في ذكرى رحيل عالم الآثار اليمني عبد الغني سعيد

324
صقر الصنيدي*
صقر الصنيدي
صقر الصنيدي

لماذا توجد نساء مصريات في مقابر يمنية؟ ولماذا يوجد قبور يمنيين في مصر القديمة ؟
كان هذا مفتتح بحث عبدالغني الذى أفنى عمره للاجابة على هذا السؤال.

وبعد سنوات البحث، تبين لطالب الآثار اليمني في جامعة القاهرة أن المصريات كن زوجات لتجار يمنيين في العهود القديمة وأن قبور اليمنيين تعود لتجار عاشوا في مصر وماتوا فيها وتم دفنهم هناك.
اكتشف عبدالغني أن العلاقة اليمنية المصرية قديمة جدًا، وأن اليمن كانت الممر إلى مصر قبل مئات السنين، وحين يتحدث عن تلك المرحلة القديمة كان كأنه يراها ويرى القوافل تسير وخلفها الحماه.
أثبت عبدالغني على سعيد العلاقات التجارية القديمة ليخبرنا أن اليمن كان يومًا طريق الوصل بين المشرق والمغرب بين الهند وبين العرب ولولاه لما كانت هناك طريق.
في مرات كثيرة كان عبدالغني يهبط من سيارته الفلوكس واجن القديمة ليجلس جوارها في شوارع صنعاء وبداخلها أطفاله وهو ينتظر أن يمر أحد طلابه ليطلب منه أن يعينه على دفعها إلى الأمام كي تمضي.
أتعبه الماضي كثيرًا ، كان حين يلتفت إلينا في محاضرته بكلية الآداب قسم الآثار يقول (لا أعتقد أن أحدكم فهم قصة الحضارة جيدًا).. وكنت معنيًا قبل أن أجري معه أى لقاء للصحيفة أن أحضر واحدة من محاضراته، وتحت مقولته: ” اسمع لك كلمتين عن ماضيك ثم نتحدث”، حضرت له الكثير من المحاضرات وتمنيت ألا تنتهي.


عبد الغني: “ليتنا لم ننقب عن شىء، ليتنا تركنا كل آثارنا تحت الأرض حتى يأتي من يقدرها ويبحث عنها ويدرسها”.


وذات يوم سافرنا معًا ضمن عشرات الطلاب بحضور أستاذة الآثار الإسلامية عميدة شعلان إلى خارج صنعاء.. وهناك كان يقف شامخًا كأنه يعرفنا بداره القديم: ” هذه طرق القوافل، من هنا كانت تسير، هذه طريق لاي سير فيها غير الجمال، وهنا مرابط الخيول”.. قلنا جميعا أننا نرى كل شىء مما حدثنا عنه.
وكان بالإضافة إلى عميدة شعلان يقف أحد الباحثين الموجودين معنا والمختص بالآثار الاسلامية والذي يوقفه يوقفه الدكتور بقوله:”هذه المنطقة ليست لك ليست لآثار ما بعد الاسلام، إنها ملك لنا، ملك الآثار اليمنية القديمة”.
وفي أعلى قمة من جدار متهالك وقف عبدالغني وهتف:” هذا آخر السور لهذه المدينة”.
كان يتحدث عن ما تُعرف بمدن قديمة أقامها اليمنيون وخططوا لممراتها وبيوتها وقصورها.
في عام قريب كان عبدالغني متضايقًا وقال من تحت ظل شجرة بلا أوراق في كلية آداب صنعاء: “ليتنا لم ننقب عن شىء، ليتنا تركنا كل آثارنا تحت الأرض حتى يأتي من يقدرها ويبحث عنها ويدرسها”.

⇐ اقرأ أيضًا في أنسم |   الإفصاح عن كشف أثري هام بصنعاء بعد 4 أشهر من التكتم

“تفقد القطعة الأثرية قيمتها حيث تنتزع من مكانها، تصبح بلا هوية أو تاريخ أو ملامح، تصبح قطعة في متحف وليست جزء من حضارة عريقة قطعة يمكن لأي ثري اقتناءها”.
مات عبدالغني مثل قطعة أثرية في غير مكانها في غير موقعها الصحيح.
مات في صنعاء في زمن غير زمانه، وسيحمله إلى مقبرته، أناس لا يعرفون من هو عالم الآثار عبدالغني على سعيد الذي ماتت معه مئات السنوات من تاريخنا.
وداعًا ايها العالم الجليل ونحن غير قادرون على توديعك كما يليق .
وداعًا ونحن نموت في منافينا البعيدة.

* مقال للكاتب في رثاء عالم الآثار اليمني عبد الغني علي سعيد نشر على صفحته بالفيس بوك في 23 سبتمبر 2018