لم تعد صنعاء ولم نعد نحن

265
صقر الصنيدي

في الطابق الثاني توجد أسرة من يافع، كانت قد أغلقت دونها الباب، كانت أصغر أسرة في المبنى المكون من أربعة طوابق.
في الدور الثالث تختبىء أسرة من تعز وتستمع من وراء الخشب والإسمنت لما يحدث في الخارج.. وفي الأول كانت أسرة من أبين قد أسدلت الستائر و أطفأت الشموع وفتحت المذياع بصوت خفيض.

و بينما أطل من النافذة، لا أرى غير أشباح، في ليلة كهذه قبل سنوات أحسست إنني شبح أسير في الظلمات، مجهول، لم أعش ولم أعرف أحدًا، ولم أُولد حتى.. شعرت كما لو أن العالم تنكر لي واحتل منزلي وسألني: من أنت؟ ولم أنت هنا؟ هل تنتظر أحدهم؟.

كما لو أن المدينة التى أعيش فيها لم ترني في شوارعها من قبل وأنا أحلم لها بمستقبلٍ أجمل.. كنت أحس إنني أختنق وأن ما يدخل رئتي ليس هواء صنعاء، بل دخانها.. وأنها تحترق.

كان الضوء ساطعًا وقد تعمد محتلو المدينة ألَّا تتوقف الأنوار في الشوارع الخالية، إلا منهم.

كان الجميع خلف الأبواب والجدران الخائفة.. لم يكن هناك من يسير في الطرق التى ألِفناها غير بنادق الحوثيين وأحقادهم على كل شيء.


كنا ناس صنعاء وأحبتها وكانت لنا الدار والبستان وحين فقدناها فقدنا أنفسنا

كانت قد أخبرتني أمي صباحًا أن أعود إلى القرية، قالت – في مضمون ما قالت – أنها خائفة وأن صنعاء راحت.

كيف راحت ونحن فيها؟!
كنت أدَوِّر الحديث في رأسي و أدَوِّر راسي في المدينة وأتحسر على مادة صحفية قديمة كتبتها بعنوان: “صنعاء تحمي نفسها”.. وها هي تسلم نفسها ونحن فيها.

في زاوية أخرى كان موسى يبكي مستندًا إلى جدار.. سيكتب “النمراني” ذلك بعد ثلاث سنوات من فقدانه لمدينته وسيخبرني ونحن نسير في شوارع مدينة أخرى أنه لم يجد غير أن يبكي كطفل.

كانت صنعاء تختفي من أمام أعيننا، تغرق بدون أمواج أو بحر أو رمال، وكنا نحن أطفالها.

في تلك اللحظات، عفوًا لم تكن لحظات، لقد كانت دهرًا من العذاب في ليلةٍ واحدة، في ذلك الدهر شعرت أنني فقدت كل شيء، كل شيء، وأنني أتسرب كقطرات عرق من وجه رجل ميت، هل يتعرق الموتى؟ لا أدري، فبعد فقدان المدينة طرحت أسئلة كهذه، لقد فقدت المنطق معها.

⇐    من زلزال ذمار.. غاندي اليمن الرضيع |           اقرأ أيضًا في أنسم                                

لم يعد أحدٌ في المبنى..

بعد السنوات العجاف تمزقنا وفقد المبني يمنيته، فقد تنوعه، أبصر الجحيم وتهدم في مخيلتي وإن كان مازال واقفًا في قلب صنعاء، فما قيمة المباني إن لم يسكنها الناس.. ولقد كنا ناس صنعاء وأحبتها وكانت لنا الدار والبستان وحين فقدناها فقدنا أنفسنا.. ولم نعد نحن، نحن.

المصدر| تنشر أنسم المقال بالإتفاق مع الكاتب

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom