ركلات تصرع الإحباط

1٬062
تونس: مهيب زوى

٫مطلع العام 84 امتلأت قاعة سينما بلقيس، تعالت أصوات الحضور مع مقدمة فيلم بروسلي الذي انتظروه طويلاً، كان الحماس كبيرًا مع ركلات وصرخات (شن زن) الذي ينتقم لمعلمه.. ولم ينتهِ الفيلم مع ركلة بروسلي الطائرة لحظة اعتقاله وهو يصرخ في وجه الجميع، إذ فجأة تعلو نفس الصرخات.. كان شابًا يافعًا مرتديًا نفس البذلة، يؤدي عرضًا قتاليًا على مسرح السينما، ظنه الجميع بروسلي، لولا شعره المجعد.

مطلع الثمانينيات كانت السينما تحظى بشعبية وجمهور كبيرين وكانت أفلام الأكشن الهندية تتصدر شغف الجماهير، تأتي بعدها الأفلام المصرية واللبنانية (بحسب ما يفيد به الكاتب والناقد الفني جمال حسن)، ولم تكن قد بدأت عروض سينمائية لأفلام بروسلي أو أي نوع من أفلام الكاراتيه والكونغ فو حتى أواخر 1983، كما لم يكن للكاراتيه حضورًا رسميًا جادًا في اليمن حينها، أما شعبيًا فكانت فقط ما يعرفه الناس من الأفلام الهندية التي كانت تعرض بشكل دائم في صالات السينما اليمنية: بلقيس، خالدة والسينما الأهلية.

يقول المدرب عدنان الريمي لـ أنسم: ” عندما فشلت محاولاتي لجلب عدد كافٍ من المتدربين، فكرت أن ألجأ للسينما وذهبت لمدير سينما بلقيس – قلب صنعاء – أسأله لماذا لا يتم عرض أفلام كاراتيه وكونغ فو، لكنه فاجأني انه لا توجد اسطوانات أفلام وطلب مني أن أزوده بالأفلام، فعدت خائبًا”.

الريمي اثناء عرض انفرادي بجامعة صنعاء 1984

التحدي

عندما غادر عدنان الريمي صنعاء – شمال اليمن – 1970 كان في الخامسة من عمره رفقة والده الذي تعين دبلوماسيًا في السفارة اليمنية في السعودية وبعدها في المغرب منذ 1979، وحينما عاد إلى صنعاء في أواخر 1982 كان شابًا مفعمًا حيوية حاملًا الحزام الأسود في الكاراتيه والتايكواندو ولديه مهارات كبيرة في الكونغ فو، وكانت في رأسه أحلامًا يريد أن يحققها للعبة التي يحبها كثيرًا.

يقول الريمي: ” ذهبت إلى النوادي الرياضية: الوحدة و الشعب، علِّي أجد فيها ضالتي، وكانت الصدمة، وبدأ الاحباط يتسلل إلي فليس هناك من يهتم للكاراتيه، وكان عليَّ أن أبدأ من الصفر وأخوض التحدي”.

التحق الشاب ذو السبعة عشر عامًا بثانوية جمال عبد الناصر في حي التحرير قلب العاصمة صنعاء، لإتمام الدراسة الثانوية وفي فترة الاستراحة النصفية لليوم الدراسي يقوم بالتدريب منفردًا في ساحة المدرسة مرتديًا بزته الخاصة بالكاراتيه بهدف أن يجمع بعض الطلاب لتدريبهم.

” كنت أحاول أن أجمع أكبر قدر ممكن من الطلاب لتلقينهم بعض التدريبات والعمل على ترسيخ فكرة اللعبة والترويج لها أوساط الشباب” قال الريمي.

حاول الريمي أن يبدأ نشاطه العملي في الأندية وبدأ يمارس فنه في نادي الشعب، يقول لـ أنسم: “كانت صالة صغيرة بدأت فيها تدريب الكاراتيه والتايكواندو منذ يناير 1983 لمدة ثلاثة أشهر جمعت خلالها بعض من اقاربي لتدريبهم هناك ولكنني لم أحظى بمتدربين ملتزمين، وبدأت أحلامي تتهاوى، ثم ذهبت لنادي الوحدة وبدأت فيه منذ نوفمبر من نفس العام، لكن لم يتقدم أي ملتحق أيضًا للتدرب، وبدأتُ بالقيام بعروض قتالية في ساحة النادي، ولم يتجاوز عدد المتقدمين للتدريب أصابع اليد، لكنه كان جيدًا”.

الدكتور عبد السلام: خلال فترة الثمانينيات لم تكن هناك صالات رياضية خاصة للكاراتيه خارج الأندية عدا صالة وحيدة: معهد صنعاء للكاراتيه

حاول الشاب وتلامذته ان يلفت أنظار الناس إليهم، متسلحًا بذكريات تدريباته القاسية: ” في دولة المغرب كنا نركض 10 كيلو متر لنصل غابة المعمورة التي كنا نذهب إليها من كل الأندية لنقيم تدريبات مفتوحة ونزالات هناك، فكانت الفكرة أن أتخذ نفس الاسلوب للترويج للعبة هنا، فكانت حديقة الثورة في حي الحصبة بصنعاء والمعروفة بكثافة الأشجار فيها هي المكان الأنسب لنقيم عروضًا فيها، إذ كانت مهيأة بشكل لائق”. يتذكر الريمي.

ويضيف: ” كان الناس يتحلقون حولنا البعض يسخرون والبعض يبدون إعجابهم ويصفقون لما نقدمه من عروض، لكن لا أحد يتقدم يبدي رغبته في الإلتحاق بنا في النادي”.

لحظة السينما

مطلع 1984 كانت جدران سينما بلقيس والمساحات الإعلانية في الشوارع تخبر بقرب أول عرض فيلم كونغ فو من أفلام بروسلي في صنعاء (قبضة الغضب).

” فرحت كثيرًا بالإعلان وذهبت مرة أخرى لمدير السينما وطلبت منه أن يتيح لي فرصة عمل استعراض قتالي على المسرح عقب الفيلم، وكان يخبرني أن الناس لا تنتظر وأنهم يغادرون سريعًا بعد إنتهاء الفيلم، لكنه وافق بعد إلحاح”، قال الريمي.

ويضيف:” كانت المناسبة مهمة وكان علي أن أعد نفسي جيدًا، اتخذت مقعدي في الصف الأول للقاعة مرتديًا بدلة الكونغ فو، أنتظر لحظتي، أُطفِئَت الأنوار، بدأ الناس يصرخون متلهفون للفيلم، كانوا متحمسين مع حركات بروسلي وصرخاته وبعضهم كان يؤدي لكماته في الهواء وكأنهم يقاتلون معه في نفس الفيلم”.

” بدأ الناس يغادرون القاعة عقب الفيلم، وكنت قد قفزت على المسرح أؤدي نفس الحركات والصرخات وأُشعِلَت الأضواء وكان الناس مستغربين”، قال مبتسمًا.

استطاع الشاب اليافع أن يلفت أنظار الناس إليه بعد فيلم طال انتظاره لبطل لايُنَسى، ما يزال الريمي الذي تجاوز الان الـ 54 عامًأ من العمر يتذكر تلك اللحظة جيدًا وهم يسألونه أين يدرب وفي أي نادي: “عدنان الريمي، نادي الوحدة”، قال لهم..

حظي الكابتن الشاب بعشرين متدربًا جديدًا في نادي الوحدة، وبدأت معه مرحلة جديدة للترويج ونشر اللعبة إذ كان يستغل المناسبات الكروية في ميدان الظرافي وسط صنعاء، وينزل إلى الملعب بين الشوطين ويؤدي عروضه مع تلامذته، وكانت أهم مباراة حينها بين أهلي صنعاء ووحدة صنعاء 1984 أقام بين شوطيها عرضًا قتاليا مع تلامذته بعدها التحق بالنادي مائة متدرب، إضافة إلى بدء الخروج لممارسة تمارين الإحماء والجري في الشوارع حول النادي باللباس الرسمي للكاراتيه – حد قوله.

الريمي: دخلت الكاراتيه لليمن في العام 1975 على يد السعودي أحمد إمام الذي كان معلمًا معارًا في المدرسة الفنية بتعز

لمحة

يقول الكابتن عدنان الريمي وهو أحد المدربين الذين أسهموا بنشر لعبة الكاراتيه في اليمن وما يزال يدربها حتى اللحظة، أن الكاراتيه دخلت لليمن في العام 1975 على يد السعودي أحمد إمام، وهو ما يؤكده أيضًا الدكتور عبد السلام الريمي أستاذ التربية البدنية العلمية في جامعة الجزائر.

يقول الدكتور عبد السلام لـ أنسم: ” جاء السعودي أحمد إمام معلمًا معارًا للمدرسة الفنية بمحافظة تعز- 365 كم جنوب صنعاء – وكان يلعب الكاراتيه وبدأ يدربها في نادي الطليعة، وبعدها انتقل لصنعاء 1977 وبدأ التدريب في مدرسة الشعب – أمام مستشفى الثورة العام، ولكن توقف النشاط في 1979 بسبب بعض الخلافات، تفرق على إثرها اللاعبون وتوزع المدربون على الأندية.

بداية الثمانينيات كان المدرب صادق عبد القوي – ويعتبر أول يمني حصل على الحزام الأسود في الكاراتيه من الجزائر 1979- وكان يدرب الكاراتيه في نادي وحدة صنعاء ولكن عدم الاهتمام باللعبة من قبل إدارة النادي سبب تعثرًا لاستمرار تدريبها هناك فانتقل الى نادي الزهرة، وفي هذا يقول الدكتور عبد السلام الريمي أن عدم الاهتمام باللعبة أثر على انتشارها مطلع الثمانينيات بسبب عدم توفر الإمكانيات وعدم وجود اتحاد للألعاب القتالية، إذ تأسس الاتحاد العام للكاراتيه لاحقًا عام 1986 في اليمن وتم الاعتراف به عربيًا في نفس العام أما أسيويًا فتم الاعتراف به في 1988ودوليًا 1991.

أما عن الاندية التي كانت تمارس الكاراتيه والجودو منذ أواخر السبعينيات بحسب الدكتور عبد السلام فهي: الطليعة وأهلي تعز و الزهرة والشعب ووحدة صنعاء واتحاد الشىرطة الرياضي ومعهد صنعاء للكاراتيه واليرموك
ثم عدن ممثله بشمسان.

أول فريق نظامي للكارتيه في المعهد بالحزام الاصفر

تأسيس المعهد

خلال ثلاث سنوات من عودته اليمن وممارسته تدريب لعبة الكاراتيه، استطاع الريمي أن يكوِّن سمعة جيدة كأحد البارزين في الترويج للكاراتيه ومدربيها بعد تجربة إدخالها لليمن على يد السعودي أحمد إمام منتصف السبعينيات وصادق عبد القوي مطلع الثمانينيات، وبدا يفكر بخوض تجربته الخاصة بتأسيس نادي مستقل بتجهيزات تليق بلعبته التي يمارسها بشغف، بعيدًا عن النوادي الكروية.

يقول الريمي الذي يصنف مدربًا أول من اتحاد كاراتيه اليمن وهو مدرب المنتخب الوطني للفتيات: ” مع بداية 1986 واجهت مشكلة التعصب الرياضي بحيث لم يكن أحد يدخل أو يلتحق بنادي الوحدة إلا مشجعي الوحدة، ناهيك عن أن إدارة النادي حينها بدأوا يتضايقون منا كلاعبين كاراتيه وبدأوا يضايقوننا أكثر”.

في 13 مارس 1986 أسس الكابتن عدنان معهد صنعاء للكاراتيه في مساحة كبيرة بمنطقة نقم شرق صنعاء، كأول نادي وصالة رياضية متخصصة بالفنون القتالية، وهو نفس العام الذي تأسس فيه الاتحاد العام للكاراتيه ومع هذا التأسيس شهدت لعبة الكاراتيه أفقًا آخر في المعهد الذي ما يزال يمارس نشاطاته حتى اللحظة ويستقبل الملتحقين فيه بشكل مستمر.

يقول الدكتور عبد السلام: “خلال فترة الثمانينيات لم تكن هناك صالات رياضية خاصة للكاراتيه خارج الأندية ما عدا صالة وحيدة هي: معهد صنعاء للكاراتيه”.

ويضيف: “عدنان الريمي بحكم تنقله – منذ كان صغيرًا – مع والده الذي كان دبلوماسيًا، سواءً في السعودية أو المغرب أو الجزائر أو ذهابه للصين، تكونت لديه خبرات عديدة من تنقلاته ورحلاته تلك، لقد عمل على إسقاط تلك الخبرات على لاعبيه، فمنهم الآن لاعبين في المنتخبات الوطنية وخاصة المنتخب الوطني للإناث الذي هو مدربه”.

الريمي: عندما رفضوا أن يمنحوني ترخيصًا لتدريب الفتيات بدأت بتدريب بناتي وبنات أقاربي وشكلت أول فريق للفتيات  بالمعهد في التسعينيات

ويحسب للريمي كسر فكرة الرياضة الذكورية وبدأ بتدريب أول فتاة في النادي عام 1995 وكانت (خلود) حينها أول فتاة يمنية تتدرب الكاراتيه في معهد صنعاء لكنها لم تستمر بعد الحزام الأصفر.

يضيف: “حاولت استخراج ترخيص رسمي لتدريب الفتيات ولكنهم رفضوا، فعمدت لتدريب بناتي الكاراتيه: هديل وهند وبنات أقاربي ميسون وأخريات وشكلت أول فريق فتيات للمعهد في التسعينيات”،  ” بناتي وأنا حر، هل استخراج ترخيص لتدريب بناتي؟!” تساءل مستنكرًا.

لم يكن حينها في التسعينيات قد وجدت نوادي رياضية للفتيات إلا أنه في عام 2006 تأسس الاتحاد الرياضي للمرأة وأصبح الريمي مدرب الاتحاد ومدرب المنتخب الوطني للفتيات وشاركت فتيات من المنتخب في مشاركات عربية في الكاراتيه واستمر الاتحاد إلى 2014 وتوقف في 2015 نهائيًا.

ويصف الدكتور عبد السلام الكابتن عدنان بـ: المناضل في الكاراتيه والكونغفو، ويقول: “ما عمله الكابتن عدنان و ما يزال يعمله دليل على حبه للرياضة وتفانيه، كما أن مخرجات معهده تدل على ذلك، وأيضًا لقد تحمل عدنان جميع العراقيل من قبل الإتحاد”.

صورة حديثة للريمي اثناء تدريب في حديقة الثورة ، صورة خاصة أنسم
صورة حديثة للريمي اثناء تدريب في حديقة الثورة ، صورة خاصة أنسم

مع تأسيس معهد صنعاء للكاراتيه لم يكتفِ الريمي بتدريب تلاميذه ولكنه استمر بالترويج للعبة وكان يعمل عروضًا قتالية مستغلًا المناسبات والذهاب إلى الحدائق والمتنزهات والقيام برحلات ترفيهية للاعبين في الأماكن الأثرية والتاريخية والضواحي وعمل عروض هناك.

ورغم الأوضاع التي تمر بها اليمن منذ خمس سنوات من الحرب، ما يزال مدير معهد صنعاء للكاراتيه يدرب تلامذته حتى الآن وأغلبهم من الأطفال والشباب في أحد الأقبية في حي الحصبة غرب صنعاء الذي اتخذه مكانًا للتدريب بعد أن أغلق مقر مركزه القديم في نقم عام 1996.