أن تعيش في مدينة لا تمازحك!

4٬463
صقر الصنيدي

 

“كانت الفرنسية (شيري) تهتم بي وتحضر لي الأدوية”، يقول رجل تجاوز الثمانين عاماً من عمره ذلك ويكمل حديثه لمحمد عبدالوهاب الشيباني، بينما يعد له شراب القهوة كما يفعل مع غيره منذ نصف قرن.. ثم لا ينسى الإيطالية “بلانكا”.

كيف حفظ يحيى النبوص (صاحب مقهى يعيش في حارة الأبهر بصنعاء) هذه الأسماء.

فشل الزمن في محو الفتاتين من ذاكرته وأن إحداهن تهتم به والأخرى تبعث الضحك في مقهاه حين تحضر إليه وتمازحه.. ما أقسى أن تعيش في مدينة لا تمازحك!

كان ذلك زمن صنعاء الجميل أو كما قال يحيى في مقابلة ودودة أجراها محمد عبد الوهاب ونشرت على موقع بلقيس أنها أحلى أيام صنعاء أيام كنت ترى أجانب يسيرون ظهراً في مدينتك وتنطق ألسنتهم بلغة مختلفة، تحاول أنت فهمها قبل أن تسود لغة واحدة كل جهة في العاصمة.. ويدرك الكل أن صنعاء في طريقها إلى لهجة واحدة وليس فقط لغة.


سبق لأهل التعريفات أن اشترطوا تعدد اللهجات واللغات لتصبح المدينة عاصمة

وقبل أيام أطل رجل من مدينة لها لسانها الخاص، وهو يتحدث بلهجة أصحاب القوة اليوم وكان كمن يجبر لسانه على الالتواء. 

سبق لأهل التعريفات أن اشترطوا تعدد اللهجات واللغات لتصبح المدينة عاصمة.

ولقد بعث أهل قريش أطفالهم ومنهم النبي محمد “ص” إلى الريف للحفاظ على لسان العرب، ما يوضح أن التعدد سمة المدن منذ زمن. 

في مدينة ذمار المجاورة لصنعاء يأتي الطلاب من أريافهم محملين بحلم النطق بلغة مختلفة.

وقد حلم المئات أن يفهموا “شيري” ولغتها وقبل عشر سنوات سجل القسم الفرنسي مئات الدارسين، لكن في العام 2020 لم يأتِ أحد لطلب الانضمام إلى القسم الفرنسي وعندما دون أحدهم اسمه في استمارة الالتحاق وأن رغبته الثانية اللغة الفرنسية، جرت الجامعة خلفه وطلب منه أن يلتحق بالقسم الفرنسي وأخبروه أن اللغة الفرنسية مهمة لكنه رفض الالتحاق وبقت السنة الأولى من دون طالب.. في الطريق من السنة الأولى الى الرابعة تمتد الصحراء.

أربعة طلاب في السنة الثانية، ثلاثة طلاب فقط في السنة الثالثة ومثلهم في الرابعة وهؤلاء لن يجدوا من يفهمهم حين يتحدثون بلغة سهروا لتعلمها وليس لديهم عاصمة يذهبون إليها، وفيها يجدون وجوهاً شاهدوها في صفحات كتبهم سيجدون اناساً غيرهم.


“حين أصعد إلى المترو وأسمع كل لغات العالم أشعر بالأمان”

يقول طه ياسين وهو فتى يمني يعمل في برلين أنه يحب مدينته ليس لجمال العيون أو لجودة هندسة المباني، بل لشيء آخر “حين أصعد إلى المترو وأسمع كل لغات العالم أشعر بالأمان”.

 تلك هي المدينة وليس اللون الواحد الذي أنجبته لحظة الهزيمة ورغبة الانتقام ولا حتى الميادين الممتلئة بالحشود ذات اللكنة الواحدة.

حين غادرت بلانكا، فقد يحيى روح مرحة من أرض بعيدة، ومعها فقد أحلى الأيام.

الأيام ذاتها جلبت له البديل، رجال يحملون على أكتافهم الماضي والرغبة في إعادته وغالباً هم لا يمازحونه ولا يشربون القهوة.. هم حتى ليسوا غريبين عنه عندما كان يافعاً.

كان يرى حاملي البنادق القديمة يحملون أبواباً ونوافذ المدينة وقد أباح لهم الإمام مدينة اللغة الواحدة، كبر وأراد ألَّا يكون مثل من رآهم، وقلة من الناس هم من يريدون ألَّا يكونوا مثل من يرون.

المصدر| من صفحة الكاتب بالفيس بوك

تابعونا على صفحاتنا:
https:facebook.com/YPHJansom
https://twitter.com/AnsomYphj