استمطِر..

565
عبد المجيد التركي

“استمطِر”.. هكذا يقال لمن يشاهد التلفزيون أثناء نزول المطر.

يتوقف كبار السن عن شفط دخان المداعة لأن كرسيها النحاسي يجذب البروق، ففي الصيف الماضي دخلت برقة من قصبة المداعة وقتلت جارتنا تقوى، لأنها لم تستمطر وتترك القصبة من يدها.. ولا ينسون أن يأمرونا بإغلاق زرار الثوب العلوي رغم أنه يشعرك بالاختناق.. لم أسأل ما علاقة الزرار بالبروق، لأني لم أكن أغلقه.
(استمطر).. تعني استشعار الرهبة والتظاهر بالخوف وقت نزول المطر، رغم وجود عمود نحاسي طويل مغروس في وسط القرية لحذب البروق، كانوا يسمونه مغناطيس.

لم نكن نرى القاضي يحيى بن علي إلا في اليوم التالي لنزول المطر، كان ينهرنا دائما من نافذة بيته حين يرانا نلعب في الشارع بعد سقوط المطر، فقد كان يمتنع عن الخروج حتى تجف الشوارع، لأن الماء نعمة ولا يجوز أن ندوس عليها.


المطر في القرى يعني: الحصاد، المال، الشبع، البهجة والرزق الجماعي

كان جيب القاضي يحيى مليئاً بالشوكليت الذي كان يوزعه على الأطفال، والجيب الآخر كان يملأه بأقراص النعنع الذي يوزعه على الكبار كعلاج للحموضة.
يناديني فأجري باتجاهه ليضع الشوكليت في يدي، فأقول له: باقي أخي الصغير وباقي اختي، وعمتي، وخالتي، فيملأ يدي بالشوكليت الذي كان يشتريه من دكان عمي كل يوم بماله الخاص ويوزعه على الأطفال، لأنه لم ينجب، لكنه كان يرى نفسه أباً لكل أطفال شهارة، ويريد أن يسعدهم جميعاً. لقد كان بابا نويل عصره، وكان يمنحنا هداياه كل يوم حتى كبرنا، وليس يوما واحدا في العام كما يفعل سانتا كلوز.

مات القاضي يحيى زاهدًا في كل شيء، وترددت أن أسأل أخاه عن كوت القاضي، ومن سيقتسم التركة اللذيذة التي تملأ جيوبه؟ لكن أخاه كان لئيمًا رغم أمواله الطائلة التي يستطيع بها شراء القرية بأكملها، فقد كان مؤمناً بطغيان الاتحاد السوفيتي، فأصبح جابياً للتبرعات نصرةً للمجاهدين الأفغان.

يقضي الناس ديونهم، ويتزوجون ويشترون الأسلحة والسيارات بعد موسم المطر، فحين تطالب أحدهم بالدين الذي عنده يقول لك: “لما يجي المطر”.
المطر في القرى يعني الحصاد، والمال، والشبع، والبهجة، والرزق الجماعي.

المصدر| نقلا من صفحة الكاتب بالفيس بوك

تابعونا على صفحاتنا:

https:facebook.com/ansomnett