الصغار منذ ما قبل الميلاد.
أعتذر عن نشر الصور فلم أقدر على تحميل صورة ثلاثة ألف سنة من تاريخنا وهو ملطخ بالدماء وفي عينيه سحاب دموع تجري الآن في محاجري.

وعن صدام فقد افترقنا بمجرد رؤية أسمائنا معلقة على جدار المدرسة ولم نعد نتذكر تاريخنا المشترك وقد يحترب أطفالنا يومًا ويجرح أحدهم الآخر معلنا إنتصاره.

المصدر | البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم