ثلاث نساء من اليمن!

1٬267
د. بلقيس علوان*

جمعتهن قرية واحدة: المرعی، بئر الماء، أحراش الاحتطاب، موسم البذر وموسم الحصاد.. تفرقن عندما تزوجت كل واحدة منهن في منطقة، وهاهي المعاناة تجمعهن من جديد بعد أكثر من عشرين عاماً.

أمام بوابة إحدى نقاط توزيع مواد الإغاثة التي لا تتعدى: لترًا من الزيت، نصف كيس من القمح، خمسة كيلوهات أرز ومثلها سكر وكيلوهين من البقوليات.

 لا ينكر من يطالع تلك المساحة الضيقة غير المغطاة ما بين منتصف الأنف والحاجبين من وجوههن كمية الانكسار والإجهاد والحسرة البادية على أعينهن.

ما الذي تفعله الحرب بالنساء؟

لم تكن صفية وحتى وقت قريب -لا يتجاوز ما قبل 2015- تخرج أو تتنقل بمفردها، لقد كانت أوفرهن حظاً من وجهة نظر رفيقاتها؛ إذ تزوجت برجل ميسور الحال لديه “سوبر ماركت” كبير في المدينة يمتد على ثلاثة محالٍ تجارية مفتوحة على بعضها، تكتظ بكل ما يحتاجه المنزل، وفي الدور الأعلى منزلها ذو الأربع شقق، لكنها وأسرتها اضطروا لترك كل شيء ناجين بأنفسهم عندما وصلت قذائف الهاون والكاتيوشا إلی أطراف حيهم.

نزحوا إلى محافظة أخرى واستقر بهم المقام بعد ذلك في صنعاء، لتصلهم أخبار قصف “السوبر ماركت” والمنزل واحتراقهما.. وهكذا أصبحوا بلا شيء، يكابدون صعوبات الحياة من دون دخل، وها هي صفية تقف بانكسار مع العشرات من النساء، علها تظفر بسلة غذائية.


لا تتسبب النساء بالحروب والصراعات، لكنهن من يكتوين بنارها والأشد تضرراً

أم يوسف: هذا الاسم الذي تفضله على اسمها، لم تكن حالها المادية قبل الحرب أفضل بكثير مما هي عليه الآن، السيناريو ذاته يتكرر كل يوم: ماذا سأطعم أطفالي؟ من أين سأتدبر ثمن الغداء؟ وماذا عن العشاء؟.

لكن، ما زاد حالها سوءاً وتعاسة اختفاء ولدها الذي غادر على حين غفلة، وهو من كانت تعول عليه بأن يعوضها عن كدر السنين وسطوة الفقر بعد تخرجه من المعهد المهني، لكنه غادر دون استئذان، وعندما اتصل بها هاتفيًا -لأول مرة- بعد غياب أربعة أشهر، طلب منها الدعاء، وقال لها “أنا أدافع عن الأرض والعرض”.

يعتصرها الحزن والخوف من سماع خبر مفزع في أي لحظة.. وفي ظل ذلك كله، تكابد الظروف لتطعم زوجها المقعد منذ ثلاث سنوات وأبناءها الأربعة، وابنتها التي عادت إليهم بطفلها بعد هجرة زوجها بطريقة غير قانونية قبل عامين، ومنذ ذلك اليوم لا تعرف إن كان حيًا أم ميتًا أم مسجونًا؟ لكن ما تدركه أن فردين إضافيين انضما إلى من ينبغي أن تعيلهم.. وها هي أم يوسف تقف وكلها أمل في الظفر بسلة غذائية تطعم أسرتها لعشرة أيام.

أسماء ثالثتهن: كان وضعها مختلفاً؛ فقد تزوجت من الشاب الأعلى تعليمًا في القرية النائية التي لم تصلها الدولة ولا يعرفها المسؤولون إلا في مواسم الانتخابات.. شجعها زوجها “ناصر” على إكمال تعليمها والالتحاق بمعهد المعلمات، وها هي منذ عشرين عامًا تعمل مدرسة في إحدى مدارس العاصمة وزوجها موظف حكومي.. نستطيع القول أن “أسماء وناصر” كانا النموذج الذي ينظر له أهل القرية بإجلال وأحياناً بحسد؛ فهما موظفان حكوميان براتب منتظم لا يتأثر بمواسم المطر أو الجفاف.

⇐     اليمنيات.. معاناة وإبداع في مدن اللجوء والهجرة  |     اقرأ أيضًا في أنسم                            

أدركت أسماء وناصر أن الوظيفة الحكومية براتبها المتواضع لم تكن أكثر من كذبة أمان، سرعان ما كشفت عورة هذه الأسرة بعد ستة أشهر بلا راتب وها هي فترة الانقطاع تمتد للعام السادس على التوالي.. اضطر الزوجان -من أجل مواجهة متطلبات الحياة- لبيع ما اكتسبته أسماء من بضعة جرامات من الذهب، ثم غرفة النوم وبعض قطع الأثاث وثلاث بطانيات، في ظل أسعار تتصاعد يومًا بعد يوم، ومع مؤجر يطالبهما ليل نهار بإيجارات متأخرة، فيما لم تفلح محاولاتهما في البحث عن عمل أو مصدر دخل آخر.

وفي الوقت الذي يقف فيه ناصر عند البئر القريب من منزلهما لجلب الماء على عربة يجرها بيديه بعد عجزه عن شراء الماء وانقطاع خدمة تزويد المنازل بالماء من الدولة، تقف أسماء في طابور بانتظار سلة غذائية.

لا تتسبب النساء بالحروب والصراعات، لكنهن من يكتوين بنارها والأشد تضرراً منها في الريف والحضر.. وفي اليوم العالمي للمرأة 2021 تعيش النساء في اليمن ريفًا وحضرًا مأساة متكاملة الأركان في الاقتصاد والدخل والصحة والتعليم والحقوق والحريات بينها وبين شعارات وقضايا النساء في العالم في هذا اليوم عشرات السنين.

*د. بلقيس علوان – استاذ مساعد في كلية الإعلام جامعة صنعاء

المصدر| مقال خاص بالبوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom