أحببتكم أقوياء

1٬406
جمال أنعم

تستقيل النجوم من سناها وبهاها وأفقها المنير، مُفسحةً ذاتها وسماها للعتمة الكالحة، يمتدُ السواد سيداً مبرراً كامل السيادة، حين يفقدُ الألق مبررات استمراره، يطول بالغسق المقام.

أكثر ما نحصي انهياراتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية عموماً، وأقل ما نحصي انهياراتنا الأخلاقية والقيمية الباعثة على الخراب.

قليل ما نتوقف أمام فقر الروح في ساحاتنا الجديبة، ثمة انهيارات مريعة، لا يمكن تبريرها و تسويغها على الإطلاق، ومن يستسهل تبريرها فإن أكثر ما سيصعب عليه تبرير وجوده.

ما الذي يبرر الحياة؟ إن لم تكن المبادئ والقيم والمعاني السامية.

أخونكم إذ أشفق على هذا الضعف وقد أحببتكم أقوياء، فرقٌ بين الستر كقيمة والتستر كجريمة، أنا هنا أعري ضعفي، أمقتُ عجزي وجبني، أكاثر اللعنات في الطريق التي تأخذنا إلى الهاوية، أعلن حبي سخطاً على كلِ ما يهوي بنا نحو القاع.


أنا لست لسان التنظيم، لست حارس القطيع، لست الأمين العام، أنا أمين محبة

ودَّ رفيق الرذائل أن لو كان عدواً نبيلاً صحيح الخصومة، فلربما قوَّاك العدو المتربص بنقائصك، ولربما أسلمك الصديق للأكاذيب القاتلة.

أنا لست لسان التنظيم، لست حارس القطيع، لست الأمين العام، أنا أمين محبة، أنا لسانُ المواجيد والأشجان، أخو الضياء الذاهب بعيدا عن القلب والدرب، أنا عاشق العظمة،عاشق الذرى والقمم التي صحبتها طويلاً، وتعلمتُ منها معنى الشموخ، و الصعود صوب المدارج العالية، أنا الباحث عن روحه، عن رفاق درب ، همُ الناس، وهمُ الوطن

من المهم التوقف أمام كل مظاهر الفتور والتراخي التي تلوح داخل تنظيماتنا بصفة عامة، هناك حالة من فقدان الشغف، وضمور حس التغيير يجب فحصها جيدا، بتواضع و مسؤولية وحرص، يرتفع فوق الرضى المرضي، عن الذات الجماعية، مهما كانت أخطاؤها إزاء الأفراد، قد تكون الجماعةُ هي الذئب الآكل للروح المنضوية، قد تكون آليات العمل سبباً في الإقصاء، قد يكون سوء الإدارة باعث يأس وإحباط واختناق، قد يكون المنهج المتخلف دافعا لتخلف كثيرين.


قد تكون ذئب نفسك وقد تجور على ذاتك بأكثر مما يجار عليك

أسئلة الاستيعاب، وإشكاليات الاحتواء، قضايا حيوية تستدعي فتح نقاش عامٍ شفاف، يتحاور فيه  الجميع كشركاء نضال سواء في المسؤولية والهم .

التأكيد على ذلك، لا يعني انتفاء المزاج الجانح للانفلات،هناك حالات مرضية عصية، تستدعي تعاملاً خاصاً، يكشفُ ،ويكاشف، دونما مواربة ولا تستر سيما تلك الحالات التي قررت معانقة المرض ومخاصمة العافية.

قد تكون ذئب نفسك، وقد تجور على ذاتك بأكثر مما يجار عليك.

أحب أن أشتد في قسوتي على نفسي، كلما ألفيتها تستجدي الإشفاق، معلقةً بهذا وذاك،أختار رميها باللوم كله، كلما وجدتها تبحث عن ملومين يكفون لتبرير نقمتها على الجميع، وقعودها عن أداء واجباتها المفروضة ، أقررُ محاكمتها كمتهمةٍ وحيدة عارية دونما دفاعٍ ولا قرابين مدفوعة.

لا شماعات يعلق عليها المرء خيباته، لا قطاع طرق يبررون النكوص، أنت القاطع والمقطوع، وأنت القطيعة والوصال.

هذه دروس البدايات، كيف تغيب وهى قرآنٌ ترتله الصحوات.. كلهم يومئذٍ مستقيلٌ منك، ومالك من مقيل.

أنت عبء نفسك، خصم ذاتك، داخلك جماعات ضعف و تخذيل، دعاة عجز وخور، داخلك قطعان وغيلان، جدبٌ و خصبٌ، عوالم متنازعة، ممالكُ من أهواء و رغاب متشاكسة تستوجب القوة في الحكم والعدل في الأحكام، وقد قيل من لا قبل له بحكم نفسه وجب عليه الخضوع لما يكره .

للفيلسوف الألماني “فريدريك نيتشه” وصية خشنة تصلحُ لبعض من يفزعون متألمين رجاء إشفاق.

“إذا كان لك صديق يتألم، فكن ملجأً لآلامه، ولكن لا تبسط له فراشاً وثيراً، بل فراشاً خشناً، كالذي يتوسده المحاربون، وإلا فما أنت مجديه نفعاً”، هكذا يوصينا  نيتشه.


هناك من أرهقته فضيلته فقايض بها للوصول إلى فضلات أولي الفضل


هناك طلابُ راحة، أتعبهم حمل أنفسهم، فراحوا يبحثون عن من يحملون أوزاره مقابل حملهم إلى الوزارات والسفارات والمناصب سالبة القيمة.

هناك من أرهقته فضيلته فقايض بها للوصول إلى فضلات أولي الفضل، الأمر أكبر من مغادرة ساحة لأخرى،فرق بين أن تستقل بذاتك وأن تستقللها، بين أن تستقيل من مهامك وأن تستقيل من همك.

تصدمنا استقالة المرء من نفسه و إنسانيته ومبادئه الناظمة لوجوده والمبررة لبقائه.

لا يستقيل الناس من الاستقامة لينظموا إلى موكب العوج.

وأعني هنا أولئك الذين عادوا الفساد دهرا، ثم عادوا إليه متبرئين من صلاحهم القديم.

ما الذي يبقى لنا حين نتواطأ على التضحية بالمُثُل بدلاً من التعاهد على التضحية من أجلها كونها تساوي الحياة.

الحديث وجعٌ يمتد، ويطول، وأنا فيه آهاتٌ تتلوى في مفتتحِ الملام، و ينازعني “نتشه”لهب الختام بكلامٍ يهمُ المهرولين “إذا أردتم بلوغ الذرى فتسلقوها بأرجلكم، ولا تطلبوا أن تُحملوا إليها حملاً على ظهور الغير ورؤوسهم”ويزيد”قل لمن يمتطي جواداً أو يسير خبباً نحو هدفه لا تنس أن رجلك العرجاء راكبةً معك، ولسوف تترجل في آخر الشوط، فتهوى من ذروتك إلى الحضيض”..

المصدر| نقلًا من صفحة الكاتب في الفيسبوك