قصص من داخل معتقل الصالح 2.. ثمانيني يرعى الغنم وآخر بدل فاقد

273
سامي نعمان

من قصص المعتقلين المبكية قصة هذا الرجل: عبده صالح محمد جازم، رجل مسن يتهادى بصعوبة أظنه في الثمانينات من عمره، 
حز في نفسي أن يكون رجلًا بسن والد عبدالملك الحوثي وجد كبار مشرفيه معتقلًا إلا أن يكون لذلك سبب وجيه وظاهر.
ينتمي العم عبده إلى قرية جنوب الراهدة بالقرب من جبهة معروفة تعرف بجبهة “حمالة” نسبة إلى جبل كبير هناك، لديه عدد من الأغنام التي يعمل على رعيها.

سألته يومًا وكنا لوحدنا نتنفس من نافذة المطبخ الوحيدة المتاحة:”ليش حبسوك يا عم عبده؟”.. أجاب: “يابني قالوا لي عليا تهمة “إحداتيات” (نطقها بالتاء ويقصد: رصد المواقع)..
سألته ممازحًا: “قد عملت احداثيات يا عم عبده قد القلب بارد حتى لو حبسوك!”..
فأجاب بفطرة القروي البسيط المتخفف من كل الحسابات: “يا بني أنا والله مالي علم يقولوا إحداتيات مانش داري موهيه.. أنا مقرأش ولا أكتب مانش حافظ إلا الحمد(الفاتحة) والضحى”..
شعرت حينها برعشة تسري في جسدي ونزلت دموعي دون مقدمات ربما لسابق الخفة التي تعاملت بها عند سؤال الرجل..
حاول معتقلون كثير تقريب المسألة للرجل فكان يوضحها بالقول: “الإحداتيات إنك تتصل بالطائرة وتخابره تضرب”.
وقصة الرجل ببساطة أنه يسكن تلك القرية من قبل أن يولد عبدالملك الحوثي، فجاء مسلحوه وعسكروا بموقع مجاور لها.. وتوفيت عليه مجموعة من الغنم جراء أكلها مخلفات الأكل (الكدم والأرز والعيش وغيره) وهذا أمر يدركه رعاة المواشي أنها إذا أكلت طعامًا ثقيلًا أكثر من النباتات فإنها تتوجع وتموت، فكان كلما افتقد غنمة خاف أن تكون هناك تأكل مخلفات الطعام..
وفي أحد الأيام اعتقله أحد جهابذة الميليشيات الحوثية بدعوى أنه يبحث عن إحداثيات، ولأنها جماعة إرهابية بلا ضمير في سلم مشرفيها يرعوي إنفلات وجرائم أفرادها كان اقتياد العم عبده صالح للمعتقل أقرب من التحري عنه لدى متحوثة المنطقة الذين يعرفون الرجل كأبائهم وأجدادهم، وقد فعل بعضهم لكنهم بلا قيمة ولم يستجيبوا لهم، لأن الغاية هي إشاعة رعب الناس أن هؤلاء لا يحترمون شيخًا ولا يوقرون كبيرًا وليس هذا من عرفهم وأخلاقهم فأحذروا أيها الآخرون.
أخبرني أنه حينما تم التحقيق معه باعتباره صيدًا ثمينًا محتملًا اعتقل جوار موقع عسكري، وأخبر المحقق بقصته، أدرك أنه بريء، وقال له: “ياحاج ذنبك على الذي ظلمك ومسكك أما أنا مسترش أعمل لك شي”.
بطبيعة الحال، هم يمنيون مثلنا يميزون ويفكرون، ويدركون أن اعتقال رجل أمي طاعن في السن بإمكانهم أن يتحروا عنه باتصال بسيط، لكنها المنهجية الأيرانية الحوثية الخبيثة في الإرهاب تدفعهم لأن يكونوا مسخًا، وتعظم الفعل كلما كان منكرًا أفحش، وكان أكثر إثارة لرعب الناس

معتقل نيابةً عن..
التقيت بعديد أشخاص معتقلين هناك بلا سبب بل ثمة أشخاص معتقلون بسبب أخطاء قيادات حوثية..
طاهر فارع، معلم بناء وسباكة، سالته غامزًا أيش قصتك عم طاهر؟
فرد بابتسامة وظرافة التعزي البسيط: “أنا محبوس، طاعة للولد”..
كيف؟ هاكم قصته.
في رمضان من العام الماضي قبل دخولي المعتقل ببضعة أسابيع تمكن الشاب باسم طاهر فارع، من الفرار من السجن.. كان قد أظهر على عام ونصف تقريبًا من الاعتقال طاعة والتزامًا للحوثيين حتى أنهم وثقوا به ليكون مراسلهم في إطار المدينة السكنية..
كان باسم عسكريًا في “مأرب” منذ 2014 تقريبًا، واضطر للعودة إلى منطقة الحوبان حيث تسكن أسرته بعد إلحاح جده المسن عليه ليزوجه ويرى أحفاده قبل وفاته، لكن باسم لم يصل البيت بل وصل ألى معتقل الصالح بعد بلاغ لبعض المتحوثة إذ اعتقل في الحوبان، وتوفي جده وهو في السجن.
خلال عام ونصف من الاعتقال لم يزره والده، بل زارته أمه التي التقته في فناء المدينة لتسأله عن باسم بينما كان يشتري أغراضًا لحوثية الشمال.. عرف باسم شقيقه الصغير وسلم على أمه.
في أحد أيام أواخر رمضان تمكن من الفرار.. ركب باسم دراجة نارية من داخل المدينة عصرًا وغادرها بدون عودة..
لم ينتبه أبطال “الزرة” الحوثيون لفراره إلا بعد ثلاث ساعات حين لم يعد لهم بالطلبات.. سمع المعتقلون صياح مشرف المعتقل المدعو “أبويحيى” كأنه قام من نومه على كابوس مزعج “باسيييييييم”.. أدرك المعتقلون في الدور الأرضي أن صديقهم قد فر فاحتفلوا بأداء الصرخة إغاظة للحوثيين.
وعوضًا عن حبس “أبو يحي” أو المسؤولين المشرفين في المدينة، اتفق الأوغاد على ارتكاب جريمة جديدة.. لقد قرروا أن يطبقوا أحكام القرآن الكريم في ذلك على الطريفة الحوثية.. ولا تزر وازرة وزر أخرى..
أمر “أبو ماهر” بذهاب طقم لاعتقال العم الخمسيني طاهر فارع، فقامت ميليشيات “قرين القرآن” باعتقال الرجل من منزله في الحوبان، ليدخل الزنزانة وينام بفراش نجله ولبس من ملابسه ومكث بضعة أشهر.. كانوا يقولون له باقي عليه يومين يومين بس، ليش هرب..
بعد مغادرتي السجن أبلغت صديقًا حوثيًا عاقلًا ومسموعًا أن انظر إلى جماعتك كيف يطبقون القرآن.. حسب ما أفادني في اليوم التالي أنه ذهب إلى “أبي ماهر” وأخبره القصة، فتفاجأ من “الفضيحة” الأمنية وبرر إنه أخبرهم أن يعتقلوه لمدة يومين للضغط على ابنه للعودة للسجن، مستغربًا كيف “نسوه”..
طبعًا هذا المشرف الكبير “كذاب أشر” إذ اعتقل الرجل بشكل ممنهج للبقاء أطول فترة ضمن مخطط إرهاب الناس المعتاد داخل المعتقل وخارجه من تبعات ارتكاب “حماقة” كتلك التي ارتكبها بسام وفضح بها جهازهم الأمني المهترئ.
والدليل على ذلك أنه حين جاءت اللجنة الشكلية لمراجعة ملف المعتقلين وإطلاق بعضهم أحضروا مجندًا إلى الزنزانة ليبقى جوار طاهر فارع ويمنعه من الخروج لمقابلة اللجنة.. على كل حال أخبرني صديقي النبيل أن أبا ماهر وجه بإطلاق سراحه وأنهم أفرجوا عنه في ذلك اليوم، ولم أتأكد إن كان ذلك قد حصل يومها أم لاحقًا أم غير ذلك.
عصابة 
وفي كل الأحوال؛ ليس بسام هي أول معتقل يسجل فرارًا من معتقل الصالح، إذ فر العشرات منه منذ تأسيسه، رغم كل ما يروج عن الجماعة الإرهابية الشديدة.. الفرق أن بسام فر بهدوء بعدما خادعهم بأداء الصرخة ونقل معلومات لا تغني ولا تسمن من جوع.
بعد ليلتين على دخولي الزنزانة كانت أصوات إطلاق النار تعلو في الخارج وكان أحدهم يوجههم أن اقتلوا أي شيء ترونه يتحرك في الوادي المجاور حتى ولو من السكان.. على الأرجح أفلت ثلاثة في تلك الليلة بحسب ما تناقله المعتقلون عن الحراس الذين كانوا يتحدثون معهم من الخارج.
وحدث أن فر أكثر من عشرة ذات مساء من قبضة العصابة “التي لا تقهر” ولم يعيدوا سوى شخصين أو ثلاثة منهم ممن تعثرت خطاهم.
وتتكرر هذه الأحداث بين حين وآخر، لتهزم ميليشيات الحوثي في عقر أوكارها الحصينة لتبدد الخرافة التي تضعها لنفسها، ولولا المعتقلات الحصينة التي ورثتها من الدولة التي سطت عليها لكان معظم المختطفين يخلصون أنفسهم من المعتقلات المستحدثة دون حاجة لإرغامهم على المبادلة بأسرى، أو انتظار مكرماتهم المهينة، أو دفع الفدى المكلفة، أو الرضوخ لشروطهم الهمجية السخيفة، بالبحث عن ضمانة أحد المشرفين المتعربدين للضمانة على الأبرياء المعتقلين بلا تهمة.

نقلًا  من صفحة الكاتب في الفيس بوك