يموتون بصمت

65
صقر الصنيدي

الأغلب أن لون تلك القطعة القماشية رمادي، او ربما مرور السنوات أفقدها لونها.. كانت تكفي فقط لتغطية النصف العلوي من جسد أخيه الصغير، وكنا محشورين في سيارة مكشوفة للشمس وللعيون التي اعتادت النظر الى العابرين. 

قال أحدنا: هل سيوقظه صوت الأغاني؟، فهز رأسه نافيًا، توقعنا أن يكون ممن يساعدهم صغر سنهم على النوم بعمق.
أسفل نقيل السبيل الذي يربط بين سائلة نخلة ومنطقة كشران التابعة لشرعب السلام بتعز كانت أشجار كثيفة تظلل امرأة تقف وحيدة، حين تسلمت ابنها من ابنها صرخت وهي تردد حروفا ثلاثة، وربما فاجأها أن لديها ذلك الصوت القوي..

عرفنا أنه كان ميتًا وهو بجوارنا.. تذكرنا أننا كنا نغني ونصفق في طريقنا، وبجوارنا طفل عجز أطباء مستشفىً يقع في سوق الحرية بشرعب عن إنقاذه..
لماذا كنا نغني سأل كل واحد منا ذاته؟
لأننا لم نكن نعرف.
بكاء الأم الذي أوقف سيرنا قليلًا  فقط بعث المزيد من العتب لدينا.. السائق أخرج العملة النقدية التي دفعها الصبي واخذ يقلبها، أوجعه شكلها من جديد.
لماذا لم يلحق الطفل ويعيد إليه ما دفع؟

⇐       سامية العنسي.. فتاة الإذاعة |       اقرأ أيصًا في أنسم                               |

كنا أمام لحظات يفقد المرء فيه حسن التفكير، لم يفتح باب ولم ينزل السائق، وحدها الدموع نزلت فأخفيناها عن بعضنا.. بين هذه الجبال لا يسمح بالبكاء إلا في موت الأب او الأم، وكثيرون يرفضون حتى هذا الاستثناء.
لم ننزل للمواساة، ظللنا فقط نتذكر كيف كنا نقول له: ارفع أخاك، ولم يتحدث، وندفعه ليكتفي بأقل مساحة صغيرة بيننا.
لم نسأله عن اسمه أو اسم الصغير الذي في حضنه أو عمره، أو لِمَ هو نائم طيلة ساعة ونصف، لم نقل له هل تعبت من طول الطريق، ففي هذه السيارات المكشوفة التي تُقلُّ متسوقين من مختلف القرى المتباعدة يهتم الناس بالتشبث بها والإمساك بالمقتنيات البسيطة.
كنا أيضا مشغولين بتجنيب أجسادنا بقايا مياه الأمطار المنبعث من تحت السيارات المسرعة التي تمر مقابلنا، هو لم يحب إخبارنا بشيء ولم يوحِ وجهه بذلك، هو صامت، وعندما اتذكره بعد سنوات طوال لا يتحدث أيضًاظ

أبناء قرانا المتباعدة لا يتحدثون حين يحملون أجساد أحبائهم، حين يموت أبناء قرانا لا يريدون أن يعرف أحد أنهم ماتوا، يموتون بصمت.
وهم اليوم يُقتلون بصمت، بينما ينشغل العالم بتجنيب نفسه قطرات الماء التي تنبعث من تحت الإطارات المسرعة.

المصدر | نقلًا من صفحة الكاتب في الفيس بوك