لا أحد أكبر من وطنه..

600
صقر الصنيدي
طلبت منه ماريتا أن يترك سلاحه إن أراد الصعود إلى سفينة والدها.
وافق فيدل كاسترو على شرطها وصعد مع رفاقه الثوار الذين سيطروا للتو على هافانا، وحين اقترب من إبنة القبطان لورينز قال لها: هل تعرفين من أنا؟

قالت الفتاة الألمانية: لا أعرف من أنت ولست مهتمة بالسياسة.
في تلك اللحظة، قال العبارة التي تلخص مشاعره الداخلية: أنا كوبا، أنا فيدل كاسترو.. ومنذ ذلك النهار أصبح الرجل أرضاً مترامية الأطراف.

وفي زمن ليس ببعيد عن تلك الحادثة، وقف شآه إيران محمد رضا بهلوي وسط الجموع، وهو يوزع لهم صكوكاً لأرض صادرها من الإقطاعيين فيما يعرف بالثورة البيضاء وقال لهم: أنا أباكم وبدأ معاملة شعبه كالأبناء.

وحين اشتعلت ثورة الخميني لم يكن يتوقع أن ينتفض الأبناء.
وفي لحظة الوداع الأخير قالت له زوجته: قل لهم شيئاً، فقال: ما في هذا الرأس لم يعد يعمل.
كان مصدوماً بتمرد الأبناء الذين بحثوا لهم عن أب جديد لديه عمامة وسوط بعد ذلك نزع العمامة وأبقى السوط.


الإحساس بتملك الشعوب وتحويلها إلى جيش من الأبناء وقرعهم بالعصي هو مبتدأ سيل الهزائم وأول ليلها

يومًا، كتب الأستاذ حسن العديني مقالًا عن رفيق الحريري “لا أحد أكبر من وطنه”، مستشهدًا بتلك العبارة الشهيرة لرفيق حين قيل له هل أنت أكبر من لبنان، فرد بسرعة: “لا أحد أكبر من بلده”..

قالها ورددها الصدى لتصل إلى صفحات الأسبوع حيث كتب حسن واحداً من ألمع مقالاته.

كان شيخا قبليًا تلاشى مجده فيما بعد قد قال: أنا عصا الدولة، وطلب العديني إيضاحًا لم يجيء إلى الآن حول: هل قصد عصا تتوكأ عليه الدولة أم تهش به الرعية.

الإحساس بتملك الشعوب وتحويلها إلى جيش من الأبناء وقرعهم بالعصي وتأديبهم بذنب أو بفرية هو مبتدأ سيل الهزائم وأول ليلها.
وهو شعورٌ يتنامى مع مرور الوقت حتى يكاد يتمسك صاحبه ولا يجد منه فكاكاً.


في مدينة الماء سوارها، قفز من قالوا: نحن حماة لها وأباء لأبناء هذا السهل

وجل ما يحدث اليوم هو شعور التملك الذي يولد السيطرة والسؤدد.
فمن بسطوا بنادقهم على صنعاء وطردوا جوهرها وصبوا الزيت في النار تلبسهم شعور الأبوة والملك.

وهم الآن يرون في الناس حوزتهم إلى حد أن يقاسمهم الرعية الخبز والماء، وهو جدل دائر منذ انطلق فرسي رهان في شعاب مكة.
وفي مدينة الماء سوارها، قفز من قالوا: نحن حماة لها وأباء لأبناء هذا السهل.

نعرف مصلحتهم ونحمي الديار مما يعتمل وقد دفعت عدن وتدفع ثمنًا باهظًا لذلك.. فالخبز يسرق قبل أن يصل إلى المنتظرين وما حدث أمس إلا كلمة في سطر من كتاب الابوة لمدينة يتيمة.

ولأناس سيشهدون على جدار يقام ويحجب عنهم الشمس كما حجبها عن من سبق وماتوا وهم يرددون: إما فتحنا ثغرة للنور
أو متنا على وجه الجدار.
ويقول حفارو القبور لوكالات الأنباء أن الأخيرة ممكنه.

المصدر | مقال خاص بالبوابة اليمنية للصحافة الإنسانية _ أنسم