رسائل وطنية من تحت ركام الحرب والمخاوف

107
وليد جحزر
وليد جحزر

في ظل مشهد مليء بالصمت الرسمي والشتات الوطني وغياب بوصلة الحفاظ على الهوية اليمنية الواحدة، جاءت انتصارات منتخبنا الوطني للناشئين لتعيد للروح اليمنية وهجها وحضورها الأخاذ.

تسمرت الوجوه على الشاشة الصغيرة وهتف اليمنيون في الداخل والخارج بإسم اليمن، وكانت إرادة اللاعبين ومهاراتهم على أرض ملعب أكاديمية إسباير الشهيرة في الدوحة هي الخلاص الأخير لكل من يرغب أن يؤكد بأن هذا البلد لا يموت وأن أبنائه لا يُقهرون مهما تكالبت عليهم المحن وجار عليهم القريب قبل البعيد.

ومرة أخرى بل ومرات، تؤكد كرة القدم وفنونها أنها بمفردها من تستطيع أن تعيد للمعادلة الوطنية وللحضور اليمني شوكة ميزانه الضائعة ويقينه المنعدم بفعل الحروب والصراعات وشعارات الكراهية والخوف، ومع كل هدف وفرصة وتمريرة حاسمة كانت القلوب تخفق بالرجاء والحب والأرواح تمتليء بمعاني الحياة والأمل في تأكيد القادم الأجمل الذي ينبعث من بين الأنقاض وركام الحرب والألم.


لم يكن هدف القروي يشبه الأهداف المعتادة ولا يمكن أن يخضع لمعايير التحليل وفلسفة خبراء اللعبة بل كان شيئًا آخر تمامًا بالنسبة لليمنيين


ولم تكن تصفيات آسيا التمهيدية في الدوحة مجرد مباريات اعتيادية تنتهي بتتويج متصدر وحيد ومغادرة خاسرين مجموعة المنافسة، ولم يكن أيضًا هدف محسن قراوي الأسطوري في مرمى المنتخب السعودي مجرد هدف جاء في لحظة خاطفة من تواكل الدفاعات السعودية وشتات تركيزها، بل كان كل ذلك بالنسبة لليمنيين شيئًا آخر تمامًا، شيئا لا يشبه الأهداف الكروية المعتادة ولايمكن أن يخضع لمعايير التحليل وفلسفة خبراء اللعبة وأحاديث مابين الشوطين، هو أمر مرتبط بدلالات مختلفة في توقيت مختلف وظروف قاهرة جعلت اليمنيين في أرجاء المعمورة يرددون اسم اليمن ويهتفون ببقائه وعزته وديمومة مجده العريق.

⇐               اقرأ أيضًا في أنسم |                                         ركلات تصرع الإحباط

أصبح لمعنى التأهل قيمة براقة وصار للهدف رصيده الكبير الذي يفوق حسابات الأهداف التقليدية لدى بقية المنتخبات المشاركة في هذه التصفيات، معنىً يرتبط تمامًا بتاريخ الوطن الذي تتناهشه عصابات الفيد والمصالح الشخصية الضيقة، بعد أن جاء هؤلاء اللاعبون الواعدون من مدن الحصار والخوف ليقولوا بصوت مسموع وعلى بساط الجدارة والاستحقاق أن اليمن ولادة ولديها الكثير من الإبداع والألق الذي بوسعه أن يضيف لهذا العالم البائس المحابي والجبان الكثير من فرادته التاريخيه وتميزه العظيم وأن ثمة أجيال واعدة ستخرج من بين أنقاض الدمار كي تشارك بفاعلية في صياغة الوجدان اليمني وتسهم في تحديد مساره بعيدًا عن الوصاية واشتراطات التدجين ومصادرة أحلام الشعوب.

نجحت منتخباتنا الوطنية في المكان الذي أخفق فيه تجار الشنطة وبهلوانات الساسة، هتفت الأمهات في البيوت وابتهل كبار السن وردد الأطفال في كل مكان:” ردودي ايتها الدنيا نشيدي.. وسيبقى نبض قلبي يمنيا “.

وما ميَّز تأهل الناشئين لنهائيات آسيا 2020 في البحرين هو الوعي النادر والواثق الذي ظهر عليه لاعبون صغار يفوق تفكيرهم سنوات عمرهم الصغيرة وهم يتحدثون بثقة عن اليمن الواحد والفرحة الواحدة والانتصار الذي لا ينبغي له أبدًا أن يغيب عن أذهاننا وسواعدنا مهما كانت الظروف والتحديات.


مثل جمهورنا حالة استفتاء يمنية راقية تُجمِع على المشترك الوطني وهي مواقف نحن في أمس الحاجة إليها لإخراجنا من دائرة الشك والمخاوف


ووسط كل هذا الألق والبسمة التي رُسمت على محيانا، صار من الواجب على كل قلم حر وكل مشجع غيور أن يساند ثوابت وقيم المبادرات الداعمة لمواصلة هذه المسيرة المشرقة، خصوصًا وأن المنتخبات اليمنية من ناشئين ومنتخب أول قالت كلمتها رغم بؤس الظروف المحيطة، كما قدم اللاعبون الأفذاذ رسالة أخرى تضاف إلى جملة الرسائل التي أشرت إليها في معرض هذا التناول لعل أبرزها أن اختيار الأجدر من اللاعبين وفق أسس الكفاءة هي من صنعت لنا هذه الكوكبة الجميلة، وبالمقابل فإن أي تفوق مرتقب في مختلف مجالات الحياة يستوجب ذات المعايير وتغليب نزاهة الإختيار والرهان على شرف المحاولة والإصرار مقرونًا بوضع اسم اليمن على رأس سلم الأهداف إذا أردنا أن نفخر بالقادم ونودع كآبة الواقع وتداعياته المزرية.

ولا ننسى جمهورنا اليمني الرائع في الدوحة الذي سجل صورة وطنية نادرة و استثنائية ممثلين بأهازيجهم وأغانيهم الوطنية المترفعة عن الصغائر والمحبة لليمن الكبير حالة استفتاء يمنية راقية تُجمِع على المشترك الوطني وهي مواقف نحن في أمس الحاجة إليها كونها الأقدر على إخراجنا من دائرة الشك والمخاوف والتي دخلنا إليها مرغمين بفعل أنانية السياسيين وتفاهة أصحاب المشاريع الصغيرة التمزيقية، وهؤلاء بالتأكيد غير سعداء أبدًا بما حدث قبل أيام في الملاعب الخليجية.

المصدر| مقال خاص للبوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم