عن الكلمات التي تسبق الرصاص

1٬696
صقر الصنيدي

قالوا له: “حسبنا ما قطعناه هذه المرة”، وحالت تلك العبارة -التي رد بها البحارة على أوامر قائدهم برتولوميو دياز- بينهم وبين التاريخ وهم على مقربة من أهم اكتشاف غيّر وجه العالم.

فيما بعد كتب النمساوي ستيفان تسفايغ أن تلك الكلمات حرمت دياز من شرف شق الطريق إلى الهند فاسحاً المجال لفاسكو دي جاما.
جاما و دياز هما نتاج لكلمة قالها هنري الملاح ذات يوم وقضى خمسة عقود في محاولة إثبات صدق قوله، فغيّر حياة البرتغال من دولة بلا أفق إلى راسمةٍ للخرائط.
ولأن هنري يؤمن بقيمة الكلمة فقد ذهب إلى البابا حينها وطلب منه كلمة واحدة وحصل عليها من وجه مبتسم: “كل ما يكتشفه البرتغاليون في طريقهم ملك لهم”.. وقد مكنتهم تلك العبارة من امتلاك دول وأساطيل .
في آخر نظرة ألقاها نحو البلد الذي عاش فيه عمره وهو يمد قدمه إلى قارب ينتظره مع زوجته وطفليه المولودين في الولايات المتحدة، أخبر العالم الصيني تشيان تشويسن الصحفيين أن قدميه لن تطأ أمريكا مرة أخرى.


تقتل الرصاصة فردًا وتصرع الكلمات أمة كاملة.

قال كلمة وقد أوفى بوعده وجعل الصينيين اليوم يصلون إلى الفضاء وينافسون روادًا كانوا يظنون أن غيرهم لن يصل ولن يدري كيف الوصول.
الكلمات غير الأوامر، بينهن مسافة لا تُرى، لكنها تشب كالنار.
الأوامر تصنع أحداثًا لحظية، بينما لا حدود لما تفعل الكلمات ولا حواجز، الحروف تسافر بين العصور والأمم.
يوم قال صالح لأنصاره: “قاتلوا”، تركوه يُقتل وهم يشاهدون معركته الأخيرة عبر شاشة هواتفهم المحمولة وبينهم وبين انقاذه شارع وبندقية.. هم ذاتهم من ظلت كلماته تحكمهم عقودًا ثلاثة لا تخلو ليلة من قول.

ولقد أسهمت كلمة قالها علي عنتر لعبدالفتاح اسماعيل، بتسريع حركة التاريخ نحو أحداث الثالث عشر من يناير 1986، قال عنتر لوسطاء قولوا له: “قرحنا رأس رئيسان ليكون رئيس أما صلح وإلا قرحنا رأسه”.. وحدث ما حدث.
وقد تحاشى كتاب السيرة (لا أميل تجاه تسميتهم مؤرخين) ذكر الكلمات التي بعثت أول معركة بين النبي وأهله في مكة، جميعهم بجلوا كلمة عمر وهو يغادر: “من أراد أن يثكل أمه أو تُرمل زوجته أو ييتم ولده فليلقني وراء هذا الوادي”، وتلك عبارة أيقظت النار في قلوب سكان قريش وظلت عالقة في سيوفهم.


ما مناسبة تحميل الكلمة كل هذا ومحاولة إعادة تعريف الحروب وقراءة الأسباب

ومن يقول أن المتنبي منح السيف مكانًا أقدس من الكلمة، فقد تعمد الهروب من خير جليس.
ما مناسبة تحميل الكلمة كل هذا ومحاولة إعادة تعريف الحروب وقراءة الأسباب، المناسبة تعاد كل لحظة، تخرج الرصاص لأن كلمات سبقتها، تقتل الرصاصة فردًا وتصرع الكلمات أمة كاملة.
قال علي سالم لعلي صالح: “أنت تكذب عليّ”.. وترك صنعاء ولم يعدها إلى اليوم وبعده ترك أهل صنعاء مدينتهم لسكان جدد كانوا يكتفون منها بالتسوق، وقد التقيت أمس بأحد التاركين فقلت له: تعتقد سنعود؟!، قال: “لا أظن”، فأقفل في وجهي المدينة لعقد قادم، قبل أن أراه ليلًا يتحدث من الشاشة عن استعادة المدن .
أنا نتاج لبلدة يدفع فيها المرء حياته، ليثبت أنه أوفى بما قال.
يقول رجل وعمره ثلاثون عامًا أن جاره لن ينال شبرًا من الأرض القاحلة أو ثمرة من الشجرة وفي الثمانين يقول: أوفيت بكلمتي ويغادر وقد طاف المحاكم وزار الأولياء.
أكره قول “حافظوا على كلماتكم”، لأنها تنافي قول: اختاروا المناسب منها وانتبهوا لها أين تذهب ومتى؟.
وقد أجمع الأصحاب قبل أيام في مجلسنا أنني أحبس الكلمات حين يراد مني الحديث والحقيقة: ربما تقديري الزائد لما قد تحدثه الحروف حين تجتمع على صوتي.

*أثناء التدوين تمت مراجعة: ماجلان ..ستيفان زفايج – شعر المتنبي – بي بي سي تقرير عن تشيان تشويسن – جنوب اليمن في حكم اليسار فواز طرابلسي حوار بشرى المقطري

المصدر| من صفحة الكاتب بالفيس

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom