الجبن التعزي.. تفرد الصنعة ومخاوف الإندثار

1٬226
مهيب زوى

إن سبق لك زيارة  تعز – 265 كم جنوب صنعاء – وغادرتها دون أن تشتري فطائر الجبن البلدي هدايا لمن تحب فلا شك أن زيارتك تلك كانت ناقصة؛ أما بالنسبة لمن يفكر بزيارتها فعليه أن يحرص مسبقًا على أن  يجعل رحلته مكتملة. 

الراعي اثناء عملية تدخين الجبن (الكباء)، تصوير حمزة مصطفى
الراعي اثناء عملية تدخين الجبن (الكباء)، تصوير حمزة مصطفى

تشتهر الأرياف التعزية: مقبنة، موزع، جبل حبشي و البرح، بالجبن البلدي وهو أبرز منتجاتها ويتم تحضيره بشكل طبيعي 100% دون إضافة أية مواد كيميائية أو حافظة. 

يقول عبد السلام الراعي احد منتجي الجبن في منطقة الضباب بتعز لـ بوابة الصحافة الإنسانية – أنسم وقد حرص أن يرينا عمليًا طريقة تحضير الجبن، إذ ذهب إلى بقرته لجلب الحليب طازجاً، إنه يقوم بتحضير فطائر الجبنة من ألبان الماعز والبقر، إلا أنه في مناطق أخرى هناك من يحضِّرها من لبن الإبل (الجِمال) أيضًا- حد قوله.

ويوضح أنه يتم غلي الحليب على نار هادئة لفترة طويلة، وبعدها يضاف للحليب مادة تسمى بـ “اللفح” وهي مادة طبيعية أساسية تستخرج من أمعاء صغار الماعز التي تتغذى على الحليب فقط دون الأعشاب، وبدون تفسيرات علمية، يقول أن هذه المادة – اللفح- تعمل على ترسيب الجبن وفصله عن الماء ليسهل تنقيته.

وتعرف مادة اللفح علميًا بأنها تحتوي إنزيمات بكتيرية تؤدي وظيفة فصل الماء عن الجبن وتسمى منفحة أيضًا وهي مادة تستخدم للتجبين وهي متوفرة عند محلات العطارة إلا أن صانعي الجبن البلدي يفضلون لفح صغار الماعز فهي عبارة عن الحليب المتخثر في معدتها وأمعائها.

يستمر الراعي الذي يمتلك عددًا من الأبقار والماعز لتوفير الألبان بشكل يفي بمتطلباته للعيش من صناعة الجبن كمهنة توارثها من أسلافه في منطقة الضباب التابعة لمديرية مقبنه بتعز، في شرح عملية تحضير الجبن: “يضاف للجبن مقادير مختلفة من الملح أما بالنسبة للجبنة (العوب) التي يتم استخدامها طازجة أو سريعًا في غضون يوم إلى ثلاثة أيام، تضاف كمية بسيطة من الملح أو لا تضاف أحيانًا”. وتعرف هذه بالجبن “الحالي” الذي يستخدم للأكل كقطع مع الخبز. 

اللفح مادة تستخرج من معدة وأمعاء صغار الماعز الذي ماتزال تتغذى على الحليب، تعمل على فصل الماء عن الجبن

قد يبدو للبعض أن تحضير الجبن البلدي طريقة بسيطة، لكنها كذلك لمن تمرَّس عليها وربما ورثها، إذ تتطلب صناعة الجبن البلدي حرفية عالية، وصبرًا ونظافة كبيرة، ودقة عالية في المقادير، وبحسب صانع الجبن الريفي فإنه تزداد كمية الملح كلما زادت الحاجة لإطالة عمر الجبنة وحفظها من التعفن والتلف بحكم الحاجة لبيعها في الأسواق المحلية بتعز أو في المحافظات الأخرى، إذ يمنع الملح البكتيريا من الإقتراب من الجبنة والتأثير عليها وإتلافها.

ويوضع الجبن في أوعية بلاستيكية تعطيه شكله المستدير، ثم يعرَّض لدخان النار في طريقة تعرف بـ: الكِبَاء ( التدخين) حتى تنشف وتجف من الماء وتتماسك وتكسب الجبنة لونها الأحمر ونكهة الكباء (أغصان شجرة يمنح دخانها الجبن نكهة خاصة)، كما يفيد الراعي.

أسواق

أحد باعة الجبن البلدي في سوق الشنيني بتعز ، تصوير حمزة مصطفى
أحد باعة الجبن البلدي في سوق الشنيني بتعز ، تصوير حمزة مصطفى

وفي الأغلب يتم تسويق الجبنة في الأسواق المحلية لريف مدينة تعز منها : هجدة، البرح، البيرين والكدحة”، ومنها تتوزع تدريجيًا للمحافظات المجاورة  لمدينة تعز وأسواقها، أشهرها: سوق الضباب غربًا، وسوق الشنيني وسط المدينة القديمة. 

إذ يعد سوق الشنيني وسط تعز الذ ي يحوي أكثر من 15 محلاً لبيع الجبن البلدي، من أشهر أسواق بيع الجبن وتسويقه وهو يضم العديد من المحلات التي تحوي العديد من أنواع الجبن البلدي المصنوع في أرياف تعز وتحمل أسماء مناطق صناعتها، منها: القاحزي والفاخري و القمعري والهاملي، العوب وأشهرها هو الجبن العوشقي ويطلق عليه كذلك نسبة لمنطقة تصنيعه (العواشقة في البرح).

بحسب اسماعيل الشميري أحد بائعي الجبن في سوق الشنيني فإن الجبن العوشقي هو أشهر أنواع الجبن واغلاها ثمنًا لأنه يظل أكثر فترة ممكنة تتجاوز الشهر دون أن يتعفن، وأنه أكثر ما يتم استهلاكه كهدايا وكان كثيرًا ما يتم تصديره إلى الخليج وأوروبا وأمريكا مع المسافرين كهدايا لليمنيين هناك الذين يحبون أن يتذوقون نكهة بلدهم في جبنة ليس لها نظير.

ويضيف لـ أنسم: تختلف أسعار الجبن من نوع لآخر بحسب جودته وفترة بقائه إذ تتراوح الأسعار بين 1000 ريال يمني تعادل 2 دولار  و خمسة الف ريال تعادل 10 دولار أمريكي.

لاتخلو المائدة اليمنية من السحاوق ويتصدر سحاوق الجبن مع وجبة السمك

موائد

وبحسب قرب السوق أو بعده، وبحسب حاجة المستهلك أيضا خصوصًا في الأسواق القريبة فإنه يقتني حاجته من الجبنة، سواءً “حالية” أو مالحة أو متوسطة الملوحة، إذ تصلح الجبنة للأكل المباشر مع الخبز أو قطع الحلوى، أو تقطيعها ضمن أطباق السلطة، لكن استخدامها الأشهر يكون في إعداد “السحاوق” وهي وجبة حارة عبارة عن عصر قرون الفلفل الحار (البسباس) مع الطماطم والثوم والكزبرة و الخوعة (نبات عطري) وتؤكل مع الخبز، وبالنسبة للمائدة في تعز فإن الجبنة لاتغيب عنها، كما لا تخلو منها موائد المطاعم وخاصة مطاعم وأسواق السمك.

أحد المواطنين التقيناه بالقرب من سوق السمك وسط تعز وهو يتفنن في اختيار الجبن المالح الذي سيتناوله مع وجبة السمك الموفى (المشوي على الجمر) ويأتي به إلى المطعم ليتم إعداد السحاوق خاصته، ” لا يمكن أن أتذوق السمك بدون سحاوق حار ممزوج بالجبن العوشقي المالح”، قال.

مخاوف

 تأثر تصدير الجبن للأسواق اليمنية جراء الحرب والحصار وصعوبة السفر وطول الطريق، رغم أنه كان متواضعًا قبل ذلك مع غياب أي دعم لهذه الصنعة البسيطة وتشجيعها، وسط  مخاوف من اندثار صناعة كهذه، خصوصًا أن إنتاجه مايزال مقتصرًا على الأسر في المنازل وليس هناك توجه للاستثمار في تصنيعه.

بسبب الحصار الحوثي على تعز يضطر منتجي ومسوقي الجبن البلدي إلى سلوك طرق وعرة في الجبال لإيصال منتجاتهم للمدينة

وزادت الحرب من تعقيد الوضع المالي للأسر وتضييق الخناق على الحركة ونقل منتجاتهم، إذ بدأ الانتاج يتضاءل أو ربما يتناقص مع زيادة الطلب وعدم قدرة المنتجين على تلبية الاحتياج المتزايد ناهيك عن انخفاض القدرة الشرائية لدى العديد من المواطنين بسبب الحرب والحصار المفروض على مداخل تعز من قبل مليشيا الحوثي منذ 2015، الأمر الذي جعل منتجي ومسوقي الجبن يسلكون طرقًا وعرة لإيصال منتجاتهم إلى المدينة تعز في رحلة شاقة بين الجبال قد تستغرق ست ساعات بعد أن كانت تستغرق من نصف الساعة إلى الساعة بالسيارة، كما أفاد محمد علي أحد بائعي الجبن في سوق الشنيني لـ أنسم.

ويشير بعض منتجي الجبنة أن عائدها غير مجدٍ مع ارتفاع الأسعار ومقارنة بخسائرهم على تربية الماعز لإنتاج الجبنة، ويرون أن أسعارها متواضعة مقارنة بارتفاع أسعار المعيشة الأساسية والثانوية، لكنه رغم ذلك لا زالت مئات الأسر الريفية تعتمد في معيشتها على الجبنة البلدية: إنتاجا، تسويقًا وبيعًا بمعدل أربعة أقراص جبن في الأسبوع للأسرة الواحدة.

الاستثمار في تصنيع وإنتاج الجبن البلدي سيوفر فرص عمل كثيرة للأسر المنتجة ويحمي الصمعة من الإنذثار

لا إهتمام

يقول حمزة مصطفى مصور صحفي، إنه لا يوجد اهتمام رسمي برعاية تلك الصناعات والحفاظ عليها كما فاقمت أوضاع البلاد التي تعيش حرب وحصار للمدينة منذ خمس سنوات من مخاوف اندثار هذه المهنة التي يتوارثها الأجيال.

واضاف لـ انسم: “لابد من أن يكون هناك استثمار في هذا المجال وهو ما سيوفر فرص عمل كبيرة لهذه الأسر وسيوفر عليهم عناء تسويق منتجاتهم بأنفسهم، كما أنهم لن يكونوا بحاجة للخوف على منتجاتهم من عدم البيع وسيتم توفير حافظات جيدة للجبن، إلى جانب إمكانية تصديرها بانتظام”.

ويتذكر مصطفى قصة الياباني الذي زار تعز في العقد الماضي سائحًا ومايزال يتناقل الناس قصته خصوصًا في منطقة هجدة حيث كان يريد أن يؤسس فيها مصنعًا يختص بتصنيع وتغليف الجبن، لكن إجراءات الاستثمار المعقدة جعلته يرجع الى بلاده وفي فمه مذاق جبن تعز، ” ولكن ستستمر صناعة الجبن البلدي في تعز محتفظة بطرقها التقليدية”.

المصدر | مادة خاصة ببوابة الصحافة الإنسانية – أنسم